في
السبت 28 ربيع الأول 1439 / 16 ديسمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات




جريدة الوطن:
فهد إبراهيم الدغيثر


من أكثر المشاهد التي لفتت نظري في مطلع السبعينات حال وصولنا إلى أمريكا للدراسة كانت الأمانة الشائعة بين البائع والمشتري. فالصحف مثلاً تباع عند التقاطعات في الشوارع بواسطة صندوق بسيط يستقبل في جزء منه عملة معدنية ما أن توضع في الفتحة المناسبة حتى ينفتح باب الصندوق بأكمله ثم يتناول المشتري نسخة واحدة من الصحف الموجودة. لا أحد يأخذ أكثر من نسخة ولا يمكن لأي مشتر أن يترك الصندوق غير مغلق بعده مما قد يتيح الفرصة للمشتري القادم الحصول على الجريدة مجاناً \"أي سرقتها\". تساءلت.. كيف وصلت بهم الثقة وتغليب الأمانة بالمستهلك إلى هذا الحد؟ عندما تريد شراء بعض أعواد الحطب للتدفئة أو كرتون من المياه المعبأة والموجودة في مواقف السيارات التابعة لمركز التسوق فما عليك إلا أن تطلب من المحاسب إضافة قيمة الحزمة أو كرتون المياه للفاتورة وعندما تخرج تلتقطها وتضعها مع البضائع بلا مراقبة من أحد.
أتصور وعطفاً على ما أشاهده هنا في الوطن أن فكرة كهذه لا يمكن أن يكتب لها النجاح. البعض منا يعتبرها \"شطارة\" و \"مهارة\" أن يأخذ الصحيفة أو حزمة الحطب أو كرتون المياه ببلاش.
من نفس المنطلق الثقافي والتربوي، لا يتردد منا أحد في رمي علبة المشروبات الغازية من نافذة السيارة أو قطعة المنديل أو مخلفات منفضة السجائر.
تغلب على تصرفات الكثيرين منا في ممارساتنا للحياة مبادئ غاية في التناقض والازدواجية تعكسها مشاهد متنوعة من الفوضى والجهل أحياناً والأنانية في معظم الأحيان.
المواطن بل وحتى المقيم الذي ربما أتى حاملاً لثقافة معينة ومختلفة يتصرف في المملكة بطريقة غريبة ومذهلة. فقائد المركبة على سبيل المثال وليس الحصر لا يهتم بالطريق ويقود عربته بطريقته الخاصة التي تخدم هدفه هو فقط غير آبه بأنظمة ولا حتى بأقل قدر من المسؤولية أو الذوق العام. مستخدم دورات المياه العامة سواء في المطارات أو في أي مكان عام يترك وراءه فوضى لا مثيل لها بل إنها فوضى قد لا يمارسها في دورة مياه منزله، ومنها بالطبع تلك الدورات الملتصقة بالمساجد.
وهنا لابد من الوقوف على ظاهرة انتشار دورات المياه في المساجد وبطريقة أصبحت مثيرة للاشمئزاز وتستحق في الواقع موضوعاً منفصلاً.
لا أذكر في السابق أن المساجد كانت هدفاً لمن يبحث عن دورة مياه عامة، إذ كان المصلون يأتون وهم متوضئون إلى المسجد. أما اليوم فمن يبحث عن دورة مياه فما عليه إلا البحث عن مسجد. أتمنى لو نستعرض هذه التجربة ونحاول تقييمها من جديد، فالمسجد بيت من بيوت الله ومن العار علينا أن نضع تحته أحواض البيارات والمخلفات البشرية ناهيكم عن ما قد يأتي من الأوساخ التي تنقلها الأقدام الرطبة إلى سجادة المسجد.
أعود إلى موضوع الأنانية وأتساءل: لماذا نتصرف على هذا النحو؟ ما الأسباب التي تؤدي إلى عدم الاكتراث ليصل إلى حد التخريب أحياناً؟ أين التعاليم الدينية الفاضلة التي حثت على النظافة والتعاون والتآزر والأمانة والمعاملة الحسنة؟ مشاهد غريبة بالفعل ومثيرة للكثير من التساؤلات. ما يجعل المرء يشعر بالكثير من التحسر أن معظم من يتصرف على هذا النحو في المملكة، لا يتصرف بالضرورة على هذا النحو عندما يكون في الخارج. ويا سبحان الله العظيم تكاد لا تصدق كيف ينضبط المرء في الخارج وكأنه ولد منظماً وغير مخالف سواء في النظافة أو في قيادة السيارة أو في أي تصرف يتطلب نوعاً من الذوق واللباقة، وما أن يعود إلى الوطن حتى يعود إليه التمرد المفرط وكأنه يمارس نوعاً من الانتقام.
الذي يبدو لي ـ والله أعلم ـ أن ممارسة الانضباط تعتبر ثقافة عامة نفتقدها وهي ثقافة لا يمكن تطبيقها في مجتمع فوضوي لا يعير للمخالفات أي أهمية. كنت أتساءل مع صديق لي عن مدينة دبي وأنا أتحدث عن هذه الظاهرة وكيف نجحت دبي وفشلنا؟ كيف نجحت في أن تكون أماكنها العامة في غاية النظافة ومرتادوها في غاية الانضباط بينما فشلنا نحن؟ كيف نجحوا بقرار واحد أن يمنعوا التدخين في أروقة الفنادق أو في المطاعم المغلقة أو في مطار دبي الدولي أو في سيارات الأجرة بينما فشلنا نحن رغم كل النداءات والبيانات واللوحات الإرشادية الضخمة والتهديد والوعيد؟ هل يمكننا أن نحاول زرع ثقافة الانضباط في مجتمعنا أم أن الوقت بات متأخراً جداً؟ ثم ما هو الثمن المادي والمعنوي الذي ندفعه بسبب هذه التصرفات؟ أخيراً ما الأدوات المتوفرة لدينا لزرع مثل هذه الثقافات والقيم؟ كيف يمكننا النجاح في تحقيق مثل هذه الأهداف؟
أترك الإجابة لمن هو مؤتمن على التخطيط وتنفيذ الأهداف الاجتماعية التي تطور سلوكنا على أن الوضع بنظري لا يحتمل الاجتهاد الذي مللنا من ممارسته.
قبل الشروع في أي محاولة جديدة نحتاج إلى دراسة شاملة وعميقة لدراسة سلوك وتصرفات المواطن والمقيم حتى نتعرف على دواخل الأزمة قبل محاولة تغييرها إلى ما هو أفضل.


خدمات المحتوى
    زيارات 333
تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري