في
الأحد 4 محرم 1439 / 24 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

20-ذو القعدة-1430 03:53 PM

لا للغلو والتطرف والتنطع الحلقة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

من أخيكم: أبي عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري



إن الحمد لله، نحمد لله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ من الله من شرور ‏أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا،من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا ‏هادي له.‏



وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ‏ورسوله.‏

أما بعد:‏



فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد‎‎‏ و شر ‏الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة،وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في ‏النار.‏



هذا ملخص كتاب نأمل أن يرى النور قريبا وعنونه(( صيحة سلفي ‏من علو في نقض قواعد الإرهاب والتطرف والغلو))‏



الحلقة الأولى وهي عبارة على أصول على صورة مختصرة: ‏



الأصل الأول: وسطية الإسلام:‏



وسطية الإسلام من أبرز خصائصه، وهي بالتبع من أبرز خصائص ‏أمة الاستجابة، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ‏شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ولهذا تجد الإسلام ‏يحذر



من المصير إلى أحد الانحرافين: الغلو أو التقصير يقول ‏تعالى(اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير ‏المغضوب عليهم ولا الضالين).‏



وهذه الوسطية التي تميز الإسلام عما سواه من الأديان هي (العدل) ‏فإن معنى قوله تعالى تعالى (أمة وسطا): أي عدولا خيارا كما قال ‏السلف.‏



فالعدل أساس الشهادة، والخيرية قد جاء التنصيص عليها في قوله ‏تعالى (كنت خير أمة أخرجت للناس) ‏



والسنة شاهدة على وسطية أمة الإسلام وشهادتها على الأمم، فعن ‏أبي سعيد الخدري‎‎‏(وهوسعد بن



مالك بن سنان الخدري الأنصاري ‏الخزرجي روى عن النبي 1170 حديثا) قال: قال رسول الله ‏‎‎‏



(يجُاء ‏بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول نعم يارب، فتُسأل أمته ‏هل بلغكم؟ فيقولون:



ماجاءنا من نذير، فيقول: (أي لنوح) من ‏شهودُك؟ فيقول: محمدٌ وأمتُه، فيُـجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول ‏الله‎‎‏ (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) رواه البخاري في صحيحه كتاب ‏التفسير.‏



والعدل يأتي في الغالب وسطا بين طرفين ذميمين، قال حذيفة بن ‏اليمان‎‎‏ (اتقوا الله يا معشر القراء،



خذوا طريق من كان قبلكم، والله ‏إنْ سُبقتم لقد سُبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ‏ ضللتم ضلالا بعيدا) رواه البخاري في صحيحه.‏



وقد كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي(م101هـ) ‏كتابا إلى عامل من عماله بعد أن أوصاه بلزوم طريق السلف: (ما ‏دونهم من مُقصر، وما فوقهم من مُحسر، لقد قصّر دونهم أقوام ‏ فجفوا، وطمع عنهم قوم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى ‏مستقيم) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح. قال العظيم آبادي في شرح ‏الحديث(إن السلف الصالحين قد حبسوا أنفسهم عن كشف ما لم يحتج ‏إلى كشفه من أمر الدين حبسا لا مزيد عليه، وكذلك كشفوا ما احتيج ‏إلى كشفه من أمر الدين كشفا لا مزيد عليه). وهذا الأصل هو المقرر ‏عند العلماء فقد قال ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين (2/496): ‏‏(مَا أمر اللهُ بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، ‏وإما إلى إفراطٍ وغُلوٍ، ودينُ الله وسطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه، ‏كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ‏ذميمين، كما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا ‏بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد).‏



الأصل الثاني: يسرُ الإسلام وسماحتُه:‏



إنّ من الحكم العظيمة التي بعث بها النبي‎‎رفعَ الإصرِ والأغلالِ ‏الوقعةِ بالأمم مَن قبلنا يقول تعالى(الذين يتبعون الرسول النبي الأميَ ‏الذي يجدونَـه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ‏وينهاهم عن المنكر ويُحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ‏عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ‏ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ‏المفلحون).



[الأعراف157]. ‏



الحرج ليس من مقاصد الشريعة: قال تعالى( وما جعلنا عليكم في ‏الدين من حرج) [الحج78] وقال تعالى( يريد الله بكم اليسر ولا يريد ‏بكم العسر)[البقرة185].‏



وعن أبي هريرة‎‎قال: قال رسول الله‎‎‏(إن هذا الدين يسرٌ، ولن ‏يشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه) رواه البخاري.‏



وعن ابن عباس‎‎قال: قال رسول الله‎‎‏(أحبُ الدين إلى الله الحنفيةُ ‏السمحة) أخرجه البخاري تعليقا في صحيحه وأوصله في الأدب ‏المفرد.‏



عن جابر بن عبد الله‎‎أن رسول الله‎‎‏ قال:إن الله لم يبعثني معنتا ولا ‏متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا)رواه مسلم في صحيحه.‏



وعن عائشة‎‎أن رسول الله‎‎قال:(إنّ الرفق لا يكون في شيء إلا ‏زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه).رواه مسلم.‏



وقال عليه الصلاة والسلام:(إنّ الله رفيق يحب الرفق، ويُعطي على ‏الرفق ما لا يعطي على العنف)روه مسلم.‏



وكان رسول الله‎‎يأمر دعاتَه ورسلَه باليُسر والتَيسِيرِ فقد قال عليه ‏الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري الخزرجي ولأبي ‏موسى الأشعري عبد الله بن قيس لما بعثهما إلى اليمن: (يسرا ولا ‏ تعسرا وبشّرا ولا تنفّرا) رواه البخاري. وهذا التسير جار على وفق ‏الشرع والعدل لا على وفق الأهواء، وإرضاء الخلق بمخالفة الشرع.‏



معنى الغلو:‏



إن العلمَ بحقائقَ الأشياء، والوعيَ بمفاهيمِها يُعدُ مدخلا أساسيا ‏لتضييق دائرة الخلاف، إذ ما تكاد تجد خلافا إلا ومن ورائه اختلاف، ‏أو سوء فهم بحقيقة الأمر المختلف فيه.‏



قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع ‏الفتاوى(12/144):(إن كثيرا من نزاع الناس سببُه ألفاظ مجملة ‏ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان، ويتعاديان على إطلاق ‏ألفاظٍ ونفيـِها، ولو سُئل كلٌ منهما عن معنى ما قاله لم يتصورْه، فضلا ‏أن يعرف دليله). ‏



فالحكم على المقالات والأفراد والطوائف بصدق عائد إلى صحة ‏التصور، وقد قيل: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.‏



المرجع في بيان معاني الألفاظ الشرعية:‏



إن مصدر العلم بمعنى حكم الشارع على الألفاظ يعود إلى أمرين:‏



1ـ اللغة التي خاطب الشارع بها المكلفين.‏



2ـ مقصود الشارع من الألفاظ.‏



قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى(7/116):( فمعرفةُ ‏العربية التي خطبنا بها، مما يعينُ



على أن نفقَه مُرادَ الله ورسولِه ‏بكلامه، وكذلك معرفةُ دلالةِ الألفاظ على المعاني، فإنَّ عامةَ ضَلالِ ‏أهل



البدع كان بهذا السبب، فإنهم صاروا يُحملون كلام الله ورسوله ‏على ما يدعون أنه دالٌ عليه ولا يكون



الأمر كذلك).‏



وإدراك مراد الشارع بالخطاب يكون بمعرفة عادته في الخطاب، وبجمع ‏النصوص والنظر فيها كما



يقول علماء الشريعة. قال شيخ الإسلام ‏رحمه الله في مجموع الفتاوى(7/115):( ينبغي أن يُقصد إذا



ذُكر ‏اللفظ من القرآن أوالحديث أن يَذكر نظائر ذلك اللفظ، ماذا عنى الله ‏ورسوله فيعرف بذلك لغة



القرآن والحديث).‏



إن الألفاظ والمصطلحات التي وقع فيها الخلاف (مثل الغلو ‏والإرهاب) لابد فيها من الرجوع إلى



معيار ثابت، إذ لو وُكلت ‏القضيةُ إلى عقول البشر لأصبحت نسبية بحسب اختلاف أهوائهم، ‏



ومشاربهم، وانتماءاتهم، وإتباع الهوى يفضي إلى اختلاف عير متناه، ‏وفساد غير منقض:‏



الغلو لغة



تدور الأحرفُ الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتُها على معنى واحد، يدل ‏على مجاوزة الحد والقدر، قال



ابن فارس في معجم مقاييس اللغة مادة ‏غلوى: (الغين والام والحرف المعتل أصل صحيح يدل على



ارتفاع ‏ومجاوزة قدرٍ. نقول غلا في الدين غلوا تشدد وتصلب حتى جاوز ‏الحد كما قال الزبيدي في



تاج العروس.‏



التطرف لغة:‏



إن المتتبع لهذه الكلمة في قواميس اللغة يجدها تدور على معنيين:‏



1- حد الشيء، 2-الحركة في بعض الأعضاء.‏



والذي يهمنا هو المعنى الأول وهو من تجاوز حد الاعتدال ولم ‏يتوسط.‏



التنطع:‏



تدور أحرف هذه الكلمة على معنى البسط والملامسة.‏



قال ابن فارس: (النون والطاء والعين أصلٌ يدل على بسطٍ في الشيء ‏وملامسة، ومنه النِّطع والنَّطع



وهو مبسوط أملس). وأصل التنطع ‏التعمق في الكلام، مأخوذ من النَطْع وهو الغار الأعلى في الفم



الذي ‏يظهر عندما يتعمق الإنسان ويتشدق.‏



العنف:‏



( العين والنون والفاء أصل صحيح يدل على خلاف الرفق)، يقال ‏اعتنف الأمر أخذه بشدة، والعنيف



الشديد من القول والفعل، ويُقال ‏عَنُف عُنفا فهو عنيف، ومنه يسمى من ليس له رفق بركوب الخيل ‏



عنيف.‏





الخُلاصة:‏



وبالنظر إلى هذه الألفاظ نجد تقاربا بين لفظي الغلو والتطرف، فهما ‏بمعنى واحد، وأما الألفاظ



الباقية، التنطع، التشدد، العنف فهي بمثابة ‏أوصاف ومظاهر للغلو.‏



-فالغالي يتسم في أخذه للدين بالشدة.‏



-ويتسم في معاملة الآخرين بالعنف.‏



-ويتسم بالتنطع والتعمق في أفعال الدين.‏



معنى الغلو في الكتاب والسنة.‏



الأمر بالاستقامة والنهي عن الغلو.‏



إن من الحقائق التي تظهر لكل من تتبع تاريخ دعوات الرسل عليهم ‏الصلاة والسلام، أن الأمم تتفاوت



في مقدار الاستجابة، وتتفاوت ‏درجات المدعوين في سلوك طريق الحق.‏



-فمن الناس المتمسك بالحق، المستقيم عليه.‏



-ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحدود الله.‏



-ومنهم الغلي الذي تجاوز حدود الله.‏



أ-قال تعالى(فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنّه بما ‏تعملون بصير)، فالله تعالى يأمر



بالاستقامة وهي الاعتدال، والمضي ‏على منهج السلف دون انحراف أو غلو.‏



ب-قال تعالى (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله ‏فأولئك هم الظالمون).‏



والحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة، المأمور بها ‏وغير المأمور بها، وتعديها هو



تجاوزها وعدم الوقوف عليها.‏



ت-النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه ‏الخصوص قال تعالى(يا أهل الكتاب لا



تغلوا في دينكم، ولا تقول ‏على الله إلا الحق). وقال تعالى(قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ‏غيرَ



الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبلُ وأضلوا كثيرا ‏وضلوا عن سواء السبيل). أي يا أهل



الإنجيل لا تغلوا في دينكم ‏فتتجاوزوا الحق، والغلو في النصارى كثير فإنهم غلوا في عيسى فنقلوه ‏



من حيز النبوة إلى حيز الألوهية.‏



ومن ذلك غلوهم بابتداع رهبانية تعبدوا الله بها، وهي لم تكتب ‏عليهم، ولم يؤمر بها قال تعالى( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ‏إلا ابتغاء رضوان الله) قال ابن تيمية رحمه الله في الاقتضاء ‏‏ (1/189)(والنصارى أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر ‏الطوائف وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن).‏



ما جاء في السنة في النهي عن الغلو:‏



عن ابن عباس‎‎قال: قال رسول الله‎‎غداة جمع( هلم اِلْقِطْ لي ‏الحصى) فلقت له حصيات من حصى



الخذف، فلما وضعهن في يده، ‏قال رسول الله‎‎‏(نَعَمْ، بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنما ‏ أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين).‏



عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله‎‎‏(هلك المتنطعون) قالها ‏ثلاثا. رواه مسلم.‏ قال النووي رحمه الله:(أي المتعمقون، المغالون، المجاوزون الحدود في ‏أقوالهم وأفعالهم).‏



عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ‏‎‎قال( إن هذا الدين يسر ولن ‏يشاد الدين أحد إلا غلبه،



فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة ‏والروحة وشيء من الدلجة[ وفي لفظ] والقصد القصد تبلغوا) رواه ‏البخاري. قال الحافظ ابن حجر: (والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال ‏الدينية، ويترك الرفق، وإلا عجز وانقطع فيُغلب)، والحل من الوقوع ‏في الغلو جاء الإرشاد على المقاربة قال ابن



رجب:( والتسديد العمل ‏بالسداد، وهو القصد والتوسط في العبادة، فلا يقصر فيما أُمر به، ولا ‏يتحمل منها ما لايطيقه).‏



أنواع الغلو:‏



إن الغلو ليس نوعا واحدا بل يتنوع باختلاف متعلقه من أفعال العباد، ‏فهو على نوعين: 1-اعتقادي، 2



-عملي.‏



النوع الأول:الغلو الكلي الإعتقادي.‏



والمراد بالغلو الكلي ما كان متعلقا بكليات الشريعة الإسلامية، ‏وأمهات المسائل، والمراد بالإعتقادي



ما كان متعلقا بباب العقائد، فهو ‏محصور في الجانب العقدي الذي يكون منتجا للعمل بالجوارح.



وأمثلة ‏هذا النوع كثيرة منها: الغلو في الأئمة وادعاء العصمة لهم، أوالغلو في ‏البراءة من المجتمع



العاصي، وتكفير أفراده واعتزالهم.‏



الغلو الكلي الاعتقادي أشدُ خطرا، وأعظمُ ضررا من الغلو العملي، ‏لأنه يؤدي إلى الانشقاقات



والتناحر، وهو المظهر للفرق والجماعات ‏الخارجة عن الصراط المستقيم،



يقول الشاطبي المالكي في الاعتصام(2/200):(ذلك أنّ هذه الفرق ‏إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة



الناجية في معنى كل في الدين، وقاعدة ‏من قواعد الشريعة، لا في جزء من الجزئيات، إذ الجزئي أو



الفرع ‏الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا، وإنما ينشأ التفرق ‏عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية.‏



الفرق بين الغلو الكلي الاعتقادي والغلو العملي:‏



1-منطوق النصوص حيث وردت في الغلو الكلي الاعتقادي، ‏وتنصيصها عن الفرقة، أو الجماعة.



قال رسول الله: (إن من ضئضىء ‏هذا قوما)‏



2- الغلو الكلي الاعتقادي عام الضر على الأمة، بينما الغلو الجزئي ‏العملي محصور في الغالي.‏



3-الغلو الكلي الاعتقادي مطرد الضرر، بينما الغلو الجزئي العملي ‏ضرره نسبي، فقد يكون مؤثرا



على الفرد فيعد غلوا في حقه، وغير ‏مؤثر على الآخر فلا يعد غلوا.‏



أوصاف الواقع في الغلو الكلي العقدي:‏



أخرج البخاري (9/21)من حديث أبي سعيد الخدري في قصة ‏الرجل الذي اعترض على قسمة النبي



صلى لله عليه وسلم فقال النبي ‏في حق هذا الرجل المعترض(إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون



القرآن ‏لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان).‏



تضمن الحديث وصفين للغلو الاعتقادي الكلي.‏



الوصف الأول: عدم فهم القرآن؛ أي أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة ‏القرآن، وإقرائه وهم لا يتفقهون



فيه، ولا يعرفون مقاصده.‏



قال النووي رحمه الله: (المراد ليس لهم فيه حظ إلا المرور على ‏لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم فضلا



أن يصل إلى قلوبهم، لأن ‏المطلوب تعلقه وتدبره بوقوعه في القلب).‏



قال تعالى(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها).‏



وعدم فهمهم لقرآن الكريم يجعلهم يأخذون آيات نزلت في الكفار ‏فيحملونها على المسلمين، قال ابن



عمر رضي الله عنه في ‏الخوارج:(إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في ‏المؤمنين).



ومن سوء فهم الخوارج واستشهادهم بالمتشابه اعتراضهم ‏على علي رضي الله عنه في مسألة



التحكيم بقولهم(إن الحكم إلا لله). ‏فكان رد علي عليهم كما في صحيح مسلم كتاب الزكاة باب ‏التحريض



على قتال الخوارج(كلمة حق أريد بها باطل).‏



قال الحافظ ابن حجر في الفتح(6/619): (وكان أول كلمة خرجوا ‏بها قولهم: لا حكم إلا لله، انتزعوها



من القرآن وحملوها على غير ‏محملها).‏



ويؤدي بهم هذا القصور في فهم القرآن إلى الخروج عن السنة، وجعل ‏ما ليس بسيئة سيئة، وما ليس



بحسنة حسنة. قال ابن تيمية (19/72): ‏‏(وهذا القدر-أي تحسين القبيح، وتقبيح الحسن- قد يقع فيه



بعض ‏أهل العلم خطأ في بعض المسائل، ولكن أهل البدع يخالفون السنة ‏الظاهرة المعلومة).‏



الوصف الثاني:التكفير واستحلال الدماء.‏



لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(يقتلون أهل الإسلام ويدعون ‏أهل الأوثان). وهذا بناء على تكفير



المسلمين الذي يكاد يكون ‏وصفا مشتركا بين الابتداع والغلو.‏



قال شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع(19/73):(الفرق الثاني في ‏الخوارج وأهل البدع: أنهم



يكفرون بالذنب والسيئات، ويترتب على ‏تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار



الإسلام ‏دار كفر، ودارهم هي دار الإيمان..).‏



قال أبو قِلابة عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي: ما ابتدع رجل بدعة ‏إلا استحل السيف). وكان أيوب



بن أبي تميمة السختياني البصري أبو ‏بكر يقول: (إن الخوارج اختلفوا في الاسم، واجتمعوا على السيف) ‏رواه الدارمي.‏



إذا الغلاة في القواعد الكلية العقدية يجمعون بين الجهل والظلم.‏



يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الرد على ‏البكري(2/255): ( طريقة أهل البدع يجمعون



بين الجهل والظلم، ‏فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفِّرون من ‏خالفهم في بدعتهم).‏



النوع الثاني: الغلو الجزئي العملي.‏



والمراد بالجزئي ما كان متعلقا بجزئية أو أكثر من جزئيا الشريعة ‏الإسلامية. والمراد بالعملي ما كان



متعلقا بباب العمليات فهو محصور ‏في جانب الفعل، سواء أكان قولا باللسان، أم عملا بالجوارح. ‏



والعملي هنا ليس نتاج عقيدة فاسدة.‏



مثال على الغلو الجزئي العملي:‏



1-عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:( جاء ثلاثةُ رهط إلى بيوت ‏أزواج النبي صلى الله عليه وسلم



يسألون عن عبادته فلما أُخبروا ‏كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ‏



فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم:أما أنا ‏فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: أنا



أصوم الدهر ولا أُفطِر. وقال ‏الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء الرسول صلى الله عليه ‏



وسلم فقال: إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، ‏وأصلي وأَرقُد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). رواه ‏البخاري



2-وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:(دخل رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم المسجد فإذا حبلٌ ممدودٌ بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ ‏قالوا: هذا حبلٌ لزينب-بنت جُحش الأسدية أم المؤمنين كانت زوجة ‏زيد بن حارثة وطلقها زيد وتزوجها النبي توفيت سنة 20هـ ‏روت11حديثا- فإذا فترت تعلقت بهن فقال: النبي صلى الله عليه ‏وسلم: حُلُوه، ليُصلِ أحدُكم نشاطَه، فإذا فتر فاليَرقُد) رواه البخاري ‏



كتاب التهجد.‏



3-عن ابن عباس رضي الله عنه قال:( بينما كان النبي صلى الله عليه ‏وسلم يخطب إذا هو برجل قائم



فسأل عنه فقالوا أبو اسرئيل، نذر أن ‏يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصومن



فقال ‏رسول الله :(مُرُوه فليتكلم، ولِيستظل، وليقعد، وليتم صومه) روه ‏البخاري كتاب النذور.‏



عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏دخل وعندها امرأة قال: من



هذه؟. قالت: فلانة تذكر من صلاتها، ‏قال: مه عليكم بما تطقون، فوالله لا يمل الله حتى تمل) قالت



عائشة: ‏وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) أخرجه البخاري كتاب ‏الإيمان.‏



وكتبه: أبوعبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري،


خدمات المحتوى
    زيارات 1948


الشيخ عبدالحميد العربي الجزائري
تقييم
1.13/10 (5 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري