في
الإثنين 2 ربيع الأول 1439 / 20 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

الأخبار والمقالات
تحقيقات
دُعاة مثيرون للجدل.. الساحة الدعوية مخترقة !




دُعاة مثيرون للجدل.. الساحة الدعوية مخترقة !
جريدة الرياض
أسلوب التهريج والتنكيت يضيع مهابة الدعوة



تمر الساحة الدعوية بمنعطفات خطرة، ومهددات حقيقية نظير اقتحام غير المؤهلين للدعوة لهذا المجال بأساليب بعيدة كل البعد عن إسلوب الدعوة والوعظ الصحيح مما أثر على الخطاب الدعوي ونزل به من مقام العلم والخلق الفاضل واللين في الأسلوب وانتقاء العبارات المناسبة في الخطاب إلى الوقوع في كثير من التجاوزات ولغة التهريج واختراق سياج الحياء بألفاظ غير لائقة، إلى جانب انحراف بعض من ينسب نفسه لهذا المجال إلى منزلقات الغلو والتشدد، أو استخدام الألفاظ البذيئة والنكت الهابطة التي تؤثر على سلوكيات الجيل، بعيدا عن النهج الوسطي والهدي النبوي بتأصيل والعلم الشرعي واتباع الرفق واللين والموعظة الحسنة في الدعوة.

ومع أساليب بعض المنتسبين للدعوة وتجاوزات البعض منهم في الحديث الفضفاض والألفاظ المرفوضة، هناك وعلى الجانب الآخر من يلتمس لهم العذر ويوجد المبرر بدعوى أن الغاية نبيلة وأنهم استطاعوا تغيير أفكار وسلوكيات بعض المنحرفين وأعادوهم إلى جادة الصواب، إلى جانب ضرورة مخاطبة جيل الشباب بلغتهم وأساليبهم البسيطة حتى يتقبلوا أسلوب النصح والتوجيه.

«الرياض» تفتح هذا الملف الشائك، وتناقش عبر هذا التحقيق أهل الاختصاص من مشايخ وأكاديميين ممن أمضوا سنوات في مجال الدعوة حول واقع الخطاب الدعوي وسبل تطويره.دعاة كالمهرجين!

بداية تأسف د. خالد الزهراني -عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية- من حال بعض المنتسبين إلى الدعوة الذين تحولوا إلى مهرجين بنكتهم وحركاتهم العجيبة وحكاياتهم الغريبة حتى وصل بهم الحال إلى التغزل ببعضهم، واختيار كلمات يستحي العاقل من ذكرها، لتتحول بعض المنابر الدعوية -ومع الأسف الشديد- مرتعاً لهم دون خجل أو حياء، لافتاً إلى الخطورة التي تكتنف تصدرهم الساحة كون بعضهم جاهلاً بأحكام الدين ومقاصد الشريعة، وبالتالي يكون التابع لهم فريسة وصيداً ثميناً لأهل التكفير والخروج على ولاة الأمر، وفي أقل أحواله يكون مبتدعاً في الدين والعقائد غالياً فيها إلا ما رحم ربي.

وقال: إن من المقرر عند العقلاء أن الأعمال العظام والمهام الجسام لا يقوم بها إلا من هو كفء لها، والدعوة إلى الله من أعظم المهام على الإطلاق كيف لا وقد قام بها خير خلق الله عليهم الصلاة والسلام، وقال فيهم رب العزة والجلال: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعملا صالحا وقال إنني من المسلمين)، ومهمة الدعاة في هذا العصر أعظم وأعمق وأكثر تشعبا وأكثر حاجة؛ لأن عملهم لم يعد يقتصر على إلقاء المحاضرات أو الكلمات والوعظ والفتوى بل تعدى ذلك بمراحل كثيرة حتى أصبح مسؤولا عن بناء المجتمع وحمايته من الانزلاقات الفكرية والانحرافات الإجرامية.

خطورة الكلمة

وقال د. غازي المطيري -أستاذ كرسي الأمير نايف لدراسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-: لقد اكتسبت الكلمة في عصرنا وضعاً خطراً للغاية؛ حيث تبلغ الآفاق في ثوان معدودة، ويصبح من العسير إزالة آثارها السلبية، ومن هنا فعلى الدعاة والمربين والأدباء والمفكرين والكتاب وكل من له صلة بالجمهور، أن يرقوا إلى معالم الشعور بالمسؤولية والرقابة الذاتية، التي لا تجعلهم مادة دسمة تلوكها الألسنة وتتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي غمزا ولمزا وقدحاً، وخاصة إذا تناقضت مع أبجديات العقيدة، وخرقت سياج الحياء، وهددت البنية المجتمعية برمتها، وانطلاقاً من تلك الحقائق الموضوعية، فمن الضرورة أن تكون ثمة إدارة رقابية مسؤولة عن تلك التجاوزات لحماية بيضة المجتمع وبنيته من الأخطاء ووضع لوائح وأنظمة لمعاقبة كل من يخالف ذلك، ولا يدع الأمر للمبادرات الشخصية.

وتابع: لابد من توجيه الشباب من الجنسين إلى الأخذ عن العلماء ذوي الأحلام والنهى، وقديما اشتهر عن طلبة العلم، الحرص على الأخذ من الأشياخ من ذوي السمت والوقار قبل الأخذ من علومهم، وقد اقترنت منهجية الجمع بين الأدب والعلم في سيرة طلب العلم عند سلفنا الصالح، وفي ذات الوقت حصل انفصام نكد بين تلك المنظومتين في السنين الأخيرة وخاصة من قبل المتصدرين للعلم والدعوة قبل اكتمال آلتهم الأدبية والعلمية، وخاصة من قبل حدثاء الأسنان، الذين حذّر العلماء من الأخذ عنهم.

مهابة الدعوة

من جهته دعا د. عبدالرب آل نواب -الأستاذ بكلية الدعوة وأصول الدين- إلى منع كل من لا علم له ولا معرفه لديه ولا سمت، وكل من لا ينضبط بضوابط العلم والخلق الفاضل كي لا تضيع مهابة الدعوة وحتى لا يلبس عباءة الدعوة كل من هب ودب، مشيراً إلى أن الداعية يُعرف من ضوابطه ومؤهلاته العلمية والأخلاقية والسلوكية، وليس كل من انتسب إلى الدعوة أو تكلم بالمواعظ أو تزيا بزي العلماء وأطلق لحيته كان داعية، وكثير من الناس ينظر إلى الملتحي والقاص والواعظ على أنه داعية وهذه نظرة قاصرة، فالداعية في أجمع تعريف وبأبسط عبارة هو (العالم العامل الحكيم القدوة) أي من جمع بين العلم والعمل والحكمة في القول وهو في ذاته قدوة لما يقول في سمته وأسلوبه ومنطقه، فهو يتخير من الألفاظ أحسنها ومن المنطق أعذبه ولا يتفوه بكلمة نابية ولا بكلمة فيها شتم أو طعن أو تعريض بأحد على وجه الإساءة والتعيير فضلا عن أن القاموس الشخصي للداعية لا يحتوي على كلمات بذيئة، وهذه الضوابط العلمية والأخلاقية مستقاة من عدد من النصوص ليس في هذا مقام بسطها، منها قول الله تعالى: «وقولوا للناس حسنى»، وقوله: «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء».

وقال د. آل نواب: من سمات الداعية أن لا يضحك إلا بحاجة وإذا ضحك لا يقهقه وإنما يتبسم فما للدعوة التي يحملها من مقام عالٍ وترفع عن الابتذال وترفع عن الضعة التي يهوي إليها السوقة والرعاع وهمل الناس فالدعوة تحمل سمة الجد وفي التنزيل الحكيم: «إنه لقول فصل وما هو بالهزل»، وكم يسيء الداعي إلى نفسه وإلى الدعوة حين يسف إسفافا أو يتنزل إلى مستوى رعاع الناس أو يهوي إلى رتبة الجهلة لذا ورد النهي أن يجلس المسلم المتمسك بدينه مع الفسقة والعصاة: «فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم».

وحول خصائص الخطاب الدعوي أوضح د. آل نواب أن له خصائصه وسماته وأدبياته، وحتى يكون خطاباً دعوياً ينبغي أن يظل الداعية محافظا على خصائصه وضوابطه، فمتى فقد شيئا منها خرج عن كونه خطابا دعويا مؤثرا، فلا جدال بلا طائل ولا إسفاف ولا سخرية ولا سب ولا لعن ولا تعرض للطعن في الأشخاص بل في الخطأ والحجة الفاسدة والاستدلال الباطل، والخطاب الدعوي ترتفع أدبياته إلى مقامات العلم والخلق الفاضل فثمة تغاضٍ عن الهفوات وتغافل عن كثير من مساوئ الأخلاق ولا مجاراة للسفيه في سفهه، ومن الخطاب الدعوي الترفع عن حظوظ النفس وشهواتها وتجنب للهوى فلا انتقام للنفس ولا تشهير بأحد إلا بضابط شرعي، وأدبيات الخطاب الدعوي يعرفها الدعاة العالمون.

أسباب الظاهرة

وأرجع د. آل نواب سبب وجود دعاة لا يجيدون الخطاب الدعوي إلى عوامل من أبرزها الانفلات الذي مر به البعض في سابق أيامه، ثم معرفته طريق الاستقامة فيبدأ كردة فعل تعويضا عما فاته من الخير فيتخبط بلا علم، وترى أثر هذه الفترة السيئة واضحة في أسلوب كلامه وطريقة ضحكه وعرضه لبعض النكت وقد يكون فيها تلميحات لا تليق بالداعية الحصيف، ومن الأسباب أيضا قلة العلم الشرعي فلا ينبغي أن يتصدر للدعوة إلا من تعلم العلم الشرعي وعرف مقاصد الشرع وأدبيات الدعوة وسمت العلماء وإلا فسيكون خطر هؤلاء كبيراً على المجتمع لا سيما إذا أفتوا في أمور تمس أمن المجتمع وسلامته، وهل بليت الأمة إلا من قِبل هؤلاء الذين يفتون بلا علم فيضلون ويضلون وقد يتكلم أحدهم في أمور عظام لا يتجرأ على الإفتاء فيها حتى جهابذة العلم إلا بعد مشورة وروية وأناة، ومن الأسباب حب الظهور والشهرة وتصدر المجالس ولكن بلا علم أو بعلم ناقص وهذه من آفات النفوس ومن المهلكات، ومن الأسباب الانسياق وراء مشايخ الضلالة، وقنوات التواصل تعج اليوم بهذه الأشكال من الدعاة الذين شرهم أكبر من نفعهم.

خرق سياج الحياء

وحذر د. غازي المطيري من خرق سياج الحياء وتهديد البنية المجتمعية مشددا على أهمية الرقي إلى معالم الشعور بالمسؤولية والرقابة الذاتية، داعياً إلى استحداث إدارة رقابية مسؤولة عن تلك التجاوزات لحماية بيضة المجتمع وبنيته من الأخطاء ووضع لوائح وأنظمة لمعاقبة كل من يخالف ذلك، وألا يترك الأمر للمبادرات الشخصية.

وقال: من المسلمات البدهية، أن كل من تسنم وتبوأ مقام التوجيه والإرشاد والتربية، عليه أن يدرك أن خطواته محسوبة، وخطأه أمام الملأ لا يُغتفر مما يلزمه أن يتحلى بمزيد من اليقظة والحذر، فالمستقبل الذي ينتظر جهده مرهون بآرائه وأقواله وتصرفاته سلباً أو إيجاباً، وهي لا تخرج عن عدد من الاحتمالات منها: إما تبقى رواية سيئة السمعة، تلاحقه أين حل أو ارتحل، وإما أن يترشح قدوة سوء، يلزم غرزه الجاهلون الغافلون، فيتضاعف عليه الحوب والتثريب، وإما يشوه جهده السابق، وصفحته المستقبلية المنظورة، فيجعل بينه وبين التأثير حجرا محجورا.

الدعوة بأسلوب «عروض السيرك» ..!

أوضح د. خالد الزهراني أن الشرع الإسلامي لم يحرم الضحك والمزاح، ولكن ضبطه بضوابط وحده بحدود، وهذا الأسلوب الفكاهي لم يحقق أي نجاح يذكر في التزام الشباب أو إرجاعهم إلى الحق، وإن كان ثمة نجاح يذكر فإنه نجاح مادي أو إن شئت فقل تسويقي؛ حيث نراه يتزامن مع إقامة المهرجانات التسويقية أو عروض السيرك البهلواني، وإن ما يقوم به هذا الصنف من الناس الذين أطلق عليهم تجوزاً "دعاة" لا يؤدون حقوق المدعوين التي أوجبها الله عليهم ولا يراعون مكانتهم الاجتماعية ولا الفكرية ولا مصلحة المجتمع العامة، مما يكون له انعكاس سلبي خطير، وموقف من الدعوة الصحيحة؛ لأنها وصلت إليهم مشوهة ناقصة، وقد قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما تعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله).

وأشار إلى أن هذا الصنف من الدعاة يعدون من أهم معوقات الدعوة الصحيحة في العصر الحاضر، لأن من تدين والتزم في هذه الساحات الدعوية غالباً يكون جاهلا بأحكام الدين ومقاصد الشريعة، وبالتالي يكون فريسة وصيداً ثميناً لأهل التكفير والخروج على ولاة الأمر، وفي أقل أحواله يكون مبتدعاً في الدين والعقائد غاليا فيهما -إلا ما رحم ربي-، ومن هنا يكون مكمن الخطر، والواجب على أهل الحل والعقد ومن له صلاحية من الجهات الرقابية كوزارة الشؤون الإسلامية، وهيئة كبار العلماء، ووزارة الداخلية وغيرهم، ردع هؤلاء والأخذ على أيديهم ومحاسبة المنابر التي تسوق لهم، كما جاء في الأثر: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

«جُهّال»يتصدرون المنابر الدعوية بأساليب جديدة لم تعرف عن السلف!

أكد د. خالد الزهراني أن من سمات الدعاة ومقومات نجاحهم حسن العبارة وانتقائها ليتوافق مع عظيم ما يدعون إليه وهو الإسلام وما ينطقون به وهو قول رب العالمين ورسوله الأمين وإصلاح المجتمع، فمتى شذوا أو شطحوا في عباراتهم وألفاظهم كانوا عالة على الدعوة، وأفسدوا أكثر مما أصلحوا، وهدموا أكثر مما بنوا، فإذا تقرر هذا فإنه من المحزن أن نرى في الساحات الدعوية من تسلط عليه الأضواء خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، ويعد من الدعاة البارزين، ويشار إليه بالبنان، وهو لم يعرف بطلب علم شرعي أو حاز على شهادات عليا في هذا الباب، بل لا أكون مبالغاً إن قلت متطفل على شيء لا يحسنه، وفي مقابل هذا ينصرف العامة وينشغلوا بمثل هؤلاء عن العلماء الربانيين والدعاة المخلصين، بحجة تجديد الخطاب الدعوي أو بما يسمى التدين الجديد، أو إن شئت قل التجارب الإصلاحية التجديدية المعاصرة، حتى ظهر لنا في هذه العصور المتأخرة أساليب دعوية جديدة لم تعرف عن السلف الصالح الذين أمرنا باتباعهم واتباع الأنبياء عليهم السلام في الدعوة إلى الله، كما في قوله تعالى: (أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده) .

وأضاف: من تلك الأساليب الجديدة الأسلوب الفكاهي أو الأسلوب الشبابي، وأصبح له جمهور كبير وحضور ملحوظ على الساحة الدعوية، بل فاق حلق العلم والمشايخ المعروفين بكثير، وهذا الأسلوب جلب حوله الجهال والرعاع والغوغائيين من عامة الناس -إلا من رحم الله- في ظل وسائل الاتصال الحديثة، وتقرب أصحاب هذا الفن إلى جمهورهم بالنكت والحركات العجيبة والحكايات الغريبة المضحكة أو المحزنة المبكية، حتى وصل بهم الحال إلى التغزل ببعضهم، واختيار كلمات يستحي العاقل من ذكرها، وأصبحت المنابر الدعوية -ومع الأسف الشديد- مرتعاً لأمثال هؤلاء دون خجل أو حياء، ولكن كما قيل "كثرة المساس تميت الإحساس".


خدمات المحتوى
    زيارات 241
تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري