في
الأحد 4 محرم 1439 / 24 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

الأخبار والمقالات
تقارير
جماعة الإخوان.. مرتزقة في السياسة والعنف.. يتناقض عندهم القول مع الفعل




 جماعة الإخوان.. مرتزقة في السياسة والعنف.. يتناقض عندهم القول مع الفعل
(جريدة المدينة )
الاتّجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة (3)
قراءة - د.إبراهيم عباس
الجمعة 11/10/2013
جماعة الإخوان.. مرتزقة في السياسة والعنف.. يتناقض عندهم القول مع الفعل
ألقينا الضوء في عرضنا للحلقتين الأولى والثانية من هذا الكتاب الذي ألفه المستشرق البريطاني ج.هيوارث - دن وطبع في الولايات المتحدة عام 1950 على محاولة اكتشاف الجوانب الخفية لشخصية المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين حسن البنا وعلاقته بالمخابرات البريطانية والألمانية، وكذلك على العلاقات المتشابكة بين البنا والإنجليز وسيد قطب، وجوانب أخرى في شخصية البنا وعلاقاته بالعديد من الشخصيات المصرية والعربية، وعلى الأخص مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، وعبدالرحمن باشا عزام، ومصطفى باشا النحاس إلى جانب العلاقة بين المؤلف وكل من البنا وقطب، وكيف أدى منع النحاس باشا للبنا من الترشح لعضوية مجلس النواب إلى وأد طموحاته السياسية.
في هذه الحلقة (الأخيرة) نركز على الدور الإرهابي للحركة، ودور قادتها وأعضائها كمرتزقة سياسيين لم يتوانوا عن التحالف مع كافة الفرقاء من أجل تحقيق مصالحهم وأهدافهم الحزبية، والتناقض فيما يطرحونه من أقوال وما يمارسونه من أفعال، وذلك من واقع ما جاء في كتاب هيوارث دن، الربط بين ما تضمنه من معلومات وما شهدته مصر في الآونة الأخيرة من أحداث.
كشف الحقائق
وضعت التطورات التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة حركة الإخوان المسلمين تحت المجهر والعودة إلى الكتب التي تناولت تاريخ حركة الإخوان المسلمين، التي يأتي في مقدمتها كتاب دن الذي يؤرخ للحركة في فترة الثلاثينيات والأربعينيات. وقد كان من الطبيعي أن تسلط الأضواء من جديد على جماعة الإخوان المسلمين بعد تمكنها من تحقيق حلمها القديم في الوصول إلى الحكم بعد 85 عامًا من تأسيسها بفضل ثورة 25 يناير التي كانت الحركة آخر من التحق بها وامتطى موجتها، ثم فشلها في الاستمرار بالإمساك بدفة الحكم لأكثر من عام واحد.
سنلاحظ لفترة طويلة أنه ظل اعتماد العامة في الإطلاع على تاريخ حركة الإخوان المسلمين يتم عبر كتاب مؤرخها د. كامل الشريف، وكتابي منظرها الأول سيد قطب (في ظلال القرآن ومعالم في الطريق)، لكن -ومع شديد الأسف- فإن غالبية المتعاطفين مع الحركة -ومعظمهم من الشباب الذين يسهل التأثير عليهم - لا علم لهم بمفهوم الحاكمية الذي يشكل المحور الأساس في كتاب «معالم في الطريق» الذي انطلق منه قطب في تكفيره للمجتمعات الإسلامية التي لا تأخذ بهذا المفهوم. وقد يظن البعض أن حسن البنا لم يأخذ بهذا المفهوم (التكفيري)، لكن ذلك ليس صحيحًا، فرغم انه لم يصل إلى المستوى المعياري الذي وصل إليه قطب، إلاّ أنه أخذ به بشكل أو بآخر، فقد تحدث في الكثير من خطبه ومقالاته عن أهمية استخدام السيف «إذا فشلت الحجة والبرهان». ويقول دن في كتابه (ص216): «بالنسبة للمجتمع الإسلامي، صنف حسن البنا المسلمين بناء على موقفهم من الإخوان المسلمين، فالإخوان هم الأمة الإسلامية، والمؤمن هو عضو في الإخوان. ومن يتردد في قبول مبادئ الإخوان ينصح بمراقبة تقدم الحركة ودراسة كتاباتها»، وهو ينعت ذلك الشخص بالمتردد.

مرتزقة سياسيون
سنكتشف لأول وهلة أنه في ظل هذا التناقض بين الأقوال والأفعال يصبح من الصعب إضفاء الطابع (الأيديولوجي) على الحركة، حيث سنلاحظ اصطباغها في العديد من الأمثلة بالصبغة البراجماتية المحضة. بل إن الحركة ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما استخدمت من قبل العديد من القوى -بما في ذلك القصر والاستعمار البريطاني وأحيانًا بلا مقابل، ثم من قبل الرئيس السادات فيما بعد- ليتم بعد ذلك ضربها بعد أن تكون تلك القوى حققت الغاية من وراء تلك التحالفات المؤقتة معها. علاقة الإخوان بالسادات تقدم مثالاً واضحًا على هذا النوع من العلاقات الفطرية (نسبة إلى الفطريات، وهي العلاقة التي تسمّى في علم البيولوجي تبادل المنفعة)، فقد أفرج السادات عن معتقلي الإخوان مع السنة الأولى لتقلده الحكم بعد وفاة الرئيس عبدالناصر، حيث سمح لهم باستئناف نشاطهم، فعادت مجلتهم (الدعوة) إلى الصدور، وعادوا إلى الظهور لواجهة الأحداث، وقيل في سبب ذلك، كما هي القصة المتداولة في غض طرف إسرائيل عن ظهور حركة الإخوان المسلمين في غزة (حماس) إلى العلن، بأنه بهدف ضرب الحركة بفتح، وبالتنظيمات اليسارية التي تمارس عمليات المقاومة ضد إسرائيل، فيما كان إخوان القطاع (مشغولين بتربية النشء تربية إسلامية). لكن لم يلبث أن انقلب السحر على الساحر في الحالة المصرية لتنتهي هذه العلاقة باغتيال الجماعة للسادات في 6 أكتوبر 1981.
حاولت جماعة الإخوان المسلمين اللعب على حالة اللغط السياسي التي كانت تسود الأجواء المصرية في الثلاثينيات والأربعينيات، فقد كانت علاقة الملك فاروق مع الإنجليز ليست على ما يرام، وكذا كانت علاقته مع الوفد، وكانت علاقة الوفد مع الإنجليز أيضًا ليست على ما يرام. وحاول الإخوان في خضم هذه النزاعات الدخول في لعبة التجاذبات بالوقوف تارة مع الإنجليز (على نحو ما تم استعراضه في الحلقتين السابقتين)، وتارة مع الملك فاروق (الذي كان أحد من وقفوا خلف اغتيال البنا عام 49)، وتارة أخرى مع الوفد رغم أنه كان عدوهم اللدود ومنافسهم الأكبر في خريطة الأحزاب المصرية في تلك الفترة. ولم تكن الاتجاهات السياسية للحركة ترضي الكثيرين من أعضائها. وهو ما أشار إليه دن في كتابه بالقول: «كان لا يزال عند الإخوان عزوف واضح عند الكثير منهم عن أي ارتباط بالسياسة، حيث إنهم التحقوا بالتنظيم لأسباب دينية، وعارضوا بشدة كافة الأحزاب والسياسيين»، ص143. وهو ما يثبت أن التوجهات السياسية للحركة كانت إحدى جوانبها الخفية غير المعلنة.
في متابعة الأحداث على الساحة السياسية المصرية، ونظرة المصريين لحركة الإخوان المسلمين بعد ثورة 52 سنجد أن التعاطف الشعبي الكبير الذي حققته الحركة خلال وبعد حرب 48 سرعان ما بدأ في التراجع. وسنلاحظ أن هذا التراجع بدأ قبل ثورة 52 بوقوفها إلى جانب الملك فاروق، وإدانتها باغتيال النقراشي باشا، والانغماس في أحداث العنف والحرائق.
والواقع أن المؤلف لم يشر إلى العمليات الإرهابية الكثيرة التي شهدتها مصر نهاية فترة الأربعينيات، بالرغم من أن كتابه ظهر عام 1950 (يرجع السبب في ذلك لأن المؤلف كان مكلفًا من قبل السفارة البريطانية بمتابعة «الإخوان» منذ عام 1939، وعندما قتل حسن البنا في فبراير 1949، جمع بسرعة ما سبق وأن كتبه عنهم خلال عمله الاستخباراتي في مصر، وأغفل الكثير من الأحداث التي وقعت بعد رحيله إلى الولايات المتحدة). وقد شملت تلك العمليات، إضافة إلى اغتيال محمود فهمي النقراشي، اغتيال أحمد ماهر (1945)، وأمين عثمان (1946)، والقاضي الخازندار وكيل محكمة الاستئناف (1948)، واللواء سليم زكي حكمدار العاصمة في ديسمبر من نفس العام. وفي غضون ذلك جرت محاولة نسف منزل مصطفى النحاس الذي استهدف مرة أخرى بالاعتداء عليه في سبتمبر عام 48، وألقيت العديد من القنابل على المنشآت التجارية والتعليمية ودور السينما عام 46. واعترف الإخوان خلال حكمهم القصير بمحاولتهم الفاشلة لاغتيال الرئيس عبدالناصر (حادثة المنشية التي جرت في عام 1954 أثناء إلقاء الرئيس جمال عبدالناصر لخطابه بالاسكندرية).
تجدر الملاحظة هنا انه عندما تكررت مشاهد العنف على الساحة المصرية خلال الأشهر القليلة الماضية، وعودة الإخوان إلى الانخراط في دوامته، استحضر العديد من الناس في ذاكرتهم الحية الصور القديمة لانغماس الإخوان في تلك الدوامة، وتسييسهم للدعوة التي نشأت دينية صرفة، وكسبت تعاطف الجماهير من خلال مشروعاتها الخيرية لتتحول فيما بعد إلى حزب سياسي «يبيع ويشتري، يفاوض ويساوم، ويخاصم ويهادن».

التطلع إلى السلطة
يمكن أن نكتشف بسهولة، ومن خلال ما ذكرناه سابقًا أن (الجماعة) لم تخف تطلعها إلى السلطة منذ النجاحات التي تحققت لهم في بدايات التكوين، والتي كان اجتذاب الجموع الغفيرة من العامة أحد مؤشراتها. ويذكر دن أن السيدة سيتون وليامز قدرت عددهم في مقالة لها في صحيفة نيويورك تايمز في 5/8/1946 بأنه يتراوح بين 300 إلى 600 ألف عضو، وأشار غيرها إلى أن أتباعهم بلغوا في ذلك العام مليونًا ونصف المليون. وهنا ينبغي التنبه بين الأعضاء العاملين، وبين الأتباع أو المتعاطفين مع الجماعة. وقد مر بنا كيف تمكن النحاس باشا من إحباط محاولات حسن البنا اقتحام المعترك السياسي بترشيح نفسه في الإسماعيلية للمجلس النيابي كخطوة أولى في محاولته للسيطرة على الحكم. بيد أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الجموع الكبيرة اختفت في جنازة البنا عندما غابت عن تشييع جنازته، ولم تضم إلاّ القبطي مكرم عبيد، حيث حمل نساء الجماعة نعشه في ظاهرة غير مسبوقة فيما غاب الرجال. وهو ما يثير العديد من الأسئلة حول صدقية الإخوان ومدى إخلاصهم وإيمانهم بمبادئ الحركة، فكانت عملية اغتيال الحركة للنقراشي باشا في 28 ديسمبر تعبيرًا آخر عن جبنهم الذي تمثل في تجنب المواجهة المباشرة من هذه الجموع الغفيرة لتهديدات النقراشي لكل من سيشارك في الجنازة، وترتيب عملية اغتياله بليل.

تجربة فاشلة
من أهم الموضوعات التي تطرق إليها الكتاب التساؤل الذي طرحه المؤلف: ماذا لو تسلّم الإخوان السلطة؟ وهو السؤال الذي أجاب عليه المؤلف بما ينطبق عليه في تلك الفترة، ولم يكن يدر في خلده أنه سيتم إجراء تعديلات وتساهلات عديدة بشأنها عندما تسلم الإخوان السلطة بالفعل. فعلى سبيل المثال سمحت حكومة الإخوان في عهد الرئيس مرسي بتمديد تصاريح الملاهي الليلية إلى ثلاث سنوات بعد أن كان التمديد قبله إلى سنة واحدة. ونظرة المعاداة للغرب التي اعتبرها دن من أهم المظاهر التي سيحرص الإخوان على تطبيقها إذا ما تسلموا الحكم، بكل ما تشمله من إجراءات مثل إغلاق المدارس الأجنبية، وإغلاق المسارح ودور السينما ...الخ على نحو ما عدده في كتابه (ص 221 وما بعدها)، حلت محلها نظرة أخرى على النقيض تمامًا، وهو ما أبرزته علاقات التقارب بين الرئيس مرسي خلال فترة حكمه مع الغرب، وعلى الأخص الولايات المتحدة، وكذلك خطاب مرسي المتزلف إلى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز.
من أهم ما نستوحيه من قراءتنا للكتاب أنه يلفت النظر إلى التناقض الكبير بين ما تطرحه جماعة الإخوان المسلمين من شعارات، وما تمارسه فعليًا على أرض الواقع من ممارسات تتناقض كلية مع تلك الشعارات، وأيضًا لفهم ما يحدث الآن في بلدان الربيع العربي -وليست مصر وحدها- وظروفه وملابساته.


خدمات المحتوى
    زيارات 764
تقييم
1.00/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري