في
الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

20-ذو القعدة-1430 08:44 AM

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
فإني أشكر الله عز وجل على ما من به من هذا اللقاء بإخوة في الله وأبناء أعزاء، وأسأله عز وجل أن يجعله لقاءً مباركا وأن ينفعنا به جميعاً وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا إنه جل وعلا جواد كريم. ثم أشكر القائمين على هذا المركز على دعوتهم لي إلى هذا اللقاء، وأسأل الله سبحانه أن يضاعف مثوبتهم وأن يجعلنا وإياكم وإياهم من الهداة المهتدين، إنه خير مسئول.
وكلمتي أرجو أن تكون موجزة بعنوان: واجب الشباب.
فمن المعلوم أن الله عز وجل خلق الثقلين ليعبدوه وحده لا شريك له، وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام لدعوة الناس إلى هذا الواجب وتوضيح هذا الأمر العظيم وتبصيرهم في ذلك وتوجيههم إلى الخير وتحذيرهم عما سواه، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[1]، فأبان سبحانه وتعالى أنه خلق الثقلين ليعبدوه وحده لا شريك له، وأن الرزق عليه سبحانه وتعالى وليس في حاجة إلى أحد من خلقه جل وعلا، بل هو الرزاق سبحانه وتعالى، وإنما خلقوا ليعبدوا ربهم، وعبادته تعظيمه والخضوع له سبحانه وتعالى والذل له بفعل أوامره وترك نواهيه عن محبة خاصة وعن صدق وإخلاص وعن رغبة ورهبة، هكذا تكون العبادة، هي طاعة الرب عز وجل وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بفعل الأوامر وترك النواهي عن ذل وخضوع ومحبة لله عز وجل ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وعن رغبة فيما عند الله من الثواب وعن حذر مما عنده من العقاب جل وعلا.
وهذه العبادة إنما تعرف بالتفصيل من طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين يشرحونها للناس ويبينونها بما أنزل الله عليهم من الكتاب وبما يوحي إليهم سبحانه من أنواع الوحي فيما يأمرهم وينهاهم عنه سبحانه وتعالى كما قال عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[2] الآية، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[3]، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[4]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ}[5]، فالواجب على جميع الثقلين من الجن والإنس رجالا ونساء شيبا وشبانا أن يعبدوه وحده بطاعته سبحانه فيما أمر به وترك ما نهى عنه على حسب ما جاء به الرسل عليهم الصلاة والسلام. ومعلوم أن نصيب هذه الأمة من الرسل عليهم الصلاة والسلام محمد عليه الصلاة السلام فإن الله أرسله إلى هذه الأمة عامة وجعله خاتم الأنبياء وكانت الرسل قبله كثيرين وكان كل واحد منهم يرسل إلى قومه خاصة، أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى الناس عامة كما قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}[6] وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}[7]، وقال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}[8]، وتواتر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، وأجمع أهل العلم على أنه خاتم الأنبياء والرسل، وأنه ليس بعده نبي ولا رسول. ولهذا جعل الله رسالته عامة لجميع الأمة عربها وعجمها وجنها وإنسها ذكورها وإناثها أسودها وأبيضها وأحمرها لا فرق في ذلك كما تقدم في قوله عز وجل: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}[9] وفي قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}[10] وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[11]، وقال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}[12] نذير للعالمين كلهم. فالواجب على جميع الثقلين طاعة هذا الرسول عليه السلام والسير على منهاجه والاستقامة على طريقه قولا وعملا وعقيدة ومحبته محبة خاصة صادقة فوق محبة النفس والأهل والأولاد والناس أجمعين، فبذلك يفلح العبد غاية الفلاح وينجو في الدنيا والآخرة، وتكون له السعادة والعاقبة الحميدة الأبدية كما قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[13]، فمن آمن به واتبع طريقه وانقاد لشرعه فهو المفلح وهو السعيد في الدنيا والآخرة، وهو الصادق حقا في محبته لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم كما قال عز وجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}[14] الآية. وقال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}[15]، وقال عليه السلام: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)) قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: ((من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)) خرجه الإمام البخاري في صحيحه. فالواجب على جميع المكلفين من الرجال والنساء والذكور والإناث والشباب والشيب والجن والإنس والعرب والعجم أن يعبدوا الله وحده ويخصوه بأنواع العبادة، وأن يطيعوه سبحانه وتعالى، ويتبعوا شريعته وذلك بإخلاص العبادة له وحده واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك. والعبادة حق الله وحده ليس لأحد فيها شركة كما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[16]، وقال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ}[17]، وقال عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}[18] الآية وهذه العبادة هي طاعته واتباع شريعته وتعظيم أمره ونهيه وترك ما نهى عنه عن ذل وخضوع وعن محبة وانقياد وصدق ورهبة ورغبة. ومن عبد غيره معه فقد أشرك به سبحانه كمن يعبد الشمس أو القمر أو النجوم أو الأصنام أو الجن أو الرسل أو الأنبياء أو الأولياء أو غيرهم من المخلوقين يدعوهم أو يستغيث بهم أو يطلب المدد منهم أو يذبح لهم أو يعتقد فيهم أنهم يتصرفون في الخلق بالنفع أو الضر أو شفاء المرض أو جلب الرزق أو النصر على الأعداء أو نحو ذلك، أو أنهم شركاء لله في ذلك وهذا كله من الشرك الأكبر والكفر البواح الذي يفسد العمل ويحبطه ويوجب دخول النار وتحريم الجنة والمغفرة، كما قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}[19]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[20]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[21]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}[22] فالشرك هو صرف بعض العبادة لغير الله عز وجل؛ جعل بعضها لله وبعضها لغيره سبحانه وتعالى من الجن أو الإنس أو الملائكة أو الأصنام أو الأشجار أو الكواكب أو الأحجار أو غير ذلك من الخلق يستغيث بهم أو ينذر لهم أو يذبح لهم أو يطلب منهم المدد أو نحو ذلك. فمن فعل ذلك فقد أشرك بالله وعبد معه سواه وأبطل بذلك شهادته أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ لأن لا إله إلا الله هي كلمة التوحيد وهي أساس الدين قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}[23]، وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}[24] الآية. فمن أشرك مع الله غيره نقض هذه الكلمة؛ لأن معناها: لا معبود حق إلا الله، كما قال تعالى في سورة الحج: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَالْبَاطِلُ}[25]، ومن زعم أنه يجوز أن يدعى مع الله غيره ويعبد مع الله سواه من صنم أو شجر أو حجر أو نبي أو ملك أو جني أو غير ذلك فقد أشرك بالله وكفر وأعظم على الله الفرية، وإن لم يفعله ما دام يعتقد جواز هذا وأنه لا بأس به، وصار بهذا مشركاً كافراً ولو لم يفعله فكيف إذا فعل. وهكذا من جحد ما أوجب الله عليه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة يكون كافراً مشركاً؛ كمن جحد وجوب الصلاة أو الزكاة أو جحد وجوب صوم رمضان أو جحد وجوب الحج مع الاستطاعة أو جحد تحريم الزنا أو قال: إن الخمر ليس بحرام أو أحل اللواط أو الربا أو عقوق الوالدين أو ما أشبه ذلك مما هو معروف من الدين بالضرورة وجوبه أو تحريمه فإنه يصير بذلك مشركا كافرا مبطلا بذلك قوله لا إله إلا الله؛ لأن دين الله يتضمن إخلاص العبادة لله وحده والإيمان بما شرع الله من واجبات ومحرمات، فعلى المسلم أن ينقاد لذلك ويؤمن به ويستقيم عليه. والشباب لهم شأن؛ لأنهم عصب الأمة وقوتها بعد الله، ويرجى فيهم الخير العظيم والنصر لدين الله في مستقبل الزمان إذا استقاموا وتثقفوا في الدين كما يرجى فيهم النفع للأمة والرفع من شأنها وإعلاء دين الله وجهاد أعدائه. وعلى الشباب واجب كبير في نصر الحق وأهله ومكافحة الباطل والدعاة إليه. فالواجب على كل شاب مكلف أنه يهتم بدينه وأن يعتني به وأن يتفقه فيه من طريق الكتاب والسنة بواسطة العلماء المعروفين بالعلم والفضل وحسن العقيدة حتى يستقيم على دينه على بصيرة ويدعو إليه على بصيرة وحتى يدع ما حرم الله عليه على بصيرة. وطريق ذلك العناية بالقرآن الكريم حفظا وتدبرا وتعقلا والإكثار من تلاوته؛ لأنه صراط الله المستقيم وحبله المتين وذكره الحكيم ولأنه الهادي إلى كل الخير كما قال سبحانه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[26]، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}[27]، وقال جل وعلا: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[28]، وعلى الشباب أيضا وغيرهم من المسلمين أن يعتنوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أحاديثه وسيرته ويتفقهوا فيها ويحفظوا ما تيسر منها ويدعوا الناس إلى ذلك؛ لأنها الوحي الثاني والأصل الثاني من أصول الشريعة بإجماع أهل العلم كما قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}[29]، وقال سبحانه: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}[30]، وقال عز وجل معظما شأن الكتاب والسنة في آخر سورة الشورى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}[31]، فأخبر سبحانه في هذه الآية الكريمة أن القرآن والسنة روح تحصل به الحياة للعباد ونور تحصل به الهداية لمن شاء الله منهم.
فجدير بأهل العلم من الشباب وغيرهم أن يعضوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالنواجذ وأن يتفقهوا فيهما وأن يهتدوا بهما إلى صراط الله المستقيم الموصل إليه وإلى دار كرامته وجنته وأن يسيروا على ذلك في المدارس والجامعات وفي الحلقات العلمية وغير ذلك من مجالس العلم مع سؤال علماء الحق عما أشكل عليهم في الأحكام، كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[32]، وعلى الشباب أن يعتنوا بالكتب التي يوكل إليهم حفظها ودراستها مع عرضها على الكتاب والسنة حتى يكونوا في ذلك على بينة وبصيرة مما يدل عليه كتاب ربهم عز وجل وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، ومما يوضح لهم أهل العلم في المدرسة والجامعة وحلقات العلم ولا يتم هذا إلا بالله سبحانه وتعالى والاستعانة به والتوجه إليه وسؤاله التوفيق والهداية ثم حفظ الوقت والعناية به حتى لا يصرف إلا فيما ينفع ويفيد ويلتحق بذلك العناية بالدروس والإقبال عليها وسؤال الأساتذة عما يشكل فيها والمذاكرة مع الزملاء في ذلك حتى يكون الطالب قد حفظ وقته واستعد لما يقوله الأستاذ ويشرح له ولا يجوز له أن يتكبر عن المذاكرة مع زميله والسؤال لأستاذه كما لا ينبغي أن يستحي في طلب العلم والسؤال عن المشكلات، قال الله تعالى في سورة الأحزاب: {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}[33]، وقالت أم سليم الأنصارية رضي الله عنها: يا رسول الله: إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعم إذا هي رأت الماء)) متفق عليه. والمراد بالماء المني، وقال مجاهد بن جبر التابعي الجليل: (لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر) رواه البخاري في صحيحه معلقا مجزوما به. ومن الواجب على الشباب وغيرهم العمل بالعلم وذلك بأداء الواجبات والحذر من المحرمات؛ لأن هذا هو المقصود من العلم ومن أسباب رسوخه وثباته في القلوب ومن أسباب رضاء الله عن العبد وتوفيقه له. ومن المصائب العظيمة أن بعض الناس يتعلم ولكنه لا يعمل، ولا شك أن ذلك مصيبة كبيرة وتشبه بأعداء الله اليهود وأمثالهم من علماء السوء الذين غضب الله عليهم بسبب عدم عملهم بعلمهم.
يقول بعض السلف رضي الله عنهم: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)، ويدل على هذا قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}[34] وقوله عز وجل: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى}[35] فمن اهتدى زاده الله هدى وزاده علما وتوفيقا.
قال تعالى في أعظم سورة وهي سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[36]، وهم أهل العلم والعمل من الرسل وأتباعهم بإحسان. فالمنعم عليهم هم الذين عرفوا الله وعملوا بطاعته وشرعه وتفقهوا في الدين واستقاموا عليه كما قال الله جل وعلا: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}[37]، هؤلاء هم المنعم عليهم وهم أهل الصراط المستقيم وهم أهل العلم والعمل وأهل البصيرة. ثم حذر سبحانه من المغضوب عليهم والضالين، فقال سبحانه: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فالمغضوب عليهم هم الذين يعلمون ولا يعملون كاليهود وأشباههم والضالين هم النصارى وأشباههم من الجهلة يتعبدون على الجهالة. فالمؤمن يسأل ربه أن يهديه صراط المنعم عليهم من أهل العلم والعمل وأن يجنبه طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين.
فالواجب على الشباب بصفة خاصة وعلى كل مسلم بصفة عامة أن يعتني بهذا الأمر ويكون في دراسته حريصا على العلم والفقه في الدين والعمل بذلك حافظا لوقته معتنيا بالمذاكرة والدراسة والسؤال عما أشكل عليه ناصحا لله ولعباده، يقول صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) متفق على صحته.
فالشاب الناشئ في العبادة له شأن عظيم في فقهه وعلمه ونصحه لكونه قد تربى على العلم والفضل والعمل والعبادة والخير فيكون بذلك نافعا لنفسه نافعا لعباد الله من أساس شبابه حتى يلقى ربه.
ومن أهم الأمور بل أهم الأمور بعد الشهادتين: الصلوات الخمس والمحافظة عليها، وهي عماد الدين (من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع). ووصيتي لكم أيها الأخوة المستمعون ولنفسي ولجميع الشباب ولكل مسلم تقوى الله في كل شيء والعناية بوجه خاص بالصلاة والمحافظة عليها في وقتها في الجماعة في المساجد مع المسلمين، وهذا من أهم واجبات الشباب وواجب كل مسلم ومسلمة، فالصلاة هي عمود الإسلام (من حفظها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع) كما تقدم، وهي أول شيء يسأل عنه العبد يوم القيامة، فإن صحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر.
يقول صلى الله عليه وسلم: ((رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت))، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))، ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)) وهكذا تجب العناية بأداء الزكاة لمن عنده مال يبلغ النصاب. وهكذا تجب العناية بصوم رمضان في وقته والحفاظ على ذلك. وكذلك يجب حج بيت الله الحرام مع الاستطاعة مرة في العمر. ومن الواجبات العظيمة: بر الوالدين والإحسان إليهما، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، وصدق الحديث، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء الأمانة، والنصح لكل مسلم، مع الحذر من جميع ما حرم الله مثل: الزنا والسرقة وشرب المسكر وأكل الربا وسائر ما حرم الله من الغيبة وشهادة الزور والكذب وغير هذا مما حرم الله. فالواجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من ذلك.
ومن واجب الشباب بصفة خاصة أن ينشئوا على ذلك وأن يوطنوا أنفسهم على الخير وأن يجاهدوها في هذا المقام حتى يؤدوا ما أوجب الله وحتى يبتعدوا عما حرم الله عليهم، ومن ذلك الحذر من المخدرات وسائر المسكرات فإن شرها عظيم وفسادها كبير. فيجب البعد عنها والحذر من مجالسة أهلها؛ لأن المجالسة تجر إلى أخلاق الجليس.
فالواجب صحبة الأخيار والحذر من صحبة الأشرار. وهكذا العناية ببر الوالدين والإحسان إليهما وعدم عقوقهما فإن حقهما عظيم. ومن الأخلاق الكريمة العناية بالزميل والإخوان وعدم التكبر عليهم والعناية بالجار والإحسان إليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى أوصى بذلك، وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ}[38] الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) إلى غير ذلك من أخلاق المؤمنين. قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) ومن الأخلاق الكريمة العظيمة العناية بطاعة الله ورسوله في جميع الأوقات والمحافظة على ذلك والحفاظ على الوقت وأن يأمر بطاعة الله وترك ما نهى عنه والعناية بالأخلاق الكريمة من بر للوالدين وصلة الرحم وإيثار للمسلم وعدم الغيبة والنميمة والحرص على حفظ اللسان عما لا ينبغي، والإكثار من ذكر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والتحذير من الشر.
وهكذا المؤمن وهكذا الشاب المتعلم يجب أن يعود نفسه هذه الأخلاق الكريمة، ويجب أن يتعود البعد عما حرمه الله والحذر عما حرم الله، فإن العبد متى نشأ على شيء في الغالب يشيب عليه ويموت عليه. في سنة الله على عباده أنه سبحانه إذا وفق العبد في شبابه إلى الخير والاستقامة فإن الله سبحانه يوفقه للثبات عليه والوفاة عليه. فليحرص المؤمن والشاب الصالح على الثبات على الحق والسير عليه ومصاحبة الأخيار الذين يعينونه على الخير والحذر من صحبة الأشرار والزملاء الذين يعينونه على الشر. وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يسلك بنا جميعا صراطه المستقيم، وأن يعيذنا وإياكم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يمنحنا جميعا الفقه في دينه والثبات عليه والدعوة إليه على بصيرة إنه جل وعلا جواد كريم، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا إلى كل خير وأن ينصر بهم دينه ويعلي بهم كلمته وأن ييسر لهم البطانة الصالحة وأن يجعلهم هداة مهتدين.
كما أسأله سبحانه أن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين وأن يعينهم على تنفيذ الحق والحكم به والحذر ممن يخالفه، وأن يصلح الله لهم البطانة وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباده، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يولي عليهم خيارهم، وأن يفقههم في الدين، وأن يكثر بينهم دعاة الهدى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] سورة الذاريات الآيات 56-58.
[2] سورة الحديد الآية 25.
[3] سورة النحل الآية 89.
[4] سورة النحل الآية 36.
[5] سورة الأنبياء الآية 25.
[6] سورة سبأ الآية 28.
[7] سورة الأعراف الآية 158.
[8] سورة الأحزاب الآية 40.
[9] سورة الأعراف الآية 158.
[10] سورة سبأ الآية 28.
[11] سورة الأنبياء الآية 107.
[12] سورة الفرقان الآية 1.
[13] سورة الأعراف من الآية 157.
[14] سورة آل عمران من الآية 31.
[15] سورة النساء الآيتان 13-14.
[16] سورة الفاتحة الآية 5.
[17] سورة الإسراء الآية 23.
[18] سورة البينة الآية 5.
[19] سورة المائدة الآية 72.
[20] سورة الأنعام الآية 88.
[21] سورة الزمر الآية 65.
[22] سورة النساء الآية 48.
[23] سورة البقرة الآية 163.
[24] سورة محمد من الآية 19.
[25] سورة الحج من الآية 62.
[26] سورة الإسراء من الآية 9.
[27] سورة فصلت من الآية 133.
[28] سورة ص
نشر بتاريخ 17-10-2009


خدمات المحتوى
    زيارات 1881


فضيلة الشيخ / عبدالعزيز بن باز رحمه الله
تقييم
1.00/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري