في
الجمعة 28 صفر 1439 / 17 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

19-ذو القعدة-1430 01:38 PM

من الشبه التي يتعلق بها الغلاة في أعمالهم الإجرامية أنهم يشبهون ما يقومون به من قتل أنفسهم وقتل غيرهم من المسلمين بمثل ما قام به الصحابة في الصدر الأول من الانغماس في العدو رجاء نيل الشهادة في سبيل الله، فهل استدلالهم هذا في محله، أو صحيح غير مستدرك، لنرى ذلك فيما يأتي:
أولاً: ثبت في صحيح الأدلة الصريحة أن قتل الإنسان نفسه من الكبائر العظيمة، الموجبة لسخط الله تعالى ومقته وغضبه، فقد روى البخاري في صحيحه وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.
وروى البخاري أيضاً عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : (8 / 19) وَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّ جِنَايَة الْإِنْسَان عَلَى نَفْسه كَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْره فِي الْإِثْم لِأَنَّ نَفْسه لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ مُطْلَقًا بَلْ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَتَصَرَّف فِيهَا إِلَّا بِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (24 / 290): وَلَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ . فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ :[ صَلُّوا عَلَيْهِ ] فَيَجُوزُ لِعُمُومِ النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ . وَأَمَّا أَئِمَّةُ الدِّينِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ ، فَإِذَا تَرَكُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ زَجْرًا لِغَيْرِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا حَقٌّ.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في استنباط فوائد غزوة أحد: زاد المعاد (3 / 189) أَنّ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النّارِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قُزْمَانَ الّذِي أَبْلَى يَوْمَ أُحُدٍ بَلَاءً شَدِيدًا فَلَمّا اشْتَدّتْ بِهِ الْجِرَاحُ نَحَرَ نَفْسَهُ فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم هُوَ مِنْ أَهْلِ النّار.
ثانياً: أن العلماء المحققين قد فرقوا بين صورتين مختلفتين؛ ألتبست على كثير من هؤلاء الغلاة؛ فأقدموا على فعلهم الشنيع لفرط جهلهم بأحكام الشرع، صورة تحصل بين المسلمين والكفار في أرض المعركة؛ فينبري أحد المسلمين لينغمس في العدو ليحقق للمسلمين نصراً، أو ينكأ في العدو الكافر، وصورة في إقدام المرء على قتل نفسه بلا مصلحة تتحقق للمسلمين، أو إلقاء الرعب في قلوب الأعداء.
وفي التفريق بين الصورتين أنقل كلاماً نفيساً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بطوله يوضح المقصود ويزيل اللبس، حيث سئل عن رجل يريد قتل نفسه في الله؟ فقال رحمه الله في مجموع الفتاوى (25 / 279): وَأَمَّا قَوْلُهُ أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي فِي اللَّهِ . فَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَأَفْضَى ذَلِكَ إلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَهَذَا مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ كَاَلَّذِي يَحْمِلُ عَلَى الصَّفِّ وَحْدَهُ حَمْلًا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُقْتَلُ فَهَذَا حَسَنٌ . وَفِي مِثْلِهِ أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } وَمِثْلُ مَا كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ يَنْغَمِسُ فِي الْعَدُوِّ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : " أَنَّ رَجُلًا حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ وَحْدَهُ فَقَالَ النَّاسُ : أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ . فَقَالَ عُمَرَ : لَا وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ }.
وَأَمَّا إذَا فَعَلَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ حَتَّى أَهْلَكَ نَفْسَهُ فَهَذَا ظَالِمٌ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ......وَكَذَلِكَ رُوِيَ حَدِيثُ { عَمْرِو بْنِ العاص لَمَّا أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَكَانَتْ لَيْلَةً بَارِدَةً فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ بِالتَّيَمُّمِ وَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا عَمْرُو : أَصَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } فَضَحِكَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا } فَهَذَا عَمْرُو قَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُفْضِيَةَ إلَى قَتْلِ النَّفْسِ بِلَا مَصْلَحَةٍ مَأْمُورٌ بِهَا هِيَ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ . وَقَتْلُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصِّحَاحِ أَنَّهُ قَالَ : " { مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " { عَبْدِي بَادَأَنِي بِنَفْسِهِ فَحَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبْت لَهُ النَّارَ }. وَحَدِيثُ الْقَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ لَمَّا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الْجِرَاحُ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَعَلَّهُ بِسُوءِ خَاتِمَتِهِ وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ سَمُرَةَ بْن جُنْدَبٍ عَنْ ابْنِهِ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّهُ بُشِمَ فَقَالَ : لَوْ مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ . فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَصْدِ الْإِنْسَانِ قَتْلَ نَفْسِهِ أَوْ تَسَبُّبِهِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْعِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ . وَأَمْوَالَهُمْ لَهُ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } وَقَالَ : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } أَيْ يَبِيعُ نَفْسَهُ . وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ الْمَرْءُ أَوْ يَجِدُهُ أَوْ يَرَاهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِجَهْلِ أَفْسَدَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ .
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ رِضَاهُ أَوْ مَحَبَّتُهُ فِي مُجَرَّدِ عَذَابِ النَّفْسِ وَحَمْلِهَا عَلَى الْمَشَاقِّ حَتَّى يَكُونَ الْعَمَلُ كُلَّمَا كَانَ أَشَقَّ كَانَ أَفْضَلَ كَمَا يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا وَلَكِنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْعَمَلِ وَمَصْلَحَتِهِ وَفَائِدَتِهِ، وَعَلَى قَدْرِ طَاعَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وبهذا الكلام الثمين من شيخ الإسلام رحمه الله يتبين أن ما يفعله الغلاة بأنفسهم من التسبب في قتل أنفسهم لقتل المسلمين لا يشمل الصور التي ذكرها العلماء، فما يقومون به لا شك في تحريمه للأدلة السابقة.
ثالثاً: أن قياس قتل المرء نفسه بالمنغمس في العدو قياس فاسد مع الفارق؛ لعدة اعتبارات:
منها: أن القاتل لنفسه هو المتسبب الأصل في إزهاق روحه، وإتلاف نفسه، وإن ادعى أنه فعل ذلك لأجل الشهادة والجهاد في سبيل الله.
والمنغمس في العدو إنما المتسبب في قتله هو العدو أصالة، ففرق بين هذا وذاك.
ومنها: أن القاتل لنفسه لم ينكأ عدوا كافراً ولم يحقق نصراً للإسلام، وأغلب ما حصل في التاريخ المعاصر إنما هو جناية في المسلمين أكثر مما هو نكاية في الكافرين.
والمنغمس في التاريخ الإسلامي أثبت جدوى فعله؛ لكون فعله متوجها للكافرين؛ وغالباً ما يقدم على فعله بعد إجماع المسلمين في أرض المعركة وتوجيه القواد له بما فيه مصلحة للجميع.
رابعاً: يدعي بعضهم في جواز عملياتهم بمسألة التترس، وقد أبعدوا الاستدلال والنجعة في إصابتهم.
فمسألة التترس التي تكلم عليها العلماء صورتها أن يتترس الكفار ببعض المسلمين ويجعلوهم كالترس لينكأوا في المسلمين، فاتّفق الفقهاء على أنّه يجوز رمي الكفّار إذا تترّسوا بالمسلمين وأساراهم أثناء القتال أو حصارهم من قبل المسلمين، إذا دعت الضّرورة إلى ذلك، بأن كان في الكفّ عن قتالهم انهزام للمسلمين ، والخوف على استئصال قاعدة الإسلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (20 / 52) وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِ أُولَئِكَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ جَازَ ذَلِكَ.
فأين هذه الصورة التي ذكرها علماء الأمة الثقات فيما يفعله هؤلاء الغلاة.
هل أصبح اغتيال المسلمين وتفجير مبانيهم فوق رؤؤسهم والغدر بهم وقتل المعاهدين والمستأمنين تترساً، أين عقولكم وأفهامكم؟!!!
ألا ساء ما تحكمون.


خدمات المحتوى
    زيارات 1929


السكينة
تقييم
1.32/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري