في
الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

20-ذو القعدة-1430 08:29 AM

ولا يسعني في نهايتها – بعد شكر الله والثناء عليه بما هو أهله – إلا أن أسدي نصيحة خالصة ، صادقة إن شاء الله لعامة المسلمين وشبابهم بخاصة ، وبصفة أخص أهل هذه البلاد المباركة ، حيث لا تزال بحمد الله أسلم من غيرها ، فأقول :
يعيش المسلمون اليوم ، في جميع بقاع الدنيا ، نهضة إسلامية مباركة ، وهي بين الشباب أكثر ، وكما أن لهذه النهضة جوانب إيجابية كثيرة ، وأنها في جملتها أحيت الأمل بين المسلمين ، وتحققت بها – وستتحقق بها كذلك – مصالح عظيمة للإسلام والمسلمين بإذن الله .
إلا أنها – مع ذلك – قد يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل والتقصير ، وهذا أمر طبيعي يصاحب كل موجات التطور في التاريخ ، ولا أدل على ذلك من آخر عهد الصحابة – – فقد صاحب موجات الفتح العارمة ، التي واكبت الفتح الإسلامي الأول لبلاد العراق والشام ومصر ، حيث دخلت الإسلام أمم وشعوب وقبائل كثيرة ، كلها حديثة عهد بجاهلية وكفر ؛ من العرب ، والفرس ، والروم ، والقبط .. وغيرهم .
فقد صاحب هذه الموجات نزعات كثيرة من الأهواء والبدع والأحداث الحسام ، كالفتنة على الخليفة الراشد عثمان –  - ، وما أعقبها من فتن ، وظهور الفرق الأولى : الخوارج ، والشيعة (السبئية ) ، وبدع النساك والعباد ، وبدع القدرية ؛ وقد واجه الصحابة –  - والتابعون ، وأئمة الهدى ، وولاة الأمر هذه الظواهر بالحكمة والفقه والعلم والحلم والحزم والقوة ، بحسب مقتضيات الحال .
ومع ذلك فإن هذه الظواهر الشاذة والنزعات البدعية ، لم تحجب الخير عن البشرية ، فقد صاحب ذلك قيام أعظم حضارة في التاريخ قامت على العلم والاجتهاد .
وكذلك أمر هذه النهضة الحديثة ، فإن وجود النزعات الشاذة بين بعض فصائلها لا يعني فقدان الأمل فيها بل العكس ، ولا يعني أنها لن تؤتي ثمارها ، بل إن هذه الثمار الطيبة قد بدأت بوادرها في كل مكان ، لكن ظهورها المفاجئ ، مع قلة الموجه والناصح ، وبُعد كثير من فئاتها عن توجيه العلماء المباشر ، جعلها تعيش مرحلة حرجة هي أشبه بمرحلة الطفولة والمراهقة والتخبط إلى حد ما ، ونحن على ثقة – بإذن الله – بأنها ستتجاوز هذه المرحلة إلى الرشد والتعقل ، والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
إذن ، فالواجب على العلماء وطلاب العلم في الأمة أن يسددوا الأمة ، ويرشدوها ويوجهوها إلى الخير ، وان يعالجوا الأخطاء التي تنشأ ، كما فعل الصحابة والتابعون وتابعوهم .
ومن هذا المنطلق ، فإني سأذكر هنا شيئاً مما ظهر لي من بعض الأخطاء التي تحدث من فئات وأفراد وجماعات وتوجهات ، من نزعات وسمات تحتاج إلى نظر وتصحيح ومناصحة .
مع العلم أن ذكرها هنا لا يعني الحكم على أصحابها بأنهم أهل أهواء ، وأبرأ إلى الله من أن أتهمهم بذلك ، لكنها سمات وظواهر ونزعات وصفات وخصال متفرقة ، قد لا توجد مجتمعة عند طائفة بعينها .
كما أني أخشى إن لم تعالج هذه الظواهر ، ويناصح أهلها أن تتجارى بأصحابها وتتأصل وتتكاثر ، حتى تكون بذوراً للأهواء – لا قدر الله - . هذا ولا يحسن ، بل وليس من الحكمة أن يدعي المسلم أنه في مأمن من الأخطاء والأهواء ، كيف لا والنبي صلى الله عليه وسلم – المعصوم كان يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك " .
أما ما تمكنت من استقرائه من نزعات وظواهر وسمات متفرقة ، يلزم التنبه عليها ، والتحذير من الوقوع بها خشية الوقوع بالأهواء ، فأمثل لها بما يلي :
1- تصدر حدثاء الأسنان ، وسفهاء الأحلام – أحياناً – لأمور الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بلا علم ، ولا فقه ، ولا تجربة ، ولا رجوع إلى العلماء وأهل الفقه والتجربة .
2- هيمنة نزعة الخروج على أذهان بعض الناس ، وكثرة الثرثرة بها وإطلاق الأحكام فيها ، في حين أنهم ليسوا من أهل الحل والعقد ، ولا من الراسخين في العلم الذين يعنيهم الأمر شرعاً.
3- شيوع ظاهرة التكفير والتبديع بلا ضوابط شرعية ، ولا فقه ، ولا تثبت ، بما في ذلك الأحكام على الأشخاص والجماعات والهيئات والأنظمة وغيرها والتكفير باللوازم .
4- التسرع في إصدار الأحكام والمواقف بمجرد الشائعات ، والقرائن ، والظنون ، أو اللوازم ، وأغلب ما يحدث بين أبناء الأمة الآن من نزعات وخصومات هو من هذا الباب .
5- البراء من المخالفين في الاجتهاديات التي يسوغ فيها الخلاف ويعذر فيها المخالف ، وأكثر النزاعات الجارية اليوم بين بعض فئات المسلمين ومنسوبي الدعوات من أهل السنة من هذا النوع .
6- الحكم على القلوب ، واتهام النيات ، وتصيد الزلات ، وغمط المخالفين حقهم ، أو جحد الحق الذي معهم .
7- كثرة الخصومات والجدل والمراء في الدين ، مع قلة العمل الإيجابي المثمر ، مع التعالم والتعالي والغرور واحتقار الآخرين من العلماء ومن دونهم .
8- الخطأ والجهل في منهج الاستدلال ، ومنه الاستدلال بالنصوص على غير ما تدل عليه ، وعلى غير قواعد شرعية ، وإنزال النصوص على غير ما تدل عليه، والجهل بفهم السلف وتفسيرهم للأدلة ، وعدم مراعاة قواعد الاستدلال من حيث : العموم والخصوص ، أو الإطلاق والتقييد ، والنسخ .. ونحو ذلك ، وعدم اعتبار قواعد المصالح والمفاسد .. ونحو ذلك .
9- الجهل بالعلوم الشرعية وقلة الفقه في الدين ، والتقصير في طلب العلم الشرعي .
10- أخذ العلم الشرعي على غير أصوله الشرعية ، وبغير نهج سليم .
11- أخذ العلم عن غير العلماء ، وتلقيه عن الصغار والمثقفين والمفكرين ، الذين هم في العلم الشرعي من فصيلة العوام .
12- فرض الرأي والموقف على الآخرين ، ومصادرة الرأي المخالف ، ومحاصرته بكل وسيلة ، إلى حد استباحة الوسائل غير الشرعية لمنع الرأي الآخر ، مع العلم أن أكثر الأمور التي يدور عليها الخلاف بين أهل السنة من الاجتهاديات .
كما أن من هذا الصنف من لا يطيق سماع الرأي المخالف ، وإن كان مما يجوز فيه الخلاف ، حتى ولو قامت الحجة واستبان الدليل .
13- سوء الأدب مع العلماء والمشايخ وطلاب العلم الشرعي ، ويتمثل ذلك : بلمزهم واستنقاصهم أحياناً ، وبإشاعة ما يسيء إليهم وينقص اعتبارهم عند الآخرين ، ويشحن قلوب الناس ، والشباب والعوام عليهم ، والجرأة على الطعن فيهم والتشهير بهم .
14- سوء الأدب والجفاء – تديناً – مع من يجب أن ينبغي احترامهم وتوقيرهم ، كالوالدين ، والإخوة ، وكبار السن ، والمعلمين ، والجيران ، والزملاء ، وأهل الاعتبار من الأمراء ، والولاة ، وذوي الهيئات ، والمسئولين .
15- سرعة الاستجابة للفتن ، والتصرفات الغوغائية ، والجمهرة ، والتداعي عند كل صيحة دون الرجوع لأهل العلم والحلم والفقه والرأي ، إلا من يوافق هواهم .
16- استباحة البدع والوسائل المريبة في سبيل تحقيق الهدف .
17- الولاء والبراء على أهل الأهواء والرغبات ، وما يوافق المواقف لا على الدليل والسنة.
18- الخوض في المسائل الكبرى ، والقضايا الخطيرة ، ومصالح الأمة العظمى ، التي لا يبت فيها إلا العلماء المعتبرون ، والراسخون ، وأهل الحل والعقد في الأمة ، مثل تكفير الأعيان ، والهيئات ، والخوض في البيعة والخروج ، ونحو ذلك .
19- غرس الغل ، وشحن قلوب الناس على المخالفين ، ومن ذلك شحن قلوب الصغار والنساء والعوام والغوغاء ، الذين ليس لهم حل ولا عقد ، مما يفسد ذات البين ، ويفتح باب الغوغائية والفتن التي تفسد الدين ، وتهلك الحرث والنسل .
20- إهمال جانب المناصحة لولاة الأمور ، والتخذيل عن ذلك ، وتخطئة من يفعله .
21- إدمان الكلام والثرثرة في ما لا شأن للعامة فيه من السياسة والمظالم والأثرة ، ونحو ذلك مما أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالصبر عليه ، ومما لا يمكن معالجته إلا مع ذوي الشأن وأهل الحل والعقد في الأمة من العلماء والولاة ، وأهل الرأي والمشورة .
22- استحلال الغيبة باسم مصلحة الدعوة ، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن أعظم ذلك غيبة العلماء والولاة أو المخالفين من أهل الخير والاستقامة .
23- تصيد زلات العلماء وطلاب العلم والصالحين وإشهارها ، والسكوت عن أخطاء أهل الفسق والفجور والزندقة وأغفالها .
24- ضيق العطن ، وقلة الصبر ، واستعجال النتائج في أمر الدعوة .. وغيرها مما يبعث روح اليأس والتشاؤم والتصرفات المتشنجة .
25- ضعف الحكمة ، وقلة التجارب ، مما يجعل البعض يقعون في أخطاء وقع فيها السابقون من أمثالهم ، فلم يستفيدوا من العبر والدروس ، فإن السعيد من وعظ بغيره .
26- نزعة العنف واستعمال القوة ، بما في ذلك اللجوء إلى الأعمال غير المشروعة في سبيل النكاية بالمخالف ، كالوشاية ، والاستعداء ، والبهتان ، والمقاطعة ؛ وقد يصل الأمر عند بعضهم إلى الضرب والإضرار المباشر .
27- ترك الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات ، وتحريمها ، أو تحريم العمل في الوظائف الرسمية .
28- تحريم بعض المباحات ، والتشدد في ذلك ، ومنه التوقف في التعامل مع المسلمين أو الحكم عليهم .
29- الإخلال بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأساليبه ، أو سلوك منهج المعتزلة والخوارج وأهل الأهواء في ذلك .

وفي الجملة ، فإن هذه الظواهر إنما توجد عند القليل من أبناء الأمة ، وليست في بلد واحدة ، ولا في طائفة أو جماعة دون أخرى ، لكنها قد تكثر في جماعة أو طائفة أو بلد ، وتقل في آخر ، بل ربما يكون شيء منها في طوائف تدعي السلفية ، وأخرى تدعي السنة والجماعة ، وثالثة تنتمي إلى فرق هالكة ، كالرافضة ، والخوارج ، والمعتزلة ، والصوفية ، وأهل الكلام ، ورابعة تنتمي إلى جماعات محدثة وشعارات .
هذا .. وأسأل الله لي ولجميع المسلمين وأئمتهم وعامتهم وشبابهم التوفيق والهداية والسداد والرشاد ، وأن يوفق ولاة أمورنا وعلماءنا وشبابنا إلى ما فيه صلاح الأمة في دينها ودنياها ، وأن يقينا جميعاً الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يوفق جميع المسلمين لسلوك طريق السنة ، ويهديهم سواء السبيل ، وأن يجمع كلمتهم على الحق ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه .

نشر بتاريخ 18-10-2009


خدمات المحتوى
    زيارات 1147


الشيخ الدكتور /ناصر العقل
تقييم
1.00/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري