في
الأحد 5 رمضان 1439 / 20 مايو 2018

جديد الأخبار والمقالات




غبار التنطع
عادل الكلباني
جريدة الرياض


إن من الخطأ بمكان، بل ومن الجناية على المجتمعات، أن ندعوهم للعودة إلى الأزمنة السابقة، ورسم صورة سيئة عن حضارة اليوم، وإيهام الخلق أن النعم التي أفاضها الله علينا إنما هي نقم وبلاء، وأن ما قبلنا كانت حياتهم أجمل، وهذا ليس بصحيح..

ونحن نشاهد ونسمع ما يقوم به حراس "المملكة" من تضحيات وجهود جبارة في تأمين جوها وبحرها وحدودها، من عبث العابثين، وإفساد المخربين، نعلم جيدًا أن هؤلاء الحراس الأبطال، يقومون بواجبهم الديني والوطني، ولا ينتظرون لفعل ذلك ثناء مادحاً، ولا يثنيهم عنه غيظ قادح، ولا شك أن هؤلاء الأبطال قد حددوا هدفهم الأسمى في خدمة الدين والوطن، فهم ماضون لتحقيقه، وهذا ما دعاني لأسطر هذه المقالة لعل وعسى أبلغ بها المراد، وهي مقالة تستنهض ما في نفوس أغلب الدعاة والمشايخ، إن لم أقل كلهم، وتحيي فيهم روح "المراجعة" ليس تمشيًا مع وضع قائم، ولا إرضاءً لجمهور أو لحاكم، وإنما لترقى أفعال وأقوال الدعاة والوعاظ إلى مستوى تلك التضحيات، وتتفق الغايات، ويتحد الجهد في بناء الوطن وتحافظ على موقعه في مقدمة الركب.

إن الخطاب الموجه لهذه الثلة القائمة بنشر ثقافة وسماحة وأحكام الدين القويم، خطاب ذو مصادر متعددة، ومقاصد مختلفة، ولا شك أن في بعضه جفاء، كما أن في بعض منه تجاوزاً في التوصيف والثناء، وليس هناك أنفع لهذه الثلة المباركة من خطاب ينطلق منها إليها، منبهًا لهم، على ضرورة "المراجعة الفقهية" لكثير من مستجدات العصر، والتريث عند الحكم عليها، ويكفينا تجارب كثيرة مرت بنا في مسائل وقف بعضنا منها موقف المانع والمحرم، وليس ذلك بممنوع في الفقه أن يكون لك رأيك الفقهي، وإنما تجاوز الكثير وحاول فرض آرائه الفقهية، حتى تبنتها المجتمعات، وأصبحت عادات راسخة، والأسوأ من ذلك، محاربة الرأي الآخر، وتصنيفه بعدو، أو جاهل، أو مميع.. إلخ. وما إن تستقر المسألة وتتضح بأبعادها الفقهية إلا وقد صعب على صاحب الرأي نفسه إقناع أتباعه بتراجعه! ولنا في تحريم التصوير العصري والتلفاز والهواتف النقالة وغيرها أمثلة عملية، تدعونا لتوسيع مداركنا، والمشاركة الفعالة في تثقيف المجتمع لقبول المتغيرات الواقعية المرتبطة ببناء واقتصاد الوطن.

إن من الخطأ بمكان، بل ومن الجناية على المجتمعات أن ندعوهم للعودة إلى الأزمنة السابقة، ورسم صورة سيئة عن حضارة اليوم، وإيهام الخلق أن النعم التي أفاضها الله علينا إنما هي نقم وبلاء، وأن ما قبلنا كانت حياتهم أجمل، وهذا ليس بصحيح، وإنما قال به قائله لعدم تفريقه بين دعوة المجتمعات بالعودة إلى الوراء، وبين من يدعونا لجلب دين تلك الأزمنة وأخلاق أهلها ومزجها بحضارة اليوم والتمتع بنعم الله وتيسيره لخلقه.

إن زمانا كانت فيه مشقة جلب الماء، ومعاناة مرضاه، وقلة الطعام والشراب، وانعدام المركوب، والفقر المدقع بالناس، ليس بأفضل من زمن توفر فيه الماء إلى كل منزل، وتفنن الأطباء في معالجة الأمراض والأوبئة بأحدث الأجهزة، وتيسر الحج بساعات من شرق الأرض ومغربها، فمن يقول: إن ذاك أفضل من هذا فقد أصيب في عقله!

إن مهمة العلماء والدعاة والوعاظ، هي نقل دين محمد صلى الله عليه وآله من زمن إلى زمن، باستخدام الوسائل المتاحة لكل زمن، وليس المطلوب تقييد الحضارات ببعض ما يستنبط من بعض النصوص دون النظر إلى أن النصوص الشرعية واسعة الدلالة، وقد يستنبط من الآية والحديث لكل زمان الأحكام الخاصة به، وهو عين ما يسميه كثير من المتنطعين تميعًا.

إن كثيراً من الدعاة والوعاظ "يحذر من التنطع والغلو" في خطابه وكلامه، ومازال غبار التنطع ظاهرًا في أعماله وتصرفاته ومواقفه إزاء كل جديد، وبما أن المسلمين اليوم يواجهون كل هذه التحديات ومصممون على نفض غبار التخلف والعنف، فإنه من المناسب أن نجد في المجتمع دعاة ووعاظاً وعلماء ينفضون عن المجتمعات غبار التنطع! هذا، والله من وراء القصد.


خدمات المحتوى
    زيارات 139
تقييم
1.00/10 (10 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري