في
الإثنين 2 ربيع الأول 1439 / 20 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

19-ذو القعدة-1430 01:41 PM

يردد الغلاة بأن الكفار من الأمريكان وأمثالهم قد نقضوا العهد بالجرائم التي ارتكبوها في العراق وأفغانستان وغيرهما من بلاد المسلمين، فوجب هدر دماءهم في كل مكان، ولا عبرة بالأمان أو العهد الذي أعطي لهم من قبل آحاد المسلمين أو من حكامهم في بلادهم.
فهل هذه الشبهة التي يستدل بها الغلاة في قتلهم للمعاهدين والمستأمنين في بلاد المسلمين صحيحة ومستقيمة؟ أم أن استدلالهم فيها غير صحيح.
في الوقفات التالية يتضح ذلك:
الأولى: صحت الأدلة من الكتاب والسنة؛ وتواترت أقوال العلماء في حرمة الغدر ووجوب الوفاء للذين أعطي لهم الأمان من الكفار في بلاد المسلمين، فقال تعالى في وجوب الوفاء بالعهد؛ وحرمة الغدر؛ ووجوب الوفاء بالعقود: (..وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [الإسراء : 34]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ..) [المائدة : 1]، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) [الرعد : 20].
وبوب الإمام البخاري في صحيحه باباً قال فيه: بَاب إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، وأورد فيه حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا.
قال الحافظُ ابنُ حجر في " الفتح " (12/259)" مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا ", وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم .
وقال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار - (7 / 96) : ( المعاهد: هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان، فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ).
فالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء كثيرة في تقرير هذا الأصل.
الثانية: أن الأمان والعهد إذا أعطاه أحد من المسلمين لأحد الكافرين فيحرم على المسلمين نقض عهده، وخفر ذمته.
إذ روى البخاري في صحيحه من حديث علي رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ..فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.
وصح عند أبي داود وغيره من حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّعُهُمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِى عَهْدِهِ »
وروى الإمام البخاري في صحيحه قصة إجارة أم هانئ؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلِكَ ضُحًى.
قال ابن قدامة رحمه الله في المغني 9/195: وجملته أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب، حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم، ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكراًَ كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، وبهذا قال الثوري والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وابن القاسم، وأكثر أهل العلم.
وقال الحافظ ابن عبد البَر في الاستذكار 14/87: أمان الرفيع والوضيع جائز عند جماعة العلماء، وأمان العبد والمرأة عند الجمهور جائز.
الثالثة: أن قتال الكفار لبعض المسلمين في بلد لا يجيز للمسلمين في قطر آخر تحت ولاية أن ينقضوا عهد من أعطوهم الأمان إلا إذا أعلموهم.
ودليل ذلك قصة الصحابي الجليل أبي بصير رضي الله عنه حيث قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعطى لقريش العهد بأن يرد كل من يقدم عليه من المسلمين إليهم، فلما علم أبو بصير بذلك خرج من حدود الدولة النبوية حتى لا يخفر ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وعهده الذي أعطاه لقريش.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح 5/411: وفي رواية ابن إسحاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا أبا بصير إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك " فقال: أتردني إلى المشركين يفتنوني عن ديني ويعذبونني ؟! قال:" اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً ".
فكان هذا الفرج والمخرج أن مكَّن الله أبا بصير ـ وهو في طريقه معهما إلى مكة ـ من التخلص منهما .. كما في قصته المعروفة.
فمن فقه هذا الصحابي الجليل أنه لم يخفر الذمة ولا العهد الذي قطعه صلى الله عليه وسلم لقريش بحجة أن قريش حاربوه وناصبوا العداء والقتل لإخوانه الضعفاء في مكة، وإنما التزم بالعهد والميثاق حتى توارى عن حدود الدولة الإسلامية في ذاك الوقت ثم أخذ بالأسباب في التخلص من كفار قريش.
فأبو بصير رضي الله عنه كان منحازاً عن حدود الدولة الإسلامية .. وحدود جميع القبائل المتحالفة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، والملتزمة ببنود واتفاق صلح الحديبية .. حتى لا يخفر ذمة أحدٍ منهم .. ويقع في شبهة غدرٍ .. فهل ما يفعله الغلاة كذلك .. أم أنهم يعيشون بين المسلمين ويستهدفون من يدخل في عهدهم وأمانهم وذمتهم من غير المسلمين؟!
لذا لا يوجد شَبَه بين ما كان عليه الصحابي أبو بصير رضي الله عنه وبين ما يفعله الغلاة في هذا العصر الذين يُقاتلون في مجتمعات المسلمين .. وبين أحياء .. وشوارع .. ومنازل المسلمين .. لكي يصح قياس واقعهم على واقع الصحابي أبي بصير.
الرابعة: أن الكافر إذا أعطى العهد والأمان وجب الوفاء له، وإن كان المعطي له في نظر غيره كافراً، فالأصل في الأمان ما يعتقده الكافر لا ما يعتقده المسلم.
ولأجل هذا صرَّح أئمة الإسلام بأن العبرة في الأمان بما فهمه الكافر، فقد قال الإمام المرداوي في الإنصاف (4 / 205): قَوْلُهُ وَمَنْ قال لِكَافِرٍ قِفْ أو أَلْقِ سِلَاحَك فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ قُمْ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
وقال الْمُصَنِّفُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ أَمَانًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ ذلك فَهُوَ على هذا كِنَايَةٌ، لَكِنْ إنْ اعْتَقَدَهُ الْكَافِرُ أَمَانًا رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ وُجُوبًا ولم يَجُزْ قَتْلُهُ وَكَذَا حُكْمُ نَظَائِرِهِ.
قال الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْأَمَانِ فَظَنَّهُ أَمَانًا فَهُوَ أَمَانٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَرَى الْعِلْجُ أَنَّهُ أَمَانٌ فَهُوَ أمان، وقال إذَا اشْتَرَاهُ لِيَقْتُلَهُ فَلَا يَقْتُلُهُ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ فَقَدْ أَمَّنَهُ.
قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَهَذَا يَقْتَضِي انْعِقَادَهُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ الْعِلْجُ وَإِنْ لم يَقْصِدْهُ الْمُسْلِمُ وَلَا صَدَرَ منه ما يَدُلُّ عليه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "جاءت السنة بأن كل ما فَهِمَ الكافر أنه أمان؛كان أماناً،لئلا يكون مخدوعاً،وإن لم يُقصد خَِدْعُه " اهـ من " بيان الدليل " (ص 64) .
وقال - أيضاً -(100):"ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم .." اهـ .
فإذا كان الكافر يقبل الأمان من الحاكم – وإن كان في نظر الغلاة كافراً - لزم أن يؤمِّنوه،لأن الكافر الداخل في الأمان؛ليس فقيهاً في شريعتنا، ليدرك أن أمان هذا الحاكم يصلح له أم لا؟.
الخامسة: أن نقض العهد والأمان والغدر بهؤلاء الكفار دون نبذ ذلك إليهم مفاسده الظاهرة كثيرة غير محصورة، والقاعدة في الشرع المطردة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد سبب هذا الغدر الذي ارتكبه الغلاة بهؤلاء الكفار من المحن والمصائب والحروب في بلاد المسلمين ما لا يعلمه إلا الله، فكيف يصح أن يكون ذلك الغدر هو من الجهاد في سبيل الله؛ وقد تسبب في إزهاق أرواح المسلمين دون ذنب ارتكبوه، مع أن الجهاد إنما شُرع لإقامة الدين وحماية المسلمين.


خدمات المحتوى
    زيارات 2165


السكينة
تقييم
1.13/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري