في
الإثنين 2 ربيع الأول 1439 / 20 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

الأخبار والمقالات
تحقيقات
قانون جاستا.. العالم أمام فوضى في العلاقات الدولية!




قانون جاستا.. العالم أمام فوضى في العلاقات الدولية!
جريدة الرياض أدار الندوة - مـحمـد الـغنيـــــم

لايزال قانون العدالة ضد الإرهاب «جاستا» الذي صوت عليه مجلس الشيوخ الأميركي في مايو وتبعه مجلس النواب في سبتمبر الماضي وبشكل ساحق وغير مسبوق يحدث ضجة سياسية وقانونية دولية واسعة على مستوى العالم وحتى داخل الأوساط الأميركية الرافضة للقرار والمحذرة من عواقبه.

وأمام إقرار هذا القانون المعيب الذي فاجأ العالم بتاريخه وتوقيته ومحتواه وأهدافه المشبوهة التي تفقد الدول سيادتها وتخلق حالة من الفوضى السياسية والقانونية والحقوقية في العالم؛ حيث يأتي في جوهره قانون ابتزاز سياسي ومالي، ويحوّل القضاء الأميركي إلى قضاء عالمي، يحاكم ويحكم بتسويات مالية.. وأمام ذلك ينبغي على المجتمع الدولي التحرك الجاد للتصدي له في حال غاب صوت العقل والمنطق داخل دوائر صنع القرار الأميركي، وفي ذات الإطار ينبغي إيجاد إستراتيجية فاعلة للمواجهة وإدارة الأزمة التي سيحدثها تطبيق القانون الذي أكد مجلس الوزراء مؤخرا أنه يشكل مصدر قلق كبير للمجتمع الدولي الذي تقوم العلاقات الدولية فيه على مبدأ المساواة والحصانة السيادية وهو المبدأ الذي يحكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين ومن شأن إضعاف الحصانة السيادية التأثير سلبا على جميع الدول بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث أعرب المجلس عن الأمل بأن تسود الحكمة وأن يتخذ الكونجرس الأميركي الخطوات اللازمة من أجل تجنب العواقب الوخيمة والخطيرة التي قد تترتب على سن قانون «جاستا».

«ندوة الثلاثاء» تناقش لهذا الأسبوع تداعيات وعواقب هذا القانون على المنطقة والعالم، وأبعاده القانونية والتشريعية، وإستراتيجية المواجهة وما ينبغي علينا وعلى دول المنطقة والعالم تجاه هذا القانون، ودور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومسؤوليتها في التصدي له.

انتهاك صارخ

وحول دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومسؤوليتها في التصدي لهذا القانون، قال مشاري الأيداء: ننظر لقانون «جاستا» ونعده قانونا معيبا، فيه تعدٍ صارخ على التشريعات والمواثيق الدولية، خاصة ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية جنيف فيما يتعلق بحق الدول في السيادة وحصانة الدول ومسؤوليها، ويتفرع عنه نتيجة قانونية مهمة وهي تساوي سيادات الدول على الصعيد الدولي بما يعني المساواة القانونية بين الدول عند التصويت، كما أن القانون أيضاً يخالف نصوص وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية، كما أن قانون جاستا ينتهك مبدأ أصيلا وأساسيا؛ وهو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول كضمانة للاستقرار الدولي ومنع نشوب المنازعات بين الدول.

وأضاف: أتصور أنه في حال تم الطعن على هذا القانون من قبل محامين أميركيين أمام المحكمة الدستورية، نعتقد أن المحكمة الدستورية ستلغيه.

ننتظر إستراتيجية فاعلة للمواجهة ترتكز على القانون والاقتصاد وميزان المصالح بعيداً عن المجاملات السياسية
حيث يمكن للمنظمات الدولية الالتجاء لرفع دعوى أمام المحكمة العليا الأميركية لنقض هذا القانون تأسيسا على مخالفته للدستور الأميركي استنادا إلى نصوص الدستور الأميركي الذي يعلي من المعاهدات والاتفاقيات الدولية والمواثيق التي وقعت عليها الولايات المتحدة الأميركية، ومما لا شك فيه أن ميثاق الأمم المتحدة كرس في نصوصه مبدأ حصانة وحماية الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية الأجنبية وتم وضع ضوابط ونظما وتشريعات دولية بموجبها يمكن تخطي هذه الولاية ولم تسمح بخلاف ذلك.

دعاوى سابقة ضد الإدارة الأميركية

وعن وجود مواقف وقضايا سابقة رفعت ضد الإدارة الأميركية وجهات رسمية في الولايات المتحدة لدى المحاكم الأميركية، كضحايا حرب العراق، وأفغانستان، وانتهاكات غوانتانامو، وغيرها.. علق مشاري الأيداء بقوله: إن ضحايا جرائم الولايات المتحدة الأميركية وممثليها في مختلف دول العالم ويقدر عددهم بمئات الآلاف في العراق وأفغانستان والصومال والسودان واليابان وغيرها، فهناك مئات الآلاف من الضحايا ومئات الآلاف من المظلومين من قبل الولايات المتحدة الأميركية وممثليها وهو ما دعا العديد منهم إلى البحث عن منصات عادلة لجلب حقوقهم المسلوبة والرد على مظالمهم، فعلى سبيل هذه المحاولات هناك قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، ونيكاراغوا هي أكبر دول أميركا الوسطى، وهي قضية عرضت على محكمة العدل الدولية عام ١٩٨٦م، التي أقرت خرق الولايات المتحدة للقانون الدولي من خلال دعم المعارضة المسلحة في الحرب ضد حكومة نيكاراغوا وبتفخيخ الموانئ في نيكاراغوا وقتل عشرات الآلاف، وأيضاً هناك قضية رفعها ضحايا عراقيين ضد مسؤولين أميركيين بارزين أمام محكمة ألمانية، وتعود إلى عام ٢٠٠٤م عندما أقام عدد من المحامين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، دعوى قضائية ضد كلا من رونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق، والبرتو جونزاليس المدعى العام الأميركي، وعدد من ذوي المناصب الرفيعة في إدارة بوش السابقة، وقد تم توجيه طلب بفتح الدعوى الجنائية ضد المذكورين إلى المدعى العام الألماني، نيابة عن ١١ مواطنا عراقيا من ضحايا التعذيب في سجن أبوغريب، ومواطن سعودي محتجز في جوانتانامو، كانت تقوم دعواه على أنه حرم من النوم لمدة ٤٨ يوماً، ومنع من الصلاة ما لم يتعاون مع المحققين، وخضع لاعتداء جنسي قامت به جندية أميركية؛ حيث إن رامسفيلد وافق شخصياً على أساليب التحقيق التي استخدمت معه حسب ما ذكر في الدعوى إلا أنه تم حفظها في ٢٧ أبريل ٢٠٠٧م؛ حيث قررت المدعية العامة الألمانية أنها لن تسير في إجراءات الدعوى بسبب أن جميع المتهمين يقيمون بصفة دائمة خارج حدود ألمانيا، وأنه ليس متوقعاً أن يحضر أياً منهم ألمانيا، إضافة إلى أن الضحايا لا صلة لهم بألمانيا، وهذه كانت الثغرة المتاحة لرفض هذه الدعوى، لذا يجب أن يأخذ في الاعتبار بعض العقبات التي يمكن أن تواجه الضحايا في إقامة دعواهم ضد ممثلي الحكومة الأميركية من أجل تجنب رفض الدعاوى.

د. الطاير: نحتاج الاستثمار في صنع القرار والتأثير فيه وفريق قانوني يدير الأزمة مع الاستعانة بشركائنا داخل أميركا
ابتزاز مقنن

وتحدث د. صدقه فاضــــل حول هذا القانون قائلاً: هذا من أسوأ القوانين التي سنتها السلطة التشريعية (الكونجرس) في أميركا، لأنه يلغى قاعدة دولية راسخة، دائما ما يؤكد عليها القانون الدولي، ألا وهى مبدأ الحصانة السيادية للدول، وعدم خضوعها (كدول) للقوانين الوطنية للدول المختلفة، كما أنه يفتح على أميركا نفسها باباً كثيرا ما تحاول إغلاقه، ألا وهو حق مواطني الدول الأخرى المتضررة من الأعمال الإرهابية والإجرامية التي تقوم بها الحكومة الأميركية (ممثلة بمسؤوليها وجيوشها) ضد بلادهم، انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل لذا، نجد أن هناك الآن محاولات لتعديله.

وأضاف د. صدقه فاضل قوله: القانون لا يذكر السعودية بالاسم، بل هو قانون عام، وإن كان الهدف من إصداره هو ابتزاز بعض الدول، وخاصة السعودية، وقد بدئ في تطبيق هذا القانون فعلا، وقدمت أول شكوى كما نعرف، وضد المملكة ولو كان القضاء الأميركي عادلا ونزيها لأصر على طلب إثباتات وقرائن مؤكدة، تدين حكومة المملكة على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، من أي مدعٍ يتقدم طالبا تعويضات، ومعروف أنه لا توجد أي أدلة مؤكدة تثبت إدانة المملكة، أو ضلوع مسؤوليها في تلك الأعمال الإرهابية، ولذلك يجب أن ترفض هذه الدعاوى والادعاءات، مشيرا إلى إمكانية أن تلجأ أطراف أميركية لتلفيق بعض القرائن للحصول على «إدانة «، ومن ثم «أحكام قضائية» بالتعويض، لذلك يجب على المملكة أن تجند جيشا من الخبراء والقانونيين للدفاع عن موقفها تجاه هذه الهجمة، لأن أي حكم بالإدانة سيسيء إلى سمعة المملكة أيما إساءة، وسيلصق بها ما ليس فيها، إضافة إلى أنه سيكبدها خسائر مادية فادحة.

تشريعات وقائية للمواجهة

وفي سؤال للزميل محمد الغنيم عن الدور المطلوب من دول المنطقة والمجتمع الدولي للتعامل مع هذا القانون، أجاب مشاري الأيداء: إذا كانت أميركا تلجأ بالتحايل على القوانين الدولية وشرعيتها فإنه يحق للعديد من الدول أن تصدر تشريعات وقائية لمواجهة ومعارضة أي تدابير أو قوانين تتبناها دول أجنبية وتتخطى آثارها حدودها الإقليمية وذلك رداً على «جاستا»، لتؤكد أنها ليست في موقف ضعيف أمام الولايات المتحدة الأميركية ولتقف أمام محاولة هيمنتها على العالم وتحمي سيادتها الإقليمية من تداعيات أي قوانين تتعدى حدودها القومية، فعندما تنشأ تكتلات دولية رافضة لهذا القانون المعيب دستورياً ودولياً وتتأكد من أن تطبيقه قد يضر بعلاقاتها ومصالحها العليا خارج وداخل البلاد ويعرضها لمعارضة دولية قد تقذف بها في معركة خاسرة اقتصادياً وسياسياً ودولياً، فقد يكون من الأحرى أن تتجه المملكة، ودول مجلس التعاون الخليجي ومصر ودول المغرب العربي بمطالبة الجمعية العامة لإصدار قرار من خلال آلية يستلزم تصويت ثلثي أعضاء الجمعية العامة عليه، علماً بأن قرارات الجمعية العامة تعد قرارات غير ملزمة إلا أنها تمثل ضغطاً دولياً على الولايات المتحدة للبحث عن مخرج آمن من جاستا وتوابعه.

د. فاضل: أميركا فتحت النار على نفسها في المعاملة بالمثل.. وعلينا تجنيد الخبراء للدفاع عن موقفنا
أما على المستوى الإقليمي لدول المنطقة العربية والإسلامية يجب أن يكون هناك طلب عاجل لعقد قمة طارئة للتصدي لهذا القانون، وأن تخطر الأمم المتحدة والأمين العام بان كي مون، بأن القانون الأميركي يمثل انتهاكاً سافراً للقانون الدولي بل وتقويض لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وأن تسعى الجامعة العربية إلى حشد جميع المنظمات الإقليمية لاتخاذ موقف مماثل، وأيضاً يجب على الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي أن يقوموا بتجميد التعاون مع أميركا في جميع المجالات خاصة الاقتصادية والعسكرية.

كسر القانون الدولي

وعلق د. صدقه فاضل قائلا: إن الشرارة الأولى لهذا القانون انطلقت عام 2009 عندما بدأ بعض أعضاء الكونجرس بمحاولة صياغة قانون يقتص ممن يسمونهم داعمي الإرهاب وخاصة المسؤولين عن أحداث 11 سبتمبر، وبدأت المسودة الأولى لهذا النظام بشكل مختلف، ثم أضيف وحذف ونقح فيها إلى أن توصلوا للصيغة التي تم إقرارها مؤخرا، ومع ذلك فهناك تحرك في مجلس الشيوخ لتعديلها وإصدار صيغة جديدة للتخلص من نقاط القصور والمخاطر القانونية التي تخص الأمن القومي الأميركي، ويبدو أن أبرز هذه التعديلات يتعلق بالدولة المتهمة؛ حيث إن هناك مقترحاً يقول أن تكون هذه الدولة مقصرة في مكافحة الإرهاب وأن تُعطى للحكومة الأميركية أي السلطة التنفيذية صلاحية تقدير إن كانت الدولة المتهمة مذنبة أو غير مذنبة، لكن القانون بصيغته الحالية يتيح لذوي المواطنين الأميركيين الذين تضرروا من أعمال إرهابية على الأرض الأميركية قامت بها حكومة دولة أخرى أو تسببت في قيامها بمقاضاة هذه الحكومة وطلب تعويضات، فأي مواطن أميركي يمكنه أن يقاضي أي دولة يتهمها بأنها تسببت في الإضرار بأحد ذويه بعمل إرهابي تم على الأرض الأميركية، وهذا القانون أصبح عاماً ينطبق على كل الدول ومن هنا تأتي خطورته، وقد رفضته كل الدول لأن للدول سيادة ولا يجوز مقاضاتها وهذا قانون دولي قديم ومستقر، في حين أن تطبيق قانون جاستا بوضعه الحالي يكسر القانون الدولي الذي له الأولوية على القوانين الوطنية، إضافة إلى ذلك وعملا بمبدأ المعاملة بالمثل، يحق لأي مواطن في أي دولة أن يرفع دعوى ضد حكومة الولايات المتحدة الأميركية للاقتصاص من ضرر لحق بأحد ذويه نتيجة أي أعمال إرهابية وإجرامية أميركية.

سجل سيء

وأوضح د. فاضل أن للحكومة الأميركية سجل مخجل وسيء في هذا المجال؛ حيث ارتكبت جرائم يندى لها جبين الإنسانية خارج حدودها بدأت من فيتنام ولاوس وكمبوديا وأفغانستان والعراق وسورية واليمن وليبيا وغيرها، ونتج عنها مقتل مئات الآلاف من الأشخاص وتدمير ممتلكاتهم وتدمير البنية التحتية في تلك البلاد وبالتالي من حق هؤلاء أن يقاضوا الحكومة الأميركية على هذه الجرائم، فلو أردنا أن نعرف أكثر الدول قياماً بأعمال إجرامية وإرهابية خارج حدودها لتصدرت حكومة الولايات المتحدة هذه القائمة فهي أكثر الحكومات انتهاكاً للحقوق الإنسانية والأعمال الإرهابية خارج حدودها وبالتالي فتحت النار على نفسها أولاً قبل أن تفتحه على المملكة أو غيرها من الدول.

الأيــداء: جاستا ينتهك القانون الدولي وينبغي إنشـاء تكتلات دوليـة لمواجهتـه
تداعيات القانون على المنطقة والعالم

وفي سؤال عن تداعيات هذا القانون على المنطقة والعالم، قال د. عبدالله الطاير: إن ردود الفعل وبخاصة من الدول المستهدفة أو المحتملة كانت واضحة في رفض القانون، وهو خطير فعلا، وسيكون له تداعيات سياسية واقتصادية سوف تهز الركائز الأساسية التي قام عليها النظام الدولي منذ منتصف القرن السابع عشر، وقد أصبح القانون الآن حقيقة بعد التصويت على تخطي فيتو الرئيس الأميركي، والأمل الوحيد لإنقاذ العالم من الفوضى ينعقد على مراجعة الكونجرس في دورته القادمة للقانون وإدخال تعديلات عليه، القانون غير قابل للتطبيق، ولكن سيتاجر فيه المحامون لبعض الوقت.

الأبعاد السياسية والقانونية والتشريعية

وأضاف د. عبدالله الطاير: القانون أدى بشكل عملي إلى تهميش ولاية الأمم المتحدة وهو لا يميز بين الدول، وربطه بالسعودية من قبل أحد مقدمي المشروع تشاك شومر، إنما كان لتمرير القرار دون لفت الانتباه الدولي له، كما أنه غير مرتبط بعمل إرهابي محدد في الماضي أو المستقبل، وإشارته في فقرة منه لضحايا 11 سبتمبر 2001م إنما هو من أجل استدرار مشاعر المشرعين ووضعهم تحت ضغط الشارع العاطفي، هناك ضحايا أميركيين سقطوا جراء هجمات إرهابية في لبنان، وفي السعودية، وباكستان، وأفغانستان، والصومال؟ ووفقا للقانون ستكون الدول مسؤولة أمام القضاء الأميركي عن تورط مواطنيها في تلك الأعمال الإرهابية، وإذا خطت الدول الأخرى الخطوة الأميركية ذاتها فأعتقد أننا سنعيش في فوضى لا نهاية لها بسبب الكونجرس الأميركي الذي يجهل معظمهم ما يجري خارج واشنطن، بل ولم يقرأ المشروع قبل التصويت عليه.

ردود الأفعال داخل أميركا وخارجها

وحول ردود الفعل داخل الولايات المتحدة وخارجها حيال هذا القانون، علق د. عبدالله الطاير على ذلك بقوله: ردود الفعل العالمية لم تكن متوافقة مع التزاماتها تجاه الأسس التي قام عليها النظام العالمي، وربما يعود ذلك إلى أن الدول والتكتلات الضخمة والمؤثرة اقتنعت بأن المستهدف هو السعودية دون غيرها، ولذلك آثرت ألا تتصادم مع أميركا، أو أنها لم تأخذه بمحمل الجد، فروسيا والصين والاتحاد الأوربي تملك من الإمكانات ما يمكن أن ترد به على أميركا فيما لو رفعت عنها الحصانة السيادية، بينما الدول الضعيفة تتردد كثيرا في اتخاذ قرارات تلجم القوة الأميركية، ولكن من جهة أخرى، فإن ردود فعل الحكومة الأميركية وهي الجناح التنفيذي كانت في مستوى خطورة القانون على أميركا، وصرح الرئيس أوباما أنه لا يدافع عن السعودية وإنما عن أميركا، ويقيني أن الإدارة الأميركية القادمة حتى وإن كان مرشحها الرئاسي يؤيد القانون ستعمل على إحداث تعديلات عليه.

الأنصاري: القانون سيغيّر فلسفة التجارة الحرّة.. وعلاقة واشنطن مع حلفائها تتجه لمسار غير صحي!
المجاملات السياسية

وأشار د. الطاير إلى أنه ليس هناك مجاملات سياسية على حساب مصلحة الوطن، وما يحدث في الاجتماعات بعيدا عن الإعلام يتسم بالصراحة من كلا الطرفين، فالملك سلمان أمام الإعلام في زيارته لأميركا قال للرئيس باراك أوباما بأننا في المملكة لا نريد شيئا من أميركا، وإنما نبحث عن أمن واستقرار المنطقة، والملك فهد استبعد السفير الأميركي، ومع ذلك تفهمت أميركا القرار السعودي ولم ترد بالمثل، كما أن الملك عبدالله أرسل للرئيس بوش رسالة شديدة اللهجة في أغسطس عام 2001م، أثناء انتفاضة الأقصى وقال للأميركيين بأن العلاقات معهم وصلت إلى مفترق طرق، وأنه لن يفكر سوى في مصالح المملكة إذا استمرت أميركا بدعمها الأعمى لإسرائيل، وكان الرد باتصال الرئيس الأميركي والوعد بحل الدولتين لأول مرة في تاريخ أميركا، لذا فالدفع بالتصعيد دون معرفة الصورة كاملة سيؤدي إلى المزيد من الخسائر، والقانون لم يذكر المملكة لا صراحة ولا تلميحا، إلا أن الإعلام اشتغل بتفسير النوايا بسبب أحداث 11 سبتمبر التي وردت لها إشارة في إحدى الفقرات، لذا فالمجهود الرسمي السعودي على مستوى العلاقات الثنائية مع الدول، والتحالفات يجب أن يركز على البنية السطحية للقانون وأن يحشد رأيا عاما دوليا ضد انتهاك حصانة الدول السيادية، وأن تمارس المملكة باعتبارها واحدة من 24 دولة وقعت على ميثاق تأسيس الأمم المتحدة مسؤولياتها في تبصير دول العالم ومنظماته بخطر هذا القانون وما سيحدثه من فوضى لأنه يشرعن سابقة خطيرة قد تستخدمها الدول في رفع الحصانة عن بعضها البعض ويعود بنا لعصر الفوضى التي سبقت معاهدة وستفاليا في القرن السابع عشر.

قضايا سابقة رفعت ضد أميركا في الداخل الأميركي

وتحدث د. الطاير عن القضايا التي رفعت سابقا بقوله: هناك قضايا رفعت على دول أخرى مثل إيران وحكم في ثلاث قضايا منها هي تفجيرات بيروت التي قتلت عشرات الأميركيين، وتفجيرات أبراج الخبر التي قتلت 19 أميركيا، وتفجيرات 11 سبتمبر التي وجدت المحكمة أن إيران متورطة فيها بناء على أدلة وقرائن قوية جدا، وقد حكم في القضايا الثلاث جميعا واثنتين منها تم تحديد المبالغ التي تطالب المحاكم حجزها من أموال إيران في أميركا، أما جاستا، فإنه ينص على استثناء الضحايا الذين يسقطون نتيجة الحرب، وفي ذلك حصانة لهم، والجرائم التي اتخذتها أميركا بناء على قوانين استثنائية كقتل الأميركيين بالطائرات بدون طيار، وقتل مواطني دول أخرى بدون محاكمات جميعها يمكن تحريكها لو كان هناك محامون جيدون.

الأمن والاقتصاد

من جهته قال سلمان الأنصاري إن هنالك ثلاث نقاط يجب على كافة المشرعين في الكونجرس أن يتنبهوا لها جيدا فيما يتعلق بقانون جاستا، الأول هل سيعزز هذا القانون من أمن الولايات المتحدة؟ وهل سيفيد اقتصادها؟ وهل سيعزز علاقاتها السياسية مع حلفائها؟ الإجابة الوحيدة لكافة الأسئلة السابقة ليست (لا) فقط بل سيتسبب هذا القانون في إضعاف واشنطن في كافة هذه المحاور الثلاثة، أما بخصوص الأمن، فيرى العديد من المراقبين بأن هذا القانون سيخلق صورة بأن الولايات المتحدة عدوة للإسلام والمسلمين، مما سيساعد على توظيف هذه الفكرة من قبل الجماعات المتطرفة التي تتعطش لخلق أي مبرر لشيطنة أميركا.

هروب الاستثمارات السيادية

وأضاف: أما بخصوص الاقتصاد فبالطبع أميركا لم ولن تستفيد اقتصاديا كدولة من تمرير هذا القانون بل بالعكس، سيتسبب هذا القانون بهروب الاستثمارات السيادية بشكل نسبي وتدريجي والاستثمارات الخاصة أيضا، وستصبح الولايات المتحدة دولة أقل جاذبية مما كانت لاستقطاب الاستثمارات التي بدورها تخلق فرص العمل وتنعش الاقتصاد الأميركي، والأهم من ذلك هو أن هذا القانون سيتسبب بشرخ تاريخي وعميق لفكر التجارة الحرة التي تقوم عليها الرأسمالية فيما يتعلق بحرية التجارة وحق التملك. فحينما يستثمر مواطن أي دولة في أميركا فعليه أن يعلم بأن هذه الدولة بعد تنفيذ القانون سيكون من حقها تجميد أمواله بسبب قضية مرفوعة ضد بلده، فمن حيث المبدأ، هذا القانون في غاية الخطورة وقد تكون له تبعات هائلة على فلسفة ومنظومة ومرتكزات الاقتصاد الحديث، إضافة إلى خطر آخر وهو ما ذكره المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ارنست، أن أميركا بهذا القانون ستكون معرضة لقضايا مختلفة حول العالم وستتعرض مصالحها ومصالح شركاتها عالميا للخطر.

تكتّل دولـي للتصدي لـلغطرســـة الأميركيـة!

طالب مشاري الايداء بأن يكون للأمم المتحدة والمنظمات الدولية دوراً واضحاً في التصدي لهذا القانون المعيب والذي يسلب اختصاصات الأمم المتحدة له وإيجاد تحرك اقليمي ودولي من أجل حث الولايات المتحدة على ايقاف قانون جاستا لتعارضه مع قواعد في القانون الدولي ومع الدستور الأمريكي ذاته، الذي يعلي من شأن القواعد المستمدة من القانون الدولي، وأن يكون للجمعية العامة للأمم المتحدة دور في هذه القضية وسد هذه الفجوة التي تحدثها الهيمنة الأمريكية لفرض نفسها وولايتها على العالم، حيث تعد المعاهدات الدولية المبرمة في الولايات المتحدة الأمريكية حسب نص المادة ٦ فقرة ٢ من الدستور الأمريكي بمثابة القانون الأعلى لبلاد وقد عملت المحكمة العليا الأمريكية على التسوية بين المعاهدات الدولية والقانون الاتحادي الداخلي بالولايات المتحدة، ويفهم من ذلك وعلى اعتبار القاعدة التي تحكم تنازع القوانين وهي قاعدة «اللاحق ينسخ السابق» ان القانون الذي يصدر عن الكونجرس الأمريكي يمكن ان يعدل او يلغي اتفاقية دولية سابقة ويمكن القول ان القانون الدولي العرفي أو التعاهدي المصادق عليه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية يعد جزءا من النظام القانوني الداخلي للولايات المتحدة، كما يجب ان تنشأ تكتلات دولية من المنظمات الرافضة لهذا القانون المعيب دستورياً ودولياً ويتم مواجهة الولايات المتحدة بجرائمها وهنا أشير إلى حملة المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي بمملكة النرويج.

إستـراتيجـيـة المواجهـة وإدارة الأزمــة

إجابة على سؤال كيف تواجه المملكة ودول المنطقة هذا القانون وماالمفترض عمله تجاه ذلك؟ علق د. عبدالله الطاير على ذلك قائلاً: قبل استراتيجية المواجهة فإننا لم نستثمر في الوقاية، ولم نهتم بكيفية صنع القرار ومستويات المؤثرين فيه، وركزنا على الإدارة التنفيذية وأهملنا الكونجرس، وتجاهلنا المواطن العادي الذي يحدث صوته فرقا في صناديق الانتخابات، والآن لا نتحدث عن مواجهة ولا يجب أن يكون لدينا خطاب تأزيم، وإنما احتواء، فنحن لا نستطيع مواجهة الكونجرس دون أن تغضب الإدارة الأمريكية، والإدارة الأمريكية غير موافقة على القانون، ولذلك علينا أن نستعين وعاجلا بالأصدقاء داخل أمريكا، وأن يكون ذلك بشكل محترف، فشركاءنا في مصانع السلاح، وشركات النفط، والمؤسسات المالية لهم كلمة مسموعة تؤثر في قرارات الكونجرس إذا خاطبناهم بالطريقة المناسبة، وقبل أن نصل إلى مستوى المواجهة علينا أن نتحلى بقدر من الواقعية وأن نزن الأمور بميزان مصالحنا، ومن المهم التعجيل في المواجهة القانونية، وتكليف فريق قانوني يدير هذه الأزمة، وأن يكون محل ثقة لأن الموضوع سيتحول إلى ربيع قانوني في أمريكا وستتاجر الكثير من مكاتب المحاماة بأسر الضحايا، كنوع من الابتزاز خاصة وأنهم يتعاملون مع المال السعودي والكعكة التي يسيل لها اللعاب.

كيـف سيؤثــر «جـاسـتا» في الاقتـصاد الأمـيــركـي؟

أكد د. عبدالله الطاير أن أميركا ومؤسساتها الاقتصادية الضخمة ستفقد ثقة المستثمرين الأجانب جراء هذا القانون، وسيحرم ذلك الخزينة الأميركية من أرصدة الدول الفائضة عن حاجتها التي تستثمرها في البنك المركزي الأميركي، موضحا أنه في عام 2011م كانت الدول العربية من أكبر الدائنين لأميركا بعد الصين وبلغت مجموع ديونها على الولايات المتحدة الأميركية نحو 470 مليار دولار، وهذا القانون سوف يجعل كبار الدائنين كالصين واليابان يفكرون ملياً قبل الاستثمار في السندات والأسواق الأميركية.

وأضاف: تعداد سكان أميركا حوالي 309 ملايين نسمة يشكلون نحو 4,5% من سكان العالم ويستهلكون ربع موارده، وهي دولة تستهلك أكثر مما تنتج وتمول الفرق من حساب مدخرات الدول في بنكها المركزي، فهي مديونة بما يزيد على ناتجها المحلي، وقوة اقتصادها تقوم على الثقة، ومجرد اهتزاز هذه الثقة ستكون العواقب وخيمة على الاقتصاد الأميركي، وطبعا يمكن لنا أن نتحدث عن تحول الدول إلى عملة أو سلة عملات لاحتياطاتها النقدية، وبيع النفط بعملة غير الدولار أو سلة عملات، وأن تستحدث الدول الأخرى قوانين شبيهة بجاستا، ولكن لا يغيب عنا أن قوة جاستا إنما هي من قوة أميركا، وأعتقد أن الجميع مقتنعون أنها القوة العظمى الوحيدة ولذلك تتصرف بغطرسة وغباء القوة.

التنفع بأحزان ضحايا 11 سبتمبر لمكاسب سياسية..!

في شأن علاقة الولايات المتحدة مع حلفائها بعد اقرار قانون جاستا، قال سلمان الأنصاري: من الواضح بأن علاقة الولايات المتحدة الإستراتيجية مع أقرب حلفائها ستأخذ مسارا غير صحي تماما، حيث قال رئيس ال CIA جون برينان بأن السعودية على سبيل المثال هي أكبر حليف لأمريكا في مكافحة الإرهاب، والنسيج السياسي الأمريكي بتشعباته يعلم تماما بأن السعودية بريئة تماما من أحداث سبتمبر، وأن كل الشواهد ضد المملكة هي شواهد ظنية وافتراضية وليست حتمية وقطعية، فأحداث سبتمبر كانت بلا شك أحد أبشع العمليات الإرهابية؛ وأهالي ضحايا هذه الأحداث يستحقون أن تتم مراعاة مشاعرهم، ولكن يجب أن لا يتم التنفع بأحزانهم ومأساتهم لمكاسب سياسية شخصية وبطريقة ابتزازية خصوصا على حليف ساعد بشهادة المسؤولين الأمريكان على احباط عمليات ارهابية ضد امن شعب الولايات المتحدة.

مـا المطــلـوب؟

د. صدقه فاضل:

على المملكة أن تجند جيشاً من الخبراء والقانونيين للدفاع عن موقفها تجاه هذه الهجمة الظالمة، وهذا أمر حتمي وضروري، لأن أي حكم بالإدانة سيسئ إلى سمعة المملكة، وسيلصق بها ما ليس فيها، كما أنه سيكبدها خسائر مادية فادحة.

يجب أن ترفض الدعاوى والادعاءات حول علاقة المملكة بأحداث سبتمبر، فلا توجد أي أدلة تثبت إدانة المملكة، أو ضلوع مسؤوليها في تلك الأعمال الإرهابية، لأن هناك إمكانية أن تلجأ أطراف أميركية لتلفيق بعض القرائن للحصول على إدانة، ومن ثم أحكام قضائية بالتعويض.

د. عبدالله الطاير:

-علينا أن نستعين وعاجلاً بالأصدقاء داخل أميركا وبشكل محترف، ولا يجب أن يكون لدينا خطاب تأزيم، وإنما خطاب احتواء، فنحن لا نستطيع مواجهة الكونغرس دون أن تغضب الإدارة الأميركية، والإدارة الأميركية غير موافقة على القانون، فشركاؤنا في مصانع السلاح، وشركات النفط، والمؤسسات المالية لهم كلمة مسموعة تؤثر في قرارات الكونغرس إذا خاطبناهم بالطريقة المناسبة، وقبل أن نصل إلى مستوى المواجهة علينا أن نتحلى بقدر من الواقعية وأن نزن الأمور بميزان مصالحنا.

ومن المهم ايضا التعجيل في المواجهة القانونية، وتكليف فريق قانوني يدير هذه الأزمة، وأن يكون محل ثقة لأن الموضوع سيتحول إلى ربيع قانوني في أميركا وستتاجر الكثير من مكاتب المحاماة بأسر الضحايا، كنوع من الابتزاز خاصة وأنهم يتعاملون مع المال السعودي والكعكة التي يسيل لها اللعاب.
مشاري الأيداء:

ينبغي إصدار تشريعات وقائية لمواجهة ومعارضة أي تدابير أو قوانين تتبناها دولاً أجنبية وتتخطى آثارها حدودها الاقليمية وذلك رداً على «جاستا»، للتأكيد على أن هذه الدول ليست في موقف ضعيف أمام الولايات المتحدة الأميركية ولتقف أمام محاولة هيمنتها على العالم وحماية سيادتها الإقليمية من تداعيات أي قوانين تتعدى حدودها القومية.

اتجاه المملكة، ودول مجلس التعاون ومصر والمغرب العربي بمطالبة الجمعية العامة لإصدار قرار من خلال آلية يستلزم تصويت ثلثي أعضاء الجمعية العامة عليه، وعلى المستوى الاقليمي لدول المنطقة العربية والإسلامية يجب أن يكون هناك طلب عاجل لعقد قمة طارئة للتصدي لهذا القانون، وعلى الجامعة العربية حشد جميع المنظمات الإقليمية لاتخاذ موقف مماثل.

دور الأمـــم المتحــدة..!

علق د. عبدالله الطاير على سؤال حول دور الأمم المتحدة في هذا الشأن، قائلاً: الأمم المتحدة تدرك جيدا أن المحافظين الجدد واليمين المتطرف لا يؤمن بوجودها، وأميركا تتملص من دفع التزاماتها المالية للأمم المتحدة، وهناك خطاب معروف داخل الأوساط الأميركية منذ عهد الرئيس ريجان يطالب بانسحاب أميركا من المنظمة التي يرونها تعطل مشروع أميركا لدمقرطة العالم وفرض ثقافتها وطريقة حياتها عليه، ولذلك لا نتوقع الكثير من الأمم المتحدة إلا إذا تحركت الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن كفرنسا، والصين وروسيا، وحتى تتحرك تلك الدول فإن الأمر يتطلب عملا دبلوماسيا منهكا ومخاطرة بالعلاقات السعودية الأميركية، وعلينا دائما أن نتذكر أن الذي يمثل الشعب الأميركي خارج حدود أميركا هو الرئيس المنتخب وإدارته التنفيذية وليس الكونجرس، وأي تحركات ضد أميركا ستكون تحركات ضد الإدارة التنفيذية التي هي أصلا ضد القانون.


خدمات المحتوى
    زيارات 164
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري