في
الإثنين 2 ربيع الأول 1439 / 20 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

الأخبار والمقالات
تحقيقات
شعراء سعوديون "مؤثرون" تغنَّوا بالوطن وحب القيادة ومكارم الأخلاق.. و"تويتر" كان نافذتهم التي لا تجامل




 شعراء سعوديون
بدر العتيبي "صحيفة سبق الالكترونية" - بسبب صورة الملك فهد.. شاعر ينظم قصيدة تداولها الناس طويلاً.. والملك سعود وصف أحدهم بـ"الصغير في سنه الكبير في شعره"
- أبياتهم تعزّز اللحمة الوطنية وتدعو لوحدة المجتمع وتحظى في مجتمعنا بقبول كبير وتأثير أعمق
- حياتهم الشعرية مليئة بالحكمة والفلسفة الشعرية والمزج بين النصح وتقديم حب الله على كل ملذات النفس البشرية
- قصائدهم الوطنية والاجتماعية لا تزال راسخة في التاريخ يرددها العامة قبل متذوقي الشعر الجميل
- شعراء مبدعون طوَّروا الشعر الشعبي وحدَّثوا مفرداته وقرَّبوه للناس أكثر
- الوسط الشعري خسر شعراء امتدت تجاربهم الشعرية لسنوات طويلة وأحبهم الناس

رحل عن الحياة في السنوات القليلة الماضية عددٌ من كبار الشعراء الشعبيين السعوديين، وبقيت قصائدهم الوطنية والاجتماعية راسخة في ذاكرة التاريخ، يرددها العامة قبل متذوقي الشعر الشعبي"النبطي"، الذي يحظى في مجتمعنا بقبول كبير، وتأثير أعمق.. وهم شعراء كبار، طوَّروا الشعر الشعبي، وحدَّثوا مفرداته، وقرَّبوه للناس أكثر.

في التقرير الآتي تستعرض "سبق" ملامح من أبرز سمات ووجوه الشعر الشعبي السعودي، الذي خسر عددًا من أبرز رواده وشعرائه البارزين.

عزوف إعلامي
وبلمحة تاريخية، وقبل رحيل هؤلاء الشعراء المبدعين، عانى كثيرٌ منهم عزوف الإعلام المحلي، وعدم الاهتمام بشعرهم، وإهمال إبداعاتهم، وإقصاءهم من البعض مدعين أن الشعر الشعبي يهدِّد اللغة العربية في صالح اللهجات المحكية.. ورغم ذلك، ورغم شح المنابر الإعلامية، وصلت أبياتهم لمحبيها عبر بعض المنافذ، كالمجلات الشعرية في حقبة التسعينيات الميلادية، وأوجدت مساحة كبيرة لعرض قصائدهم، وأبرزت شعراء.. إلا أن تلك المجلات تراجعت، وبعضها خرجت من السوق؛ فحل محلها القنوات الشعبية الخاصة، وبعض المنتديات الأدبية، وظلت تدفع مسيرة هؤلاء النجوم للصدارة إلا أنها لم تستمر بذلك الوهج مع قلة الإمكانيات، ودخول "الشللية" في برامجها، وتقديم شاعر على الآخر لأسباب شخصية، ولضعف الكوادر باستثناء بعضها؛ فاتجه بعضهم لإقامة الأمسيات والأصبوحات الشعرية في بعض المهرجانات الموسمية، أو حفلات الزواج، كمنصات غير رسمية، يصافحون بها جماهيرهم؛ وذلك بسبب دعوات ومطالبات بعض المثقفين والمفكرين السعوديين لتهميشهم؛ لأنهم لا يرتقون بالأدب الشعبي الذي هو – بلا شك - كما يقال امتدادٌ للأدب الفصيح على مر العصور الماضية.. وذلك بالرغم من أن الشعر كان وسيلة تخاطب في أزمنة ماضية، وكانت القبائل قبل سنوات تفتخر عند ولادة شاعر لها، وتراهن عليه.

مصافحة الجماهير
ومع تقدُّم السنوات، وابتعاد المنصات الرسمية عنهم، وغياب الإعلام الرسمي عنهم، حملوا أشعارهم، وحلقوا بالإبداع في منابر عدد من البرامج الشعرية الخليجية، منها - على سبيل المثال - برنامج "شاعر المليون"؛ فبرزت نماذج شعرية شبابية سعودية كثيرة، وتغنوا بالوطن، وترابه الغالي، وحب القيادة السعودية، وولاة الأمر، ومكارم الأخلاق.. وحققوا مراكز متقدمة، وظلوا يهمسون بالحب، والوجد.. وبقي لهم "تويتر" كآخر نافذة حرة يتواصلون مع جماهيرهم عبرها، ولا يحكمها رقيب، وغير قابلة للمجاملات.

وفي السنوات الأخيرة عانى الوسط الشعري سقوط بعض رموزه ومبدعيه من شعرائه الكبار، الذين امتدت تجاربهم الشعرية لسنوات طويلة، وعرفهم محبوهم، وكان لفقدهم جرحٌ كبيرٌ في جسد الشعر الشعبي السعودي.

وفيما يأتي بعض أبرز مَن فقدتهم ساحة الشعر الشعبي:

ابن شايق
في 19 من جمادى الآخر ١٤٣٥هـ نعى محبو الشعر الراحل عبدالله بن شايق في حادث مروري، وقع في مركز ظلم، بعد أن أحيا ليلة محاورة حافلة بالتميز والإبداع. وقد رحل عن عمر يناهز الـ ٥٠ عامًا. وكان ابن شايق قد نظم الشعر في أول شبابه، وله حضوره في ملاعب المحاورة، ويهابه الخصوم لقوة أبياته، وحبكتها.. ولُقّب بمتنبي الشعراء، وملك الموال، والجنرال.. وكتب العديد من القصائد، وطرق أغراض الشعر. ومن أشهر أبياته:
(‏يقولون تسلى في حياتك ليا غنيت ** ‏وأقول السعادة في صفوف المصليني ‏
وأنا في رجا الله وأطلبه كل ما صليت ** ‏عن الناس واللي من ورا الناس يغنيني)

شاعر تميم
وبعده تقريبًا بعام، وتحديدًا في 26 من رمضان في العام ١٤٣٦هـ، توفي هرم الشعر، الشاعر عبدالله بن صقية، الملقب بشاعر تميم، عن عمر يفوق الـ ٧٠ عامًا، وكان مبتعدًا عن الإعلام بكل منابره، ويُعرف بنَفَسه الطويل في كتابة القصائد المطولة، التي عُدّت من الملاحم الشعرية.

رشيد الزلامي
وفي 7 من ربيع الأول من العام ١٤٣٧هـ ودّعت الساحة الشعرية عملاق الشعر المخضرم رشيد الزلامي عن عمر ٨٨ عامًا. وعُرف الزلامي بحرصه على توظيف الحكمة في شعره، والحث على مكارم الأخلاق والرجولة.. وقد خاض ميادين الشعر في النظم، وشعر المحاورة، أو المراد كما يسمى. واشتهرت له قصائد عدة، من ضمنها تلك الأبيات الشهيرة التي قالها في الملك فهد - رحمه الله - وكان حين ذاك يعمل عسكريًّا بالكويت، وكان يقرأ مجلة فيها صورة الملك فهد عندما كان وزيرًا للمعارف وقتها؛ فقال قصيدة، منها الأبيات الآتية:
(أنتم بدار مدلهة صدر من ضاق ** وأنا تخيل صورته بالمجلة
ما تعرفونه يارديين الأعماق** هذا الفهد ذخر الفهد في محله)

الحويفي
وتعرَّض الشاعر بدر بن عواد الحويفي لوعكة صحية في الـ7 من ربيع الأول من العام نفسه، ومات ودُفن في الرس. وقد كتب الحويفي الشعر في مرحلة مبكرة من عمره، وبرز في شعر القنص، والصفور، وسمي شاعر المقناص، وله مساجلات شعرية، وأبيات حكمة رائعة، قال فيها:
(‏لا تازن الرجال لا شفت زوله ** ‏وزن الرجال عقولها يا فتى الجود
‏ما ينفع الرجال جسمه وطوله ** ‏لا صار ما يدري عن النقص والزود)

الحكمة والفلسفة
للموت قصة بعد رحيل أحد أشهر الشعراء الشعبيين في الوطن العربي، المخضرم سعد بن جدلان الأكلبي، بعد حياة شعرية مليئة بالحكمة والفلسفة الشعرية، والمزج بين النصح وتقديم حب الله على كل ملذات النفس البشرية. ولم يكن ذلك اليوم الذي توفي فيه ابن جدلان عاديًّا؛ إذ طُويت معه صفحة شعرية بعد توقُّف قلب مسطرها في 19 من رجب العام ١٤٣٧هـ، وكان فقده مؤلمًا لمحبيه؛ إذ عبّر في حياته عن آلامه وتطلعاته، ونادرًا ما تمر أبياته على المسامع دون أن يكون لها وقع. له أبيات كثيرة مشهورة، من ضمنها تلك التي تُردَّد، وأصبحت مضرب مثل.. يقول فيها:
(ودنا بالطيب بس الدهر جحاد طيب ** كل ما تخلص مع الناس كنك تغشها
يدك لامدت وفا لاتحرا وش تجيب ** كان جاتك سالمة حب يدك وخشها)

ابن زويبن
وبعده بنحو شهرين تُوفِّي الشاعر المعروف عبدالله بن زويبن، بعد معاناة من المرض، تردد خلالها على مصر للعلاج ثم عاد، وتوفي تاركًا وراءه إرثًا شعريًّا، وتجربة أدبية، يُفتخر بها.. وله أبيات رائعة، ينصح فيها ابنه، ويقول:
(خلك شمالي عند زلت قرايبك ** وعلى الحقوق اليا نصنك أحجازي
وللضيف والجيران لين جوانبك** وبالطيب جـاز وبالردى لا تجـازي)

ابن سواط
وفي نهاية الشهر الماضي انتقل إلى جوار ربه عملاق شعر المحاورة جارالله السواط، أحد أبرز رواد شعر المحاورة، ولُقّب بالمحارب، وظهرت موهبته وعمره لم يتجاوز ١٦ عامًا. قال عنه الملك سعود "الشاعر الصغير بعمره الكبير بشعره". وصُلّي عليه في المسجد الحرام، وكان قد اعتزل الشعر قبل رحيله.

الناصر الشايع
ونتوقف عند شاعر كبير، يسخّر القوافي، ويغوص في بحور الشعر؛ فيأتي بالدرر النفيسة.. هو الراحل أحمد الناصر الشايع، الذي تُوفي الأحد الماضي بعد معاناة من المرض. تجلت موهبته قبل بلوغه، ولعب في المحاورة ثم اعتزلها، ولُقب وقتها بأمير شعراء المحاورة، وظل يكتب في شعر النظم، وتغنى بشعره عدد من المنشدين. كتب في الحكمة فأبدع، وفي الغزل فأمتع.. قصائده يعرفها ويحفظها الجميع.. له بالغزل أبيات:
(‏ليت عيني وإن بغت شوفه تشوفه** ‏كود قلبي يستريح ويرجهني
حيث عيني عن هوى غيره عيوفه** ‏ما تبي غيره لو إنه غاب عني)

مساعد الرشيدي
ولم تجف دموع الشعر بعد وفاة الشايع حتى أفاق السعوديون على خبر وفاة "سيف العشق"، مساعد الرشيدي، الذي أغمض عيناه للأبد عن عمر ٥٥ عامًا، بعد صراع مع المرض، لم يمهله طويلاً. كتب تغريدة ينعى فيها الراحل أحمد الناصر الشايع قبل أيام قليلة، قال فيها: "اللهم ارحم أحمد الناصر الشاعر العلم الكبير، مر كالغيوم، لا تترك إلا ظلاً أو مطرًا.. وألهم أهله ووطنه ومحبيه الصبر والسلوان".


والرشيدي وُلد بالدمام، والتحق بالسلك العسكري ضابطًا بالحرس الوطني، ويمتاز شعره بالبساطة والعمق، ورسم صورة شعرية طرية عذبة، فضلاً عن حضوره الشعري على المسرح، واختياره للمفردة، وشعره البدوي الرقيق.. قال عن نفسه: "أنا خليط من السعودية، وأحب هذه الأرض".. فبكته هذه الأرض، وبكاه الشعر. والرشيدي من جيل ومدرسة الثمانينيات والتسعينيات الميلادية الشعرية، وأحد النجوم الذين ظهروا على أغلفة المجلات الشعبية والملاحق الشعرية، وكان يتسابق الجمهور لشرائها؛ فترك رحيله فراغًا، لا يمكن أن يشغله أحدٌ؛ فغاب نجم الشعر، ونعى محبوه فقيدهم عبر أبيات شعرية، وتذكروا قصائده، خاصة التي كتبها في حب الوطن، وكان آخرها تلك التي امتدح فيها رجل الأمن جبران عواجي، وقال فيها:
(‏ما دام يولد للوطن مثل جبران** ‏تموت عدوان الوطن ما تطوله).

مطالبات بالتكريم
ومع غياب هؤلاء العمالقة الذين أثروا مسارات الشعر الشعبي، وأغنوا ميادينه، لا تزال المطالبات مستمرة بتكريمهم، والاحتفاء بهم.. فقد كانوا لسان الوطن في السلم والحرب، ويكفي ما بقي من قصائدهم في حب الوطن، حتى وهم على فراش المرض، يرددها أغلب المجتمع، ويتغنون بها.


خدمات المحتوى
    زيارات 241
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري