في
الثلاثاء 27 محرم 1439 / 17 أكتوبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

الأخبار والمقالات
مقالات
(الحوار وأسباب عرقلته)




جريدة الرياض:
علي حسن الشاطر

يعتبر الحوار أحد المكونات الرئيسة في الثقافة الوطنية اليمنية، ومبدأ رئيس في تنظيم العلاقات واحتواء التناقضات والصراعات داخل تنظيمات المجتمع، المتسم بتداخل المصالح المتضاربة وعدم تكافؤ العلاقات على مستوى الحقوق والواجبات، وقبل ظهور الدولة الوطنية الحديثة ظل الحوار أحد أهم وسائل المجتمع لضبط إيقاع الحياة واحتواء تناقضاتها ومعالجة إشكالاتها وتنظيم المصالح بين مختلف مكوناته -القبلية والجغرافية- وشرائحه المتباينة -اقتصادياً واجتماعياً- على أساس من التراضي والقبول والاحترام والاعتراف المتبادل بالمصالح الخاصة والعامة.

أهمية وفاعلية الحوار في الحياة اليمنية في كونه أضحى منهجاً في السلوك الاجتماعي ملتزماً بحدود الحريات دون تجاوز ما تنطوي عليه من استحقاقات، ويضع في الاعتبار مصالح كل الشرائح دون المساس بمصالح المجتمع، ولا يتجاهل متغيرات الواقع واحتياجاته الأساسية، وهذا المنهج الحياتي يقوم على منظومة متكاملة من الأعراف والقيم الأخلاقية والالتزامات المستمدة جذورها من التراث الثقافي والديني والتاريخي.. ومن طبيعة الأوضاع القائمة واحتمالاتها المستقبلية، وجميعها موجهة لمعالجة إشكالات الواقع ودعم بنيان المجتمع وتقوية ترابط مكوناته وتعزيز وحدته الداخلية وحماية سلامه الاجتماعي.. في الدولة اليمنية الحديثة التي تم بناؤها وفق عقد اجتماعي مجمع عليه، وتمتلك بناءً مؤسسياً حديثاً وآليات تشريعية وقانونية، وأدوات تنفيذية مؤسسية قوية ضامنة لتنظيم واستمرار علاقات قوية وسليمة على كل المستويات، إلا أن الحوار كتقليد وعرف وثقافة وسلوك اجتماعي لم يفقد أهميته كآلية فاعلة لمعالجة إشكالات المجتمع والواقع الوطني، وتنظيم العلاقات والمصالح على المستوى الوطني العام أو على مستوى كل تنظيم من تنظيماته الداخلية، وفي بعض المناطق اليمنية غير المتحضرة كان الحوار قيمة اجتماعية وأخلاقية يتجاوز في صلاحياته القوانين والتشريعات السائدة وتكون الدولة مجبرة على التعاطي معه نظراً لما يتمتع به من قبول واعتراف في أوساط السكان.

منذ تولي فخامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح مهام قيادة البلد تطور مفهوم الحوار ليضفي على مواقف وسلوكيات أفراد المجتمع ومكوناته الاجتماعية والسياسية صفة الحيوية والديناميكية، والشعور الرفيع بالمسؤولية الوطنية، وأضحى أحد أهم الوسائل للتقارب الاجتماعي وتصحيح مجمل القناعات والتوجهات والإيديولوجيات والمواقف الخاطئة، وتحفيز الجماعات والأحزاب والأفراد على مراجعة الذات ومراجعة الماضي وتقييم الحاضر واستشراف المستقبل ابتداءً من تشكيل لجنة الحوار الوطني عام1980م مروراً بالحوار الذي أفضى إلى وقف أعمال التخريب في المناطق الوسطى التي استمرت 14 عاماً وصولاً إلى إعلان إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 عبر الحوار المسؤول.. في هذه المرحلة أضحى الحوار أكثر استجابة لاحتياجات الواقع وأحد أهمِّ المبادئ المحورية التي تقوم عليها منظومة حكم وإدارة شؤون الوطن، ونهجاً سياسياً وسلوكاً واقعياً عند الرئيس للتعاطي مع مختلف تعقيدات الواقع والتغلب على التناقضات والصراعات التناحرية والتوترات الكبيرة بين التكوينات الاجتماعية والقيادات السياسية المختلفة التي كانت مصدراً للتمردات ورفض الواقع والحروب الداخلية.

بعد الوحدة تضاعفت أهمية الحوار كمبدأ وطني في إدارة شؤون هذا البلد، حيث تعرض الواقع اليمني لمتغيرات سريعة ومتلاحقة، وطفرات كبيرة من التقدم والنجاح في مختلف المجالات وظهور علاقات جديدة \" اجتماعية واقتصادية وسياسية\" متشابكة شديدة التعقيد وسريعة التغيير، كما أن تلازم الوحدة بالديمقراطية، أحدث تغيرات شاملة وعميقة في الوعي والثقافة والسلوك الاجتماعي، بفعل ما ترتب عنها من حضور واسع ومتنام للحريات -السياسية والإعلامية والحزبية والفكرية والاقتصادية والمدنية والاجتماعية- على مستوى الفرد والمجتمع، وظهرت وسائل كبيرة للتعبير عن الرأي والمصالح والمطالب والدعوة إلى التغيير والإصلاح بحرية مطلقة، بعيدة عن أجواء التسلط والعنف المادي والمعنوي، الذي كانت تمارسه الدولة سابقاً.. هذه المتغيرات المتسارعة أفرزت معها إشكالات وصعوبات وتحديات لا يمكن تجاوزها وحلها خارج إطار دائرة الحوار والتصالح والتسامح الذي دعا له فخامة الرئيس علي عبدالله صالح يوم 17 يوليو 2009م.

ما من شك من أن الحوار قد أثبت فاعليته، على الساحة الوطنية كتجربة تاريخية عريقة وناجحة، إلا أن هذه التجربة شهدت بعض التراجع والانتكاسات في الفترة الأخيرة وجابهت الكثير من الإخفاقات وبالذات ما يتعلق بالحوار بين الحزب الحاكم\" المؤتمر الشعبي العام\" وبعض أحزاب المعارضة المنضوية تحت عباءة (اللقاء المشترك).

والواجب الوطني يحتم علينا دراسة هذه التجربة وتحليلها ونقدها وتقييمها بواقعية، لمعرفة مكامن وأسباب الاخفاقات وما ترتب عنها من مخاطر، ومن ثم تشخيص سبل وآليات المعالجات.

في تقييمي لأبرز سلبيات هذه التجربة الحوارية ومخاطرها، انطلق من قناعتي الشخصية بأن الحوار يمثل طريقه منهجية لمعالجة اشكالات الواقع، ينفتح من خلالها كل طرف على أفكار ورؤى الآخرين وعملياتهم الفكرية مع الالتزام بالتقييم المستمر لمسيرة الحوار على أسس ومعايير وطنية منظمة، ولهذا فإن الحوار الناجح يقتضي عدداً من الضوابط أهمها المرونة التلقائية المتجسدة في إمكانية الطرف المحاور على الإتيان ببدائل فكرية متعددة عند التعامل مع أيٍ من القضايا الخلافية وعدم الاقتصار على موقف واحد دون غيره، وكذلك المرونة التكييفية والمتجسدة في القدرة على تغيير الأفكار والأساليب والسلوكيات العملية، تبعاً لمعطيات لها صفة الصدق والواقعية والموضوعية.. الحوار الناجح مشروط بنبذ الجمود والتصلب الفكري وما يدخل في عداده من أساليب \"المغالاة والتطرف والتشدد والتعصب\". ورفض كل أساليب الابتزاز والتسلط والتهديد والعنف، والأهم من ذلك هو القبول بالآخر والتعايش معه والقبول بتطور وتعديل الاطروحات والقناعات.. وعلى أطراف الحوار أن تدرك بأن الأفكار والمعالجات الموضوعة على طاولة الحوار ليست يقينية ولا مطلقة مهما أدّعى كل طرف احتكاره للحقيقة، فالتناقض والاختلاف في مثل هذه الحالة لا يمكن حسمه إلاّ من خلال القبول المشترك بالتوافق مع معطيات التغيير والارتقاء بالتفكير والحسابات من قاعدة المصالح والحسابات الخاصة إلى ذروة المصالح والحسابات الوطنية العامة، وهذا يحتم بالضرورة على الجميع التعامل مع مجمل الأطروحات الفكرية دون الاستناد إلى قرارات مسبقة، وإجابات جاهزة، ودون التخندق داخل قناعات ومعتقدات وتفسيرات جامدة.

من خلال قراءتي لتجربة الحوار بين المؤتمر واللقاء المشترك يمكن استشفاف عدد من العوامل الرئيسة لفشل هذا الحوار والتي كانت لها تبعات سلبية ومتنامية وخطيرة على الواقع الوطني أبرزها:

تمسك كل طرف بنظرة أحادية الجانب والكثير من القناعات والمواقف الأحادية الجانب في معظمها ناشئة بدرجة رئيسة من عجز أصحابها عن تكوين رؤية معرفية شاملة وصحيحة عن إشكالات الواقع وأسبابها الحقيقية، وعن الآخر وعن ذاته، ومثل هذا الجهل المعرفي غالبا ما يقود إلى الخطأ في النظرة إلى الواقع والقضايا محل الحوار، وخطأ أكبر في الأحكام والقناعات ومن ثمَّ في التعامل معها، وهذه عوامل تفضي إلى العناد السياسي والجمود الفكري والتصلب في المواقف، وتشكل بمجملها أرضية مواتية للتطرف والتعصب، الذي لا يقتصر خطره على الفرد أو الجماعة أو الحزب بل يتعداه إلى اغتيال الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والعاطفي للإنسان واستنزاف قدرات المجتمع الفكرية والإبداعية في غير مجالها الصحيح وتبديد غير مبرر للوقت والجهود والإمكانات.

اختزال قضايا الحوار ضمن مسائل ثانوية ترتبط مباشرة بمصالح سياسية حزبية آنية، يفقد الحوار أهميته الوطنية ويجعل منه شكلاً من أشكال المساومة السياسية، للالتفاف على مصالح الوطن والشعب، وعلى الدستور والتشريعات النافذة، ومثل هكذا حوار يسعى إليه البعض تحت شعار المصالح الوطنية لا يمكنه أن يقدم حلولاً ناجعة لمشاكل الواقع، بل على العكس من ذلك ستتولد عنه اختلالات وإرباكات وأزمات جديدة.

عدم الوصول إلى اتفاق حول قضايا الحوار، تحول إلى مصدر لإنتاج مادة إعلامية سياسية تروج للخلافات والأفكار المتصلبة الداعية إلى إثارة الأحقاد وإشاعة ثقافة الكراهية وسط واقع اجتماعي سياسي مشحون بالقلق، الأمر الذي ولد مواقف انفعالية وقناعات وأحكاماً غير واعية، وفرزاً اجتماعياً بين قطبي الحوار المتنافرين، وكل جماعة تعتقد أن قيادتها وحدها على حق، وغيرها على خطأ.. والتوترات الاجتماعية في قاعدة الهرم الاجتماعي انعكست بدورها على قناعات ومواقف النخب السياسية التي زادت من غلوها السياسي وتصلب مواقفها في التعامل مع الآخر ومع قضايا الحوار، وبالتالي فشل الحوار قبل الشروع به.. في مثل هذه الأجواء غير الطبيعية والمواقف الخاطئة للنخب السياسية يجد التعصب بيئة ملائمة لانتعاشه، وتمدده داخل شرائح المجتمع، حيث يتنافس العامة من الشعب على ابتداع المزيد من مكوناته الفكرية والاجتماعية وشروط استمراره، وهم في حقيقة الأمر لا يدركون عواقبه وما قد يلحقه من أضرار بمصالح الوطن والشعب ووحدته وسلامه الاجتماعي.

من الطبيعي أن يوجد بين أطراف الحوار تباين واختلاف وتناقض في القناعات والرؤى وفي أسلوب التفكير والتعاطي مع مختلف القضايا وهذا شيء مشروع وحتمي في أيّ حوار بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة واستنباط الأحكام والمعالجات المناسبة لأي قضية من القضايا، إلا أن الشيء غير الطبيعي هو الجمود الفكري والتصلب في المواقف الذي أصبح لدى بعض الأطراف منهج تفكير وسلوك عملي أكثر من كونه تحمساً لموقف أو قضية وطنية، وأكثر من كونه موقفاً مؤقتاً أو مناورة سياسية لابتزاز الطرف الآخر، وخطورة منهج هذا التفكير لأنه يمثل خروجاً عن منظورات الفكر العلمي السليم، حيث كل شيء فيها قابل للتغيير ولا يؤخذ بها كمنطلقات علمية لأي حوار ناجح، والاستعاضة عنها واستبدالها بقناعات أيديولوجية وتفسيرات عقائدية جامدة.

أحد أبرز صعوبات الحوار نابعة من طبيعة تكوين اللقاء المشترك وتخلف أدوات عمله السياسي الإداري والتغيير الدوري لمكونه القيادي، فاللقاء المشترك يضم خليطاً غير متجانس، من أحزاب متباينة في أيديولوجياتها ومصالحها، وفي أهدافها وأولوياتها الحزبية والوطنية ورؤيتها للواقع، إضافة إلى التناقضات والتباينات بين مراكز القوى والانتماءات المناطقية الجهوية داخل كل حزب على حدة، وبفعل هذا التكوين غير المتجانس تبرز إشكالات مركبة ومواقف غير واضحة من قضايا الحوار، ففي الوقت الذي يسعى كل حزب إلى تجيير قضايا وآليات الحوار ونتائجه لخدمة أهدافه ومصالحه، فإن بعض مراكز القوى داخل الحزب في كثير من الحالات تبدي عدم رغبتها في البحث عن حلول جذرية لإشكالات الواقع، وتعمل على إعاقة الحوار وافتعال المزيد من الأزمات وتعقيد المواقف.. في محاولاتها لتجاوز أزماتها وتناقضاتها الداخلية تحرص قيادة اللقاء المشترك أن تكون رؤيتها للحوار هلامية ومطاطية لتستوعب تناقضاتها الداخلية، ومجسدة في الوقت ذاته لمصالح وقناعات كل حزب، ولكن على حساب قضايا الحوار الجوهرية والمصالح الوطنية العامة، والأدهى من ذلك أن كل حزب من هذه الأحزاب يمتلك حق (الفيتو) لعرقلة وإيقاف عملية الحوار إذا كانت لا تتجاوب مع مصالحه وقناعاته الحزبية.

عندما تكون القضايا المعروضة على طاولة الحوار ذات طابع سياسي حزبي ومكرسة لتحقيق مكاسب حزبية خارج إطار المصالح العامة والتشريعات والآليات السائدة المتفق عليها، فإن قضايا الحوار ستصبح مادة للمساومات والابتزاز المتبادل كما هو الحال في قضية الخلاف الرئيسة بين المؤتمر الشعبي العام وتحالف أحزاب اللقاء المشترك، التي تمحورت لأكثر من عامين حول قضية الانتخابات، وإعادة صياغة التشريعات والآليات العملية والمكونات الإدارية والسجلات ونظم الاقتراع، بهدف تحقيق ما يسمى بنظام انتخابي عادل تتكافأ فيه الفرص لجميع الأحزاب.

عدم تعاطي أطراف الحوار مع هذه القضية من منظور ما تقتضيه مصالح الوطن واحتياجات العملية الديمقراطية الانتخابية لتطوير آلياتها ومؤسساتها وأدواتها العملية والتشريعية بشكل عقلاني متدرج يستوفي اشتراطات الحاضر واحتياجات المستقبل، بل تعاطت مع هذه القضية من منظور الحسابات والمصالح الحزبية، وكيف يمكن لأي طرف إعادة ترتيب أوراق اللعبة الانتخابية بما يضمن له حصة الأسد في الانتخابات القادمة وهو ما قاد إلى تصلب في المواقف والتمادي في وضع الاشتراطات المسبقة، وابتداع الحواجز المعيقة لأي شكل من أشكال التقارب والإجهاض المبكر لكل مقومات الحوار الناجح.

حين تتراجع مصالح الوطن والمجتمع على حساب بروز وطغيان المصالح الذاتية والحزبية الضيقة، وحين يكون الصراع من أجل السلطة أو محاولة التمسك بها غير مشروع ولا يعبر عن إرادة ومصالح الجماهير، يتحول الاختلاف والتباين بين أطراف الحوار إلى مواجهة مصيرية وحرب سياسية إعلامية أيديولوجية مفتوحة، تتجاوز كل معايير وشروط وأخلاقيات وسقف اللعبة السياسية الديمقراطية والتشريعات الضابطة والمنظمة لها، لتتحول فيما بعد إلى حرب موجهة ضد الوطن ونظامه السياسي الديمقراطي وعقده الاجتماعي، وضد خيارات الشعب وإرادته، يستخدم فيها كل طرف كافة أسلحته وأوراقه المشروعة وغير المشروعة وبتجرد مطلق عن القيم الأخلاقية والمسؤولية الوطنية.

وهذا في اعتقادي هو ما حصل على الساحة الوطنية خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة، فالمؤتمر الشعبي العام الذي رفض ما يعتبره ابتزازاً واملاءات من قبل أحزاب اللقاء المشترك، وضع سقفاً لتنازلاته عند المستويات والخطوط التي يرى أن تجاوزها يمثل تهديداً لمكانته ونفوذه وانجازاته ودوره السياسي، وما يعتقده تجاوزاً للتشريعات الدستورية وإضرارا بمصالح الوطن والعملية الديمقراطية، وحاول المؤتمر التمسك بموقفه هذا مستمداً قوته من التشريعات الدستورية والديمقراطية السائدة التي تدعم مواقفه، ومستنداً في الوقت ذاته على قاعدته الاجتماعية العريضة بما يتمتع به من شرعية دستورية وشعبية من خلال النجاحات التي حققها خلال الانتخابات السابقة، وإلى جانب ما يمتلكه كحزب حاكم بأغلبية مطلقة، من قدرات كبيرة ومجالات واسعة للمناورات السياسية والاجتماعية وفرض خياراته على الطرف الآخر من منطلق دعم واختيار الناخبين لبرنامجه السياسي.

في الجهة المقابلة كانت أحزاب اللقاء المشترك، تبحث عن آليات ووسائل جديدة وفاعلة تمكنها من تحقيق النجاح في أية انتخابات قادمة، وتضمن لنفسها إمكانية الحضور القوي والفاعل داخل سلطات الدولة المنتخبة، انطلاقاً من اعتقادها بأن فشلها المريع والمتواصل في جميع الدورات الانتخابية السابقة \"التشريعية، والرئاسية، والمحلية\" لم يكن بسبب ضعف قاعدتها الاجتماعية، أو عدم واقعية برامجها الانتخابية ورفض الناخبين لها، ولم يكن أيضا بسبب سوء إدارتها للعملية الانتخابية وضعف التنسيق وحدة التنافس بين مكونات تحالفها.. ولكنها ترى أن فشلها مردّه بدرجة رئيسة إلى تخلف التشريعات السائدة، وعدم عدالة الآلية الانتخابية التي تجدها مسخرة لصالح الطرف الآخر.

حاولت هذه الأحزاب فرض الحوار على المؤتمر بهدف إعادة صياغة العملية الانتخابية بكل مكوناتها \"التشريعات، الآليات التنفيذية، الهيئات واللجان القيادية والإشرافية، والسجلات الانتخابية ونظم الاقتراع\" وفق معايير وشروط تضمن من خلالها اصطياد غالبية أصوات الناخبين أو هكذا تعتقد.

لتحقيق أهدافها حرصت أحزاب اللقاء المشترك على استخدام كل أوراقها السياسية وقدراتها الهائلة على تأزيم الأوضاع، مستغلة بذلك صعوبات الوضع، الاقتصادية والاجتماعية ومعانات السكان، والاختلالات الأمنية وأخطاء الخصم، وتحميله كامل المسؤولية عن كافة السلبيات وتردي الأوضاع الداخلية وشيوع البطالة والفقر وضعف معدلات التنمية، ومثلت قضية تمرد الحوثي في صعدة، وما يسمى بالحراك الجنوبي، وصعوبات الوضع الاقتصادي، والإرهاب والاختلالات الأمنية، أهم الأوراق السياسية الداخلية التي أجادت هذه الأحزاب استخدامها لإنهاك الدولة وابتزازها، ومحاصرة الحزب الحاكم، ونجحت بامتياز من خلال قواعدها وخطابها السياسي الإعلامي المؤجج، في إجهاض إجراءات الدولة ومشاريع الحزب الحاكم في التصدي لهذه الاشكالات ومعالجتها بشكل مبكر ومنع استفحالها باستخدام وسائل الدولة المؤسسية المشروعة، أو محاولات احتوائها عن طريق الحوار والمعالجات الممكنة مرحلياً.

ما من شك أن انسياق طرفي الحوار وفرقاء العمل السياسي في الحكم والمعارضة في طريق المناورات والتكتيكات السياسية والتمادي في استخدام الوسائل غير المشروعة ديمقراطياً وأخلاقيا، وغياب النيات الصادقة لحوار جاد، وتمترس اللقاء المشترك خلف قناعات حزبية جامدة، واستماتته في الدفاع عن مصالحه الذاتية والحزبية.. هذه وغيرها من الممارسات الخاطئة فتح المجال واسعاً أمام الرموز والجماعات السياسية المتصلبة والمتطرفة والدفع بها إلى مواقع تمكنها من التأثير على مجرى الأحداث وزيادة حدة التصعيد السياسي والإعلامي، والانتقال بالوضع إلى مربع جديد من التأزم، ومزيد من الاضطرابات، وما صاحبها من استهداف للممتلكات الخاصة والعامة، واستخدام الأسلحة وسقوط ضحايا من المواطنين ورجال الأمن، وترويج لثقافة الحقد والكراهية واتهامات متبادلة، ورغبة بعض الأطراف في توسيع دائرة الأحداث.. إما بهدف التطفل المادي أو الابتزاز السياسي، أو تصفية الحسابات بين بعض مراكز القوى والصراع (السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، العسكرية، الأمنية) وكل هذه عوامل وأسباب ساهمت بفعل الكثير من الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية في استفحال خطر المشاريع التفكيكية وقواها الاجتماعية والسياسية التي ما برحت تعمل بكل طاقاتها للدفع بالبلد في مسارات مجهولة نحو حافة الانهيار والصوملة.

بالنسبة لملايين المواطنين لم يعد الوضع مقبولاً لديهم، ولن تستسلم لإرادة أطراف الحوار في إلغاء دورها الوطني ومسؤوليتها التاريخية، أو جعلها مجرد تابع سلبي يدور في فلك هذه الأحزاب، التي لن تتردد في جعل الوطن والشعب مسرحاً وأداة لصراعاتها من أجل السلطة.. ففي وسط هذا الواقع المأزوم والمظلم تشكلت بوادر صحوة وطنية في قاعدة الهرم السياسي الاجتماعي بدأت تضغط بقوة على قمة الهرم السياسي باتجاه إصلاح الأوضاع وتجاوز خيارات الأحزاب ومصالحها الضيقة نحو خيارات ومصالح وطنية عامة، هذا الحراك القاعدي بدا وكأنه دفع بهذه الأحزاب إلى إعادة حساباتها وتغيير مواقفها وتجلى ذلك في اتفاقها على قضايا الحوار وتأجيل الانتخابات لمدة عامين.

ولكن هل التغيير في مواقف الأحزاب وقبولها بالحوار وتأجيل الانتخابات لم يعبر عن موقف ثابت ولم يكن نابعاً عن قناعات وطنية وحسابات استراتيجية عامة وكشفت التطورات أنه عبارة عن خيارات تكتيكية تمهد لجولات أخرى من الصراعات وهذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة.


خدمات المحتوى
    زيارات 390
تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري