في
الجمعة 28 صفر 1439 / 17 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

20-ذو القعدة-1430 03:54 AM

إثبات الفرق بين الانغماس في صفّ العدو المقاتل، وتفجير الجسد في حشد من المسلمين العزل



فرق بين الانغماس في صفوف العدو الكافر والمقاتل، وتفجير النفس في حشد من المسلمين العزل.

إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.

وأشهـدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران 102].

[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].

أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

أما بعد:

إن كبيرة الانتحار قد تفشى أمرها في المجتمعات الإسلامية، وصارت مفزع التائهين، وملاذ الغارقين في مستنقع أهل البدع، وهواجس الفرق الضالة والنحل الكافرة، وأغدت سبيلا عند أقوامٍ لرفعِ راية الجهاد على زعمهم الخاطئ، وقهرِ إخوانهم من المسلمين العزل، مخلطين في فعلهم بين الانغماس في صفوف العدوّ المقاتل في جهاد مشروع بإذن السلطان وفق فقه إمام، وبين الانتحار وتفجير الجسم في حشد من النّاس العزل، الذين لا يملك أحدهم سكينا في جيبه.

يا أبناءنا: إن المجاهد الحق هو المتبع المهتدي، السائر على طريقة السلف في توسيع رقعة الإسلام أو الذبّ عنها، قال تعالى في سورة العنكبوت:[وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ]، فلا يجوز لكم أن تُقدموا على أيّ عمل كان -إن كنتم تزعمون الجهاد الشرعي-حتى تعرضوه على كبار أهل العلم في هذا العصر، كي تَتَجنَّبوا الإفساد في الأرض، قال تعالى في سورة الأعراف: [وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ]، فإنّ الدخول في أمور الجهاد بجهل وعميّة يُحوِّل هذا المشروع العظيم إلى إفساد في الأرض، يجر الشرور والفتن، وذيول الخيبة على الإسلام والمسلمين.

إنّ المجاهد المخلص يا من غُرِّر بهم بعيد كلّ البعد عن العلوّ في الأرض والإفساد فيها بالاعتداء على ملك الغير بغير جريرة، فالمجاهد الذي يريد وجه الله بصدق لا يظلم، ولا يتعدى، ولا يبغي، ولا يغدر، فكل من البغي والغدر سبب لتمكن المبغي عليه على الباغي، قال جلّ شأنه في سورة الحج: [ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ].

إن المجاهد الذي يقول أنه على منهج السّلف لا يقتل عدوّه تشهيا في القتل وسفكِ الدماء، ولا يسحق في طريقه الأطفال والنساء ثم يأتي إلى (شبكة الإنترنيت) ويُغيِّر الحقائق بخطاب مزور فارغ من العلم والحكمة، بل يكون قصد من رفع راية الجهاد إظهار كلمة التوحيد بالعلم والحلم، والغلظة على من خالفها، قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى (35/368): (فالمقصود بالجهاد أن لا يعبد أحدُ إلا الله، فلا يدعو غيره، ولا يصلي لغيره، ولا يسجد لغيره، ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته، ولا يذبح القرابين إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه، ولا يتقى إلا إياه..).

يا أبناءنا إنني على يقين أن الجهاد الشريف الذي أمر اللهُ به في كتابه، وبيَّن أصولَه نبيُّه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته، ومارسه السّلفُ الصَّالح ففتحوا به القلوب قبل الأمصار؛ تمام الإيمان وسنام العلم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، وأن الجبن في مبارزة العدوّ الكافر والمقاتل للمسلمين علامة النفاق، وشرّ دفين في الإنسان، فقد روى الإمام أبو داود في سننه كتاب الجهاد بإسناد صحيح من طريق موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، عن عبد العزيز بن مروان قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (شرّ ما في رجل: شح هالع، وجبن خالع).

وقال ابن قيم الجوزية في الفروسية (ص:491 تحقيق مشهور): (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوّذ بالله من الجبن.

والجبن خلقّ مذموم عند جميع الخلق، وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشجاعة والجود هم أهل حسن الظن بالله......)اهـ.

وقال كذلك رحمه الله في كتابه الروح (ص: 527): (وأصل الجبن من سوء الظن ووسوة النفس بالسّوء، وهو ينشأ من الرئة، فإذا ساء الظنُّ ووسوست النفس بالسوء انتفخت الرئة فزاحمت القلب في مكانه، وضيقت عليه حتى أزعجته عن مستقره، فأصابه الزلازل، والاضطربات لإزعاج الرئة له، وتضييقها عليه....)، [ثم قال رحمه الله]: (فسمّى -أي صلى الله عليه وسلم- الجبن خالعا لأنه يخلعُ القلب عن مكانه لانتفاخ السحر، وهو الرئة، كما قال أبو جهل لعتبة بن ربيعة يوم بدر: انتفخ سِحْرُك. فإذا زال القلب عن مكانه ضاع تدبير العقل، فظهر الفساد على الجوارح، فوضعت الأمور على غير مواضعها..).

ولكن يا أبناءنا؛ عليكم أن تُفرِّقوا بين الشّجاعة، التي هي من القلب، وهي ثباتُه واستقراره عند المخاوف، وحرارته وغضبه وانتصابه وثباته، وهو خُلقٌ يتوّلد من الصّبر وحُسن الظن بالله تعالى، وبين الجرأة التي هي إقدامٌ سببه قلة المبالاة، وعدم النظر في العاقبة، بل تقدم النفس في غير موضع الإقدام، معرضة عن ملاحظة المعارض، فإما عليها وإما لها، كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله.

وكهذا حال أبنائنا الذين تبنوا طريقَ تفجيرِ أنفسهم في أوساط حشود الناس في ديار الإسلام، فهي جرأة خالية من النظر، ومعطلة من كل حرارة، لا يُقرُّها شرعٌ حكيمٌ ولا عقلُ حليمٍ، بل هو صنيعٌ -إن سمح لي اجتهادي- شبيه بصفة توبة الله على بني إسرائيل: [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ].

أخرج الإمام ابن جرير في تفسيره بإسناد صحيح قال: حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشَّار، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيد: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: (قال موسى لقومه: [فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]. قال: أمر موسى قومه -عن أمر ربّه عز وجل- أن يقتلوا أنفسهم، قال: واحتبى الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصَابَتْهُم ظُلَّة شديدة، فجعل يقتل بعضُهم بعضا، فانجلت الظلَّة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل مَن قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة).

وقال الإمام الزهري فيما أخرج ابن جرير في تفسيره بإسناد صحيح: لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم، قالوا: يا نبي الله ادع الله لنا، وأخذوا بعضُديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبِل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السّلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟ أما مَن قُتل منهم فحيٌّ عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلتُ توبَتَه، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل).

قال الإمام ابن كثير: رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه قاعدة في الانغماس في العدوّ وهل يباح؟ (ص: 37): (فهذا كان في شرع من قَبلنا من أمره بقتل بعضهم بعضا، قد عوضنا الله بخيرٍ منه وأنفع، وهو جهاد المؤمنين عدو الله وعدوهم، وتَعريضهم أنفسهم لأَن يُقتلوا في سبيله بأيدي عدوِّهم لا بأيدي بعضهم بعضا، وذلك أعظم درجة وأكثر أجرا).

إنّ بعض المغرر بهم يكون ماضيه أسود بالمعاصي، قد اقترف جميع أنواع الآثام، فإذا استقام، واتضحت له سبيل أهل الحقّ يأتيه رؤوس الضلال ويقولون له: إن توبتك وحدها لا تنفعك بمقابل ماضيك الأسود، حتى ولو أنّك حججت وصمت الدهر وقمت الليل تبقى بحاجة إلى عمل آخر يطهرك من ذنوبك المتراكمة، ولا نجد لك أفضل من الجهاد، فإن ذنوبك تغفر عند أول قطرة تهرق من دمك، وإذا أردت أن تختزل الوقت وتحصل على أعلا وسام في التوبة فتأمم إزهاق نفسك في سبيل الله بتفجيرها في قلب دعاة الكفر والإباحية، وبهذا العمل يكون المغرر به قد شابه في توبته صنيع من أمرنا الله بمخالفتهم في الصغيرة والكبيرة.

يا أبناءنا إن الذي تقومون به من عمليات انتحارية ليست من قبيل الانغماس في صفوف العدوّ المقاتل، لا من قريب ولا من بعيد، بل هي أعمال جرت الخيبة والهوان إلى ديار الإسلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (28/540): (وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصّة أصحاب الأخدود، وفيها أنّ الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين. ولهذا جوَّز الأئمة الأربعة أن ينغمس في صفّ الكفّار وإن غلب على ظنّه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإذا كان الرّجل يفعل ما يعتقد أنّه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره؛ كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلاّ بذلك ودفع ضرر العدوّ المفسد للدين والدّنيا، الذي لا يندفع إلاّ بذلك أولى)اهـ.

قلت: أين المصلحة التي عادت على الإسلام والمسلمين من قتل الأولاد والنسوان والعزل من المسلمين؟

وأين العدو الكافر والمقاتل للمسلمين في الجزائر الذي انغمس فيه أبناؤنا وفجروا أنفسهم في وسطه لقهره وهزّ كيانه، وبث الرعب في صفوف جنوده؟

وأي مصلحة عادت على الإسلام بالنماء من هدم ممتلكات الأبرياء؟

وأي مصلحة تفيّء المسلمون ضلالها من زرع الرعب والهلع في نفوس العزل والمسلمين المسالمين؟

ولا أريد أن أسهب في ذكر المفاسد التي نجمت عن أدعياء الجهاد في ديار الإسلام، فقد توسعت قليلا في ذكر ذلك في كتابي "الأمن وحاجة البشرية إليه" فليرجع إليه من أراد التوسع، ولكن الذي أسعى إلى بيانه في هذه الطرّة الحكم الشرعي في حق من زهق نفسه في جوف سيارة مفخخة، أو بحزام ناسف وهو يظن أنه من المنغمسين في صفوف الأعداء، ولو كان ذا عقل واع غير محجوب بالشبه، والأماني الكاذبة، وألقى بنظرة خاطفة على الذين من حوله لأدرك أنه محشو في وسط بني جلدته من الأبرياء العزل، وأن العدوّ الكافر والمقاتل للمسلمين الذي توهمه لا وجود له في الحقيقة؛ لا في بن عكنون ولا في حيدرة، وإنما هي أوهام وشبه وخيالات ألصقها رؤوس أهل الضلال في عقله فاستحلته إلى هباء فصار مطموس البصيرة، منكوس التصور، يرى الأمور بمنظار مختل وسوداء اللون، منظار مصادم للنقل والعقل والحسّ والله المستعان، فأقول:

إنّ نفس الإنسان ليست ملكًا له يا من وقعتم في عفن الفرق الضالة، وإنما هي ملك لخالقها وموجدها وبارئها جلّ جلاله، وهي أمانة عند صاحبها يا قوم، سيسأل عنها يوم القيامة، أحفظ عليها، وحفظها من الشرور، وقام بحقها وبتغذيتها بالنور الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أم ضيعها وظلمها بالكفر والشرك وكبيرة الانتحار؟.

ولهذا فلا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه بحجة الخلاص والتوبة، والفرار من العذاب، ولا أن يغرر بها في غير مصلحة شرعية واضحة من تفجيرها في وسط بني جلدته، وليس له أن يُضر بنفسه بعلة أنه يتصرف فيما يخصه ويملكه بقطع عضو من أعضاء جسمه، قال الله تعالى: [وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا] [النساء: 29 - 30].

فهذا نهيٌ للمؤمنين أن يقتل بعضهم بعضًا كما هو شأن المفجرين لأنفسهم في قلب أبناء الأمة، ونهيٌ للإنسان عن قتل نفسه، سواء كان ذلك بتعمد قتلها مباشرة، أو بفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك، ثم توعّد من يقتل نفسه أو نفس غيره بغير حق بأن يصليه نار جهنم وساءت مصيرًا.

قال القاسمي في تفسيره (5/1203): (فإنّ كل المؤمنين كنفس واحدة، والتعبير عنهم بالأنفس، للمبالغة في الزجر عن قتلهم، بتصويره بصورة ما لا يكاد يفعله عاقل).

قال القرطبي الجامع لأحكام القرآن (5/156 – 157)، وانظر نحوه في فتح القدير (1/ 457): (أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضًا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصدٍ منه للقتل: في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدّي إلى التلف... أو في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي).

وقد احتج بهذه الآية عمرو بن العاص رضي الله عنه حين أجنب ثم تيمم، وخشي إن اغتسل بالماء أن يهلك من شدة البرد، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على احتجاجه.

وقال تعالى: [وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] [لبقرة: 195].

والإلقاء: هو طرح الشيء، والمراد بالأيدي: الأنفس، عبّر بالبعض عن الكل، بناء على أن أكثر أفعال النفس بالأيدي، والتهلكة: مصدر من هلك يهلك هلاكًا وهُلْكًا وتهلكة، أي: لا توقعوا أنفسكم في الهلاك، ولا أرى هلاكا أشد من يفجر المرء نفسه في حشد من المسلمين بشبهة الانغماس في صفوف العدو الكافر والمقاتل.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي تفسيره (ص:88): (والإلقاء باليد إلى التهلكة، يرجع إلى أمرين: لترْك ما أمر به العبد، إذا كان تركه موجبًا أو مقاربًا لهلاك البدن أو الروح وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل في ذلك أمور كثيرة ومن ذلك: ترك الجهاد في سبيل الله، أو النفقة فيه الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة، أو سفر مخوف، أو محل مَسبَعة، أو حيات، أو يصعد شجرًا أو بنيانًا خطرًا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر، ونحو ذلك، فهذا ونحوه، ممن ألقى بيده إلى التهلكة...).

وذلك كترك الأكل أو الشرب والإضراب عن الطعام على طريقة أهل الجاهلية، أو ترك السعي لتحصيلهما مع القدرة على ذلك، حتى يدركه الموت بسبب الجوع أو العطش، وترك الجهاد السني في سبيل الله والإنفاق فيه، الموجب لتسلط الأعداء وقتلهم للمسلمين، أو تفجير الجسد في حشد من المسلمين بحجة الانغماس في صفوف العدو ورفع راية الجهاد المقدس!،

وإذا كان تركُ الجهاد الشرعي لا البدعي والنفقةِ فيه، هو سبب نزول هذه الآية، انظر في سبب نزولها: تفسير ابن كثير (1/331) ، والجامع لأحكام القرآن (2/ 361 – 363)، وفتح القدير (1/193)، فإنه قد قال الشوكاني رحمه الله: (والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا، فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري).

وجاءت السنة النبوية مؤكدة لما في القرآن، ومنذرة بالوعيد الشديد، والعذاب الأليم لمن قتل نفسه.

جاء في الصحيحين من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان فيمن كان قبلكم رجل به جُرح، فجزع، فأخذ سكينًا، فحزّ بها يده، فما رقأ الدمُ حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنة).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه كما في الصحيحين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدتُه في يده يتوجّأُ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًا، فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا).

وفي رواية للبخاري: (الذي يخنُقُ نفسه، يخنقها في النار، والذي يطعُن نفسه، يطعُنُها في النار).

قلت: ومن فجّر نفسه في سيارة مفخخة في حشد من المسلمين في ديار الإسلام يعذب بها في نار جهنم، ومن قتل نفسه بحزام متفجر يعذب به في نار جهنم والعياذ بالله تعالى من سخطه وعذابه.

وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما.

فالله أسأل أن يبصر أبناءنا بخطر الفرق الضالة على دينهم ودنياهم، وأن يرزقهم العقل الواعي الذي يفرقون به بين العدو الكافر والمقاتل، وبين جمع من المسلمين في الأسواق والمدارس ومكاتب الإدارة لا يملك أحدهم مقلم أظافر.

وكتبه/ أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري كان الله تعالى في عونه ونصرته.


خدمات المحتوى
    زيارات 2405


الشيخ عبدالحميد العربي الجزائري
تقييم
1.32/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري