في
السبت 8 جمادى الثاني 1439 / 24 فبراير 2018

جديد الأخبار والمقالات

الأخبار والمقالات
مقالات
معادلة الوطن للجميع




معادلة الوطن للجميع
عادل الحربي
جريدة الرياض


في ضيافة مواطن جنوب أفريقي من أصل لبناني طرده النظام العنصري من جنوب أفريقيا عام 1983 بدعوى "مخالطته للملونين".. وذلك عندما كان الأجانب يخضعون رسمياً للتصنيف بحسب جواز سفرهم.. فاللبناني وفق هذا التصنيف يعامل معاملة البيض بينما يعامل الصيني معاملة الملونين، بينما في الدرك الأسفل يقبع السود.. حتى جاء نيلسون مانديلا فلم يوحد السود بل وحد الوطن بجميع أطيافه، وأعلن التجاوز عن الماضي وتسامى فوق الثارات وفداحة نتائجها.. حتى باتت جنوب أفريقيا اليوم قطعة من العالم المتقدم وخارجة تماماً عن جوارها الأفريقي البائس؛ وللأسف لم يستفد جاره موغابي من الدرس الجنوب أفريقي عندما طرد البيض من زيمبابوي فانهارت عملة بلاده حتى بات الدولار الأميركي يساوي تريليون دولار زيمبابوي بعد أن كانا متساويين تقريباً.

يقول مضيفنا: إنه كان شاهداً على أعراف عنصرية لا يمكن أن يصدق أحد أنها كانت تطبق حرفياً في هذا البلد الاستثنائي في تصالحه اليوم مع ماضيه: "قبل ثلاثين عاماً تقريباً كان يمنع النظام بقاء السود داخل المدن بعد الخامسة عصراً، ومن يبقى بعد هذا الوقت يسجن أو ربما يقتله أحد البيض، كما كانت بعض المحلات تمنع دخول السود وتكتب على أبوابها (ممنوع دخول السود عدا الكلاب السوداء!!)، كما كان في كل بيت باب جانبي خاص بالخدم السود حتى لا يدخلوا مع أسيادهم.. وعشرات القصص التي يندى لها الجبين".

كنت قبل عام في كيب تاون أسمع صوت الأذان في كل الأنحاء.. كما زرت الجامعة الإسلامية واطلعت على استقلالها التام، وأنا الآن في مدينة ديربن القريبة منها أشاهد كذلك آلاف المسلمين يتمتعون بأيام الأعياد المسيحية وكأنها أعيادهم.. ولا أحد يستطيع أن يدعي أن الأحقاد انطمرت حيث لازال لدى السود ثأر دفين كما لازال البيض يحتفظون بكراهيتهم؛ لكنها سلطة القانون الصارمة التي تقمع الرغبات السيئة وتحرس السلم الاجتماعي، حتى بتنا نرى اليوم الأقلية المسلمة تمارس دينها بكل حرية وترفع الأذان وترتدي الملابس الخاصة بها دون أي مضايقات؛ وكذلك تشاهد السود يستعدون للكريسماس جنباً إلى جنب مع البيض.

الكثير من الدول مرت بتجارب قاسية في سبيل الوحدة الوطنية، وتحت شعار الوحدة الوطنية جرت أفظع التصفيات التي أزهقت فيها آلاف الأرواح.. كان صدام حسين يريد مجتمعاً بعثياً من 20 مليون "رفيق" هم مجموع تعداد سكان العراق

آنذاك، حتى انتهى العراق اليوم إلى خراب.. وكذلك كان حافظ الأسد يريد أن يقلب الديموغرافيا بأن يجعل الغلبة لطائفته وكأنهم 99 % من السكان، وأيضاً ما حدث للأرمن والبوسنيين، وما يحدث حالياً للروهينغا.

كل ذلك يتم باسم الوحدة الوطنية وتحت شعارات مخالفة لسنة الحياة في الاختلاف والتنوع؛ ومخالفة للتجارب الناجحة الماثلة أمامنا في دول العالم المتقدم الذي اختار شعار "الوطن للجميع"، حتى إنها مخالفة لتاريخنا الإسلامي ومجتمع المدينة المنورة زمن النبي الكريم خير شاهد.

لذلك فإن الوحدة الوطنية ليست في وحدة المذهب أو العرق بل في مدى القدرة على حفظ التنوع وحمايته بعقد اجتماعي يعطي الجميع حقهم في المواطنة الكاملة.


خدمات المحتوى
    زيارات 21
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري