في
الثلاثاء 27 محرم 1439 / 17 أكتوبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

الأخبار والمقالات
مقالات
الاقتتال الطائفي والقنابل الفكرية الموقوتة




جريدة الوطن:
عبدالله المطيري


الاقتتال الطائفي والقنابل الفكرية الموقوتة

تفجير مسجد شيعي في العراق يتلوه مباشرة تفجير مسجد سنّي في سلسلة لم تتوقف حتى الآن بعد اندلاعها قبل ست سنوات. الكل يعرف اليوم أن الصراعات السياسية بين مختلف التيارات في العراق هي التي تقف خلف كل هذا ولكننا نعرف أيضا أن الحراك السياسي يتكئ دائما على أيديولوجيا ومنظومة فكرية تبرر أفعاله وتعطي الأتباع الدافعية والحماسة المطلوبة للقيام بأعمال غير طبيعية، أي أعمال لا يقوم بها الفرد السوي في الحالات الطبيعية.
الأيديولوجيا الطائفية هي إحدى أكبر الطاقات التي يمكن تفجيرها بشكل عنيف في المناطق التي لا تزال الأفكار التقليدية تسيطر عليها باعتبار أن الفرد يخضع في هذه البيئات لتشكيل قوي في الهويّة يتحول إلى هوس ومرض خطير تجاه المخالفين. فالفكر الطائفي بسبب الصراعات المختلفة التي يعيش داخلها وتحت ضغط الخوف من الإبادة يؤسس لدى أفراد طائفته مقولات أساسية تقوم أساسا على العداء مع الطوائف الأخرى.
الانتماء الطائفي هو أحد أقدم الانتماءات في تاريخ الإنسان وهو يختلف في أساسه عن الانتماءات التي يعيشها الفرد الحديث وسط دولة القانون. فالانتماء الطائفي هو انتماء إلزامي بمعنى أنه يتحدد بمجرد الولادة وانتماء الدم ولا يخضع لاختيار الفرد وإرادته الحرة وهذا ما يعطي هذا الانتماء لدى الغالبية صفة الأبدية والضرورة فالفرد الطائفي لا يعتقد أن هذا الانتماء هو انتماء يمكن الخروج عليه أو تجاوزه بل يعتقد أنه انتماء تفرضه طبيعة الوجود ولا يتصوّر لنفسه وجوداً دونه. إنه يصبح في هذه الحال انتماء وجودياً يتساوى مع الانتماء الإنساني البشري.
كذلك من الفروق الأساسية بين الانتماء الطائفي والانتماءات الحديثة كالمواطنة والانتماءات الفكرية والحزبية أن الانتماء الطائفي سابق على القانون تاريخيا مما يجعل له في الوعي الطائفي أولوية على القانون الطارئ. قانون الطائفة أولى من قانون الدولة وإرادة وأوامر زعيم الطائفة لها الأولوية على القادة الوطنيين القانونيين وبالتالي تكون مصلحة الطائفة فوق كل المصالح، حتى في أحيان كثيرة على المصلحة الفردية المباشرة.هذه الحالة الطائفية الفريدة لا تستمر ولا تبقى إلا بعملية تعزيز مستمرة ودائمة تنطلق مع كل فرد في لحظاته الأولى في الحياة وتستمر حتى وفاته مادام خاضعا لهذا الانتماء.عملية التعزيز هذه تقوم على مقولات أساسية صريحة ومضمرة تقدم بأشكال وطرق متنوعة ومختلفة تستخدم الأسطورة والتراث والقصص وكل ما يمكن استثماره للتأثير على الفرد وإبقائه في حالة شحن واستعداد. وبالتأكيد إن هذه الحالة ترتفع معدلاتها حين تكون الطائفة في وضع اضطهاد أو خطر.
من المقولات الأساسية للتأسيس الطائفي مقولة حصر الحق في الطائفة، فهي الطائفة المنصورة والتي بقيت على الحق حين زاغت عنه باقي الطوائف الضالة. كل طائفة تستند على هذه الفكرة وتدعيها لنفسها وتؤسس كل شيء عليها وهذا يتطلب عملية مزدوجة: ادعاء الحق للذات ونسبة الباطل للآخر. لا تتم العملية إلا بهذه المعادلة المترابطة فالانتماء الطائفي لا يحتمل أن يشترك الناس في الحق أو أن هذا الانتماء انتماء مصلحي لا علاقة أساسية له بعملية الحق والباطل، أو أنه انتماء دنيوي يخرج عن قضية الحسابات البعيدة ذات الحساسية العالية. لا يحتمل الانتماء الطائفي هذه الاحتمالات ولذا فهو يحاربها أشد الحروب ويرى فيها الخطر الأكبر عليه.
وتتطلب هذه العملية تأسيس عقل وثوقي دوغمائي، طائفي بامتياز. بمعنى أنه العقل الذي يتصوّر ما يحيط به من أحداث وأفكار بتصوّر أحادي وحاد يقوم على الفصل الكامل بين المواقف والأفكار، عقل أحادي النظرة على درجة عالية من الحدّة، يحارب الانفتاح ويتغذّى بالانغلاق. باعتبار أن هذا العقل هو وحده القادر على الإبقاء على الجماعة الطائفية في حالة تميّز واضح عن بقية الجماعات من خلال تأكيد القطيعة المستمرة معها.
الانتماء الطائفي اليوم، ويمكن أخذ العراق كنموذج له، لا يزال يقوم على التركيبة الأساسية الموجودة منذ القدم. فعلاقة الأفراد مع رموز الطائفة وأولويات الانتماء لديهم لم تتغير كثيرا، إلا أن الطوائف اليوم هي أكثر مواربة وتلويّا باعتبار أنها تعيش في عالم لم يعد يقبل قيام الدول على اعتبارات طائفية مباشرة مما يجعل هذه الطوائف تقدم خطابات ظاهرة وخطابات باطنة، الظاهرة دولية وإعلامية تؤكد فيها على مؤسسات الدولة وعلى ديموقراطية الاختيار الشعبي وعلى مدنية العمل السياسي ولكنها في الداخل تجري كل هذا بالحسبة الطائفية التقليدية التي لم تتزحزح.
هذه الحالة مستمرة باعتبار أن حالة الحداثة لم تمرّ بعد بالمنطقة، حالة الحداثة التي تعني تجاوز الإنسان لمرحلة من تاريخه كان فيها فاقد الحرية والاختيار ليصل إلى مرحلة ارتفع فيها وعيه كثيرا ليتمكن من أن يصبح صاحب القرار في انتماءاته واختياراته فلم تعد الولادة هي التي تحكم كل حياته. حالة الحداثة شكّلت لدى الإنسان وعياً سياسياً مهماً يتمثّل في مؤسسات الدولة الحديثة القائمة على انتماء مصلحي أول هو انتماء المواطنة، انتماء يقوم على مبدأ العدل والمساواة بين جميع من يسكن على هذه البقعة من الأرض المسماة وطناً. هذه الحالة تعتمد على نمط من التفكير متقدم يستند على العقلانية في التفكير واتخاذ القرار، فلم يعد صاحب القول هو الفيصل في صحة القول من عدمه كما في الطوائف بل مضمون القول هو الحكم والمرجع وهذا ما جعل أصحاب الخطابات العامة، السياسية والاجتماعية يستندون على حجج العقل والمصلحة وخدمة المواطن مع استخدام محدود للشعارات الكبرى فيما نجد أن الخطاب الطائفي العام هو حزمة مكررة من الشعارات الكبيرة والمؤثرة التي تحول مساحة النقاش والخلاف إلى مساحة مشحونة بما لا تحتمل من التاريخ والأساطير والروح الحماسية، مساحة يحيط بها الموت من كل الجهات.


خدمات المحتوى
    زيارات 314
تقييم
1.00/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري