في
الجمعة 7 جمادى الثاني 1439 / 23 فبراير 2018

جديد الأخبار والمقالات

15-ذو القعدة-1430 04:07 PM

أدت سياسة الدولة الخارجية بعد معاهدة السلام وغياب دورها داخليا بعد اتجاهها نحو اقتصاد السوق وآلياته، إلى فجوة في علاقتها بالمجتمع، هذا بالإضافة إلى أن انسداد طرق التعبير السياسي السلمي عن الرفض السياسي، هيأ المناخ لنشوء حركات تنتهج العنف كوسيلة للتغيير ومنها الجماعة الإسلامية التي استعملت العنف كآلية لتغيير النظام القائم قبل التنظير له.

وصدرت مؤلفات الجماعة الإسلامية مثل: \"ميثاق العمل الإسلامي\" و\"حكم الطائفة الممتنعة\" في الفترة من 1981م حتى 1984م، وقت أن كان قادتها في السجون تحت ضغوط التعذيب واحتمالات الإعدام، ومن ثم رأوا ترك فكرهم ومنهجهم، فانعكس الظرف الذي عاشوه على ما كتبوا.

وبعد تجربة طويلة في السجون ودراسة للواقع المحلي والإقليمي والدولي اتجهت الجماعة منذ العام 1997 إلى تطوير فكرها ومراجعة أخطائها رغبة في أن تستفيد الدولة من طاقات الشباب ومن الطاقات الإيجابية للحركة الإسلامية في تنمية المجتمع في مقابل أن تترك الجماعة العنف نهائياً.

1- الموقف من النظام الحاكم:

رأت الجماعة في كتاب \"حتمية المواجهة\" وجوب استعمال العنف مع النظام الحاكم للأسباب الآتية: خلع الحاكم الكافر المبدِّل لشرع الله، قتال الطائفة الممتنعة عن شرائع الإسلام، إقامة الخلافة وتنصيب خليفة للمسلمين، تحرير البلاد واستنقاذ الأسرى ونشر الدين، إذ إن \"قيام دولة الإسلام لا يتحقق إلا بزوال دولة الباطل ... وما قام به خالد الإسلامبولي وإخوانه - رحمهم الله - هو خطوة على هذا الطريق، ولا بد أن تتبعها خطوات وخطوات\".

واعتبرت الجماعة وقتذاك أن حتمية المواجهة يقتضيها وجود حاكم مبدل لشرع الله يحكم بلاد المسلمين، وبيده مقاليد السلطة كلها والأمر والنهي وسن التشريعات والقوانين، وقد رضي بما حدث ويحدث من تنحية الإسلام عن الحكم والتشريع، وأقر بما هو قائم من تغيير وتبديل وتحريف يخالف تماما شريعة الإسلام.

واستند الكتاب في \"تكفير الحاكم\" إلى أسباب منها أنه: يعدل عن شرع الله فيمتنع عن إقامته، ويبدل شرع الله بشرع آخر، فيجعل له نفس مرتبته.

أما المؤسسات التابعة للنظام الحاكم مثل الشرطة والسلطة التنفيذية فهي في حكم \"الطائفة الممتنعة\" عن شرائع الإسلام ولتبرير قتالهم يعود كتاب \"وجوب قتال الطائفة الممتنعة\" إلى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سئل عن بلدة اسمها (ماردين) عامة أهلها مسلمون وحكامها خارجون عن شرائع الإسلام، فأفتى بأن يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه.

ويستنتج أن الطائفة التي تعاون الحاكم وتعطل شرع الله وتمتنع عن الحكم بكتابه وإقامة حدوده كلهم جميعا قد حكم الإسلام بوجوب قتالهم، وإن صلوا وصاموا وادعوا أنهم سيقومون بتطبيق شريعة الإسلام يوماً ما!.

ويبدو أن تلك \"الأدلة\" قد وجدت لها طريقا للتطبيق في الواقع حيث عجزت الدعوة والموعظة واستأسد الطغيان – من وجهة نظر الجماعة - ولم يعد هنالك جدوى لأي صوت سوى صوت طلقات الرصاص.

وجاء اغتيال الدكتور \"علاء محيي الدين\" المتحدث باسم الجماعة واتهام الجماعة للشرطة بتنفيذ الاغتيال كمشعل لفتيل الصدام الدامي بين الجانبين، خصوصا إذا أدركنا المشكل الثقافي الموجود في صعيد مصر - والذي تشكلت منه الغالبية العظمى من قيادات وأفراد الجماعة - حيث إن الثأر يسيطر على العقلية الصعيدية، فانتقل الثأر بعد اغتيال \"علاء محيي الدين\" إلى ثأر ضد الدولة ورجال الشرطة، وتحولت الجماعة من جماعة تناضل من أجل إقامة الدولة الإسلامية ومجتمعها إلى جماعة تنتقم لأفرادها ونفسها، وهو ما وضعها في مواجهة دولة قوية اتبعت معها نموذج الاستئصال.

أما عقب المراجعات فقد حرصت الجماعة على طرح رؤية ترسي منطقا في التعامل مع النظام، قوامه الدعم الكامل لكل موقف يتخذه النظام أو غيره موافقا أو منسجما مع مقاصد وأحكام الشريعة الإسلامية ويحقق مصالح البلاد والعباد، وفي نفس الوقت المعارضة السلمية لكل ما يخالف ذلك.

ويشير كتاب \"تطبيق الأحكام من اختصاص الحكام .. الحدود – إعلان الحرب – الجزية\" إلى ضرورة أن تترك الحركة الإسلامية ككل للدولة الأمور السيادية بينما تترك الأخيرة للتيارات الإسلامية \"المنضبطة\" دورها التربوي والإيماني والأخلاقي والاجتماعي والإصلاحي بعيداً عن النزاع الساخن أو البارد على سلطة لن يدركها الإسلاميون، وإذا أدركوها أجبروا على تركها تحت ضغط الموقف الدولي والإقليمي، كما حدث مع حماس في فلسطين والمحاكم الإسلامية في الصومال، مع ضرورة ألا تحاول الحركة الإسلامية هدم سلطة الدول التي تحيا بها، أو تحاول الحكومات هدم الحركات الإسلامية ما دامت لا تحاربها لأن هدم الفريقين هو بداية الهزيمة، وقوة الفريقين معاً هو بداية النصر.

واعتبر الكتاب أن تطبيق الحدود وإعلان الحرب والجزية هي أحكام سيادية تخص الحاكم لأن آيات القرآن الكريم لا تخاطب كل أحد في التطبيق والتنفيذ، وإنما تخاطبهم جميعا في الإيمان به والدعوة إليه، فعلى سبيل المثال آيات الطلاق تخاطب المتزوجين فقط ولا تخاطب غير المتزوج، وآيات القصاص تخاطب الحكام فقط، ولا تخاطب الآحاد ولا الجماعات؛ لأنهم لا يملكون القدرة على تنفيذها، كما أن إعلان الحرب من الأحكام السيادية المنوط بها الحاكم فقط، ومن الأخطاء الشنيعة أن القاعدة في أفغانستان أعلنت الحرب على أمريكا والغرب في ظل حكم الملا محمد عمر الذي لم يعلن هذه الحرب، مع أن القاعدة كانت تقر بأن الملا عمر حاكم مسلم وأمير المؤمنين.

لكن أبرز ما يمكن ملاحظته حول الإدراك السياسي الجديد أن الجماعة تظهر تبريرا غير مفهوم للسياسة الرسمية، فقادة الجماعة يشيدون بسياسة مصر الخارجية تجاه القضية الفلسطينية، ويعتبرون أنها سياسة عقلانية ومنصفة ولصالح الشعب الفلسطيني!.

ومع التأكيد على عدم الخروج على أولي الأمر، ورفض الخروج المسلح وتكفير الحاكم فإنهم لم يتناولوا سؤال الشرعية في العالم العربي، أو يتحدثوا عن مفاسد الاستبداد السياسي.

2- الموقف من توصيف المجتمع:

شأن معظم التيارات الإسلامية المعاصرة التي تستعمل العنف كآلية للتغيير كانت كتابات المفكرين أبو الأعلى المودودي وسيد قطب هي المعين الأول الذي نهل منه منظرو الجماعة الإسلامية، واستمدوا من مفاهيم العزلة الشعورية وجاهلية المجتمع أساساً لتبني أفكار انقلابية استوجبت مناصبة الدولة العداء وإزاحة حكامها بالقوة لإحلال حكومة إسلامية مكانهم تحت اسم الجهاد من جهة، واستباحة كل من وما يقف في وجه تلك الغاية في المجتمع تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة أخرى.

وحكمت الجماعة الإسلامية وقت اشتعال العنف والعنف المضاد بينها وبين الدولة على الديار المصرية (المجتمع) وما شابهها بأنها ليست بدار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون أهلها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحق، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحق، وعلى ذلك لا يكفرون المجتمع وإنما يكفرون \"الحاكم\" ولا يحرمون تولي الوظائف الحكومية مثل تيار التكفير.

ومن منطلق نفس العقلية الوصائية رأت الجماعة بأنها الأجدر بقيادة المجتمع وريادته حيث أنها هي التي ستقيم نظام الخلافة بدلاً من النظام الحاكم، وفي ذات الوقت تعمل من أجل \"تعبيد الناس لربهم\" فيذكر كتاب \"ميثاق العمل الإسلامي\" أن العبودية لله هي التي تنقص الكثيرين من البشر وتغيب عن كافة المجتمعات، وأن غيابها هو سبب الشقاء والتعاسة التي تحياها الشعوب والجماعات والحكومات والأفراد.

وأكد الكتاب أن مشكلة الناس الأساسية أنهم يرفضون أن يكونوا عبيدا لله، أو يجهلون هذه القضية، وأن نقطة البدء الصحيحة هي العمل الدائب الجاد الواعي لإعادة الناس لربهم لتعبيدهم لخالقهم، وما عدا ذلك فسعي ضال وضائع وجهد مفقود، وحدد مهمة الجماعة مع المجتمع بالقول: \"إن مهمتنا هي أن نمد يد العون أو يد التقويم إلى أبناء هذه الأمة وإلى من عداهم من البشر لنقيلهم من عثرتهم، ونردهم إلى خالقهم وفاطرهم ونعلمهم كيف يكونون عبيدا لله وحده .. وهذا يتطلب منا أن نقف على طريق الدعوة؛ دعاة وهداة إلى الحق، فمن آمن واستقام فبها ونعمت، ومن أبى واستكبر وقفنا له محتسبين أو مجاهدين على طريق التقويم والردع\".

ولكن أدى توسع الجماعة الإسلامية في \"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" باستخدام اليد أو القوة إلى مشكلات لها في مجتمعها، ولم تقدر على معالجة هذا الأمر من خلال القيام بالأعمال الخيرية وأنشطة الدعوة في المساجد؛ لأن الدعايات الحكومية وجدت فيها ذريعة لتشويهها.

أما عقب المراجعات، فقد سعت الجماعة الإسلامية إلى تحديد علاقتها بالمجتمع من خلال تجديد مفهوم \"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\"، فيبين كتاب \"الحاكمية .. رؤية شرعية ونظرة واقعية\" أن الوظيفة الحقيقية لأهل الدعوة ليست إخراج الناس من الإسلام والحكم عليهم بالكفر أو الفسق أو النفاق، ولكن مهمتهم الحقيقية هي هداية الخلائق والأخذ بأيديهم إلى جنة عرضها السموات والأرض، ووظيفتهم الأساسية هي تضميد جراح أمتهم وإعادة العصاة من المسلمين إلى حظيرة الإسلام.

ويوضح أن الصدع بالحق ليس معناه أن تقول لمسلم: يا فاسق أو يا فاجر أو يا مبتدع، فإن في هذا الأسلوب تنفير عن الحق وتشويه لصورته، ولكن الصدع بالحق يعني بيان الحق للناس وتيسير فهمه لهم برفق ولين وسهولة، بحيث يتسلل هادئا إلى نفوسهم وتقتنع به عقولهم دون إساءة للخلق أو طعن فيهم.

وترفض الجماعة بذلك الممارسات السابقة، مثل: ضرب الشخص السكران في الطريق، واعتراض سبيل من يمشي مع امرأة، واعتراض سبيل الفنانين وفرقهم الموسيقية أثناء عودتهم من الأفراح، وحرق محلات الشرائط بدعوى وجود شرائط بها مخالفات شرعية، والتوجه في مجموعات إلى الحدائق العامة أو الأسواق للبحث عن المنكرات لتغييرها، وسكب ماء النار على وجوه المسلمات المتبرجات، وذلك على اعتبار أنه لا يجوز أخذ الناس بسوء الظن والريبة وافتراض التهمة، كما أن الحسبة لا تكون إلا في منكر قائم، أما التعزير والضرب فهو من العقوبات الشرعية التي ليس على المحتسب أن يفعلها، وإنما يفعل ذلك القاضي وبعد التحقيق والحكم الموضوعي.

ويعتبر كتاب \"النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين\" أن مثل هذه الممارسات عبرت عن أسلوب فوضوي لم يراعي ثوابت المجتمع وظروف البلدة، فتسبب في وأد الدعوة لسنين طويلة، وأنها كانت في ظاهرها حسبة وتصديا لمنكر ظاهر، ولكن المصلحة فيه مخالفة، وإن غابت المصلحة فالعمل باطل كما يقول العز بن عبد السلام.

ويفصل الكتاب في شروط الحسبة، ومنها: أن يكون المنكر ظاهرا للمحتسب بغير تجسس، فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه لا يجوز أن يتجسس أحد عليه، ويقول القرطبي: \"خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين\" ، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله، كما نبه العلماء إلى أن يكون المحتسب متحلياً بالعلم والرفق والصبر فلا ينبغي للمحتسب أن يزيد النصيحة مراراً بأسلوبه الغليظ لتكون أدعى للقبول، وذلك أن الحسبة ليست هدفاً بحد ذاتها وإنما هي وسيلة لتحقيق مصلحة المجتمع.

أما كتاب \"حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين\" ، فيحذر الشباب والدعاة من آفة التكفير التي عششت في عقول كثير من أبناء الإسلام، وجعلتهم يكفرون المسلمين بدون مقتضى شرعي، فأهدروا الدماء واستحلوا الأموال بدون دليل من الشرع أو حجة من الدين، ولم يكونوا مؤهلين للخوض في هذه المسائل المهمة من الدين، ويؤكد أن هذا التعصب والغلو منفر، وقصير العمر، ولا يخلو من جور، ومن مظاهره: إلزام المجتمع بما لم يلزمهم به الله، والتشدد معه والغلظة والخشونة، وسوء الظن بالناس، والنظرة المثالية للمجتمع التي ينبغي أن تكون، والسقوط في هاوية التكفير.

3- القوى الفكرية والسياسية:

تميزت الجماعة في جامعات الصعيد بنوع من الحدة في التعامل مع خصومها من الطلاب اليساريين، ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى الضرب واستخدام العنف، وهكذا ظهرت مقدمات تغيير المنكر باليد داخل الجامعة، والتي ما لبثت أن امتدت نحو الشارع.

ولم تكن الخصومة مع هؤلاء فقط، حيث تعرض الإخوان وطلابهم لنقد شديد من أعضاء الجماعة الإسلامية، فكانوا يطلقون عليهم \"الإخوان المستسلمين\" ويسعون في بعض الأحيان إلى إفساد أنشطتهم وخصوصا الحفلات الفنية والإنشادية.

ولم تكن الخصومة مع الإخوان فكرية، وإنما لوجود تصور أنهم يتهاونون في تطبيق الشرع ويتعاملون مع \"الحاكم الكافر\" أما التعامل مع القوى والأحزاب اليسارية والليبرالية فقد تم تأصيله في كتاب \"ميثاق العمل الإسلامي\" من خلال الربط بين هذه القوى والتيارات الفكرية والسياسية وبين مخطط خارجي يستهدف الإسلام والمسلمين.

ويذكر الكتاب أن هذه المخططات أدت إلى أن: \"سقطت أجيال متتابعة من أمتنا فريسة لهذا الغزو الفكري، وانطلقت الدعاوى الهدامة والماجنة تحاصرنا في كل مكان، في الوقت الذي يكمم فيه دعاة الإسلام وتحاصر دعوته، وتمزقت عقلية أجيال متتابعة من شباب أمتنا ومسخت أفكارهم واهتزت عقائدهم، وانسلخ عن دينه منهم من انسلخ، وبقي من بقي مستمسكا بأصل دينه متخليا عن كافة قيمه وسلوكياته ومبادئه\".

واعتبر أن الغزو العسكري استهدف الخلافة كنظام سياسي يجمع المسلمين، ولقد نجح في إسقاطها، أما الغزو الفكري فاستهدف الإسلام في عقول أبنائه، ولقد نجح إلى حد كبير في مسخ عقولهم وتشويهه، \"كلما اجتاحت جيوشهم دولة الخلافة وأسقطتها، كلما قامت وانتصبت وعادت للحياة، وليس أدل على ذلك تنقل الخلافة بين الحجاز والشام والعراق ومصر وتركيا، ووعى الأعداء الدرس وأرادوا انتهاز الفرصة هذه المرة للقضاء على هذا المفهوم الشامل للإسلام، أرادوا محوه من عقول المسلمين حتى إذا ما سقطت الخلافة هذه المرة لم يتحرك لإعادتها أحد لزوال المحرك الذي كان يحرك ويدفع المسلمين لإعادتها\".

وتابع الكتاب: \"من أجل ذلك طرحت \"العلمانية\" وتم الترويج لها بين أبناء هذه الأمة، لتتخذ دينا جديدا يحل محل الإسلام، ولتكون هي البديل العقائدي الفكري الذي تقوم عليه الدويلات والسلطنات التي حلت محل الخلافة، بدلاً من الإسلام الذي كانت تقوم عليه الخلافة\".

واعتبر الكتاب أن العلمانية دين جديد، أريد له أن يحل محل الإسلام، وكم من المسلمين اعتنق هذا الدين الجديد! وكم من الحكومات اعتنقت هذه العقيدة الجديدة وقامت على أساسها! وعشنا وعاشت بلادنا تترنح تحت وطأة العلمانية كعقيدة وفكر، نظام وحكم، علمانية في التشريع والحكم، علمانية في القضاء علمانية في التعليم والإعلام، ... تنادي بالاشتراكية أو الليبرالية بدلا من الاستجابة لقول الحق ... تنعق بالقومية أو الشعوبية بدلا من قول الحق ......\".

وعقب المراجعات لم يظهر تغير فكري واضح تجاه القوى العلمانية، نظرا لوجود عداء وتعصب متبادل بين الطرفين خلال حقبة العنف والعنف المتبادل، وليس معروفا حتى الآن ما طبيعة التعامل مع هذه الأحزاب والقوى خلال الفترة المقبلة، وهل سيحدث تغير فكري أم سيقتصر على التسامح معها باعتبارها أمرا واقعا لا يمكن إنكاره؟

وفي رصده للواقع ذكر كتاب \"مبادرة وقف العنف .. رؤية واقعية ونظرة شرعية\" أن العلمانيين قلة لكن صوتهم عال، تجاهلوا مصالح البلاد وحقوق الأخوة والجوار، ولم يعودوا ينظرون إلا لمصالحهم ولو على أنقاض بلدنا وشعبنا، وحرضوا على الجماعات الإسلامية داعين لحربها واستئصالها مستخدمين كل الأساليب الديماجوجية الممجوجة في الإثارة والتحريض.

وهم – برأي الجماعة - لا يقصدون مصلحة البلاد، ولكنهم كما يقولون يرون فيها فرصة يتصارع فيها الطرفان الرجعيان (الحكومة والجماعات الإسلامية على حد وصفهم) فيضعف كلاهما الآخر، مما سيفتح لهم الطريق للتسلط على الحكم، وإزاحة من يتبقى ممن يعارض مناهجهم وكانت سيطرتهم على بعض وسائل الإعلام له أثره الخطير في التحريض على إشعال نار المواجهة، ووأد كل محاولة لإنهاء تك الأحداث ووضع حد لها.

ويرون أنهم أفشلوا الوساطة التي قام بها العلماء الأجلاء لوقف سيل الدماء، ووضع حد لتلك الخصومة عن طريق اتهام الدولة بالتخاذل والضعف في مواجهاتها مع الإرهاب، مما كان له بعض الأثر في عزل وزير الداخلية آنذاك، ورفض تلك الوساطة واستمرار القتال وسفك الدماء، واستنزاف موارد البلاد.

أما الموقف من التيارات الإسلامية الأخرى، وخصوصا الإخوان المسلمين، فبالرغم من هجوم بعض القادة إعلاميا عليها في بعض الأحيان، فإن منظر الجماعة الدكتور ناجح إبراهيم قد صرح في العديد من حواراته الإعلامية أنهم جماعة عريقة ولا يمكن إنكار دورها التاريخي، وقدمت خدمات لمصلحة الإسلام، والآن نحن ندشن علاقات تواصل مع كافة الحركات الإسلامية، أما اختلاف الآراء والاجتهادات الفرعية فهو أمر وارد، ويعتبر حالياً من مظاهر الديمقراطية، وهي تفيد الحركة الإسلامية بشكل خاص.

وأشار ناجح إبراهيم إلى التعصب الموجود بين التيارات الإسلامية الرئيسية، الذي يمنع السلفي من أن يقرأ لعالم من الإخوان مهما كان علمه وفقهه ومكانته، وكذلك قد لا يقرأ الإخواني لعالم من السلفيين، نافيا هذا التعصب عن جماعته في الوقت الراهن بالقول إننا: \"ننقاد إلى الصواب حتى لو خرج من فم إنسان غير مسلم، ونقرأ لكل علماء وفقهاء الحركة الإسلامية، وندافع عنهم جميعاً ... ونتأذى كثيراً للذين يشتمون ليل نهار الشيخ القرضاوي، أو بن باز، أو يكتبون كتباً في شتم بعض الدعاة، مثل عمرو خالد، أو يشتمون بعض علماء الأزهر\".

وقال في رده على أحد الأسئلة (على موقع الجماعة ): إن القول بأن الجماعة الإسلامية ستكون مخلب النظام في التصدي للإخوان المسلمين وتحجيم دعوتهم ليست سوى دعوى شيوعية، ويقصدون بالطبع بث بذور العداوة بين الجماعات العاملة للدين، وإثارة النزاع بينهم، مضيفا: \"إننا لا نضع أيدينا في أيدي غيرنا إلا لتحقيق مصالح الإسلام العليا، وليس من منهجنا أن يستخدمنا غيرنا كمخلب قط يتصدى به للآخرين، أو يسعى لتحجيمهم، كيف ولو كان هذا الآخر هو جماعة تدعو إلى الدين، وإن اختلفنا معهم ما اختلفنا حول أساليب الدعوة\".

ويرى أن مجال العمل الإسلامي يتسع للجميع، وأنهم خرجوا من السجون لا يحملون حقداً لأحد ولا غلاً من أحد، وأصلب عوداً، وأكثر تجربة، وأوسع أفقاً، وأكبر حكمة في الدين والحياة، وأكثر رحمة بالناس، وأفضل خلقاً وأدباً وتعاملاً مع كل الناس، داعيا كل الدعاة أن يمارسوا دعوتهم ونشاطهم الإسلامي بحب للآخرين، حتى وإن اختلفوا معهم في التوجهات الفكرية أو الفقهية، ما داموا لا يصطدمون بثوابت الدين.

4- الموقف من الأقلية الدينية:

اتسم الموقف من المواطنين الأقباط في مصر بالخطورة؛ نظرا لأن الجماعة لم تتعامل معهم بمنطق الفقه التقليدي الذي يعتبرهم \"أهل ذمة\"، وإنما تعاملت معهم من خلال مفهوم \"الولاء والبراء\"، وهو ما مهد لفصلهم عن المجتمع وعدم التعاطي مع مشكلاتهم، كما ظهر ذلك في بدايات العمل الدعوي، واستعمال العنف ضدهم وضد مشروعاتهم الاقتصادية ودور عبادتهم، في محاولة لإيذاء صورة الدولة وإثبات القدرة على الفعل!.

ومن منطلق هذا المفهوم يصف كتاب \"ميثاق العمل الإسلامي\" أن \"الكافرين \" ليس لهم منا إلا البغض الكامل والعداء الكامل، وهم أيضا يبادلوننا بغضا ببغض، وعداء بعداء، (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) [البقرة: 217]، (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) [الصف 8]، (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [البقرة: 120].

ويضيف: \"الإسلام يأمرنا: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) [آل عمران: 28]، (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) [المجادلة: 22] ... إن الإسلام يحدد موقف حزب الله من حزب الشيطان، يحدد موقف المؤمنين من الكافرين، إنه البغض والعداوة والغلظة، ليس غير ذلك... لا ركون ولا مداهنة؛ (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) [هود: 113]، (ودوا لو تدهن فيدهنون) [القلم: 9]، وكلاهما محرم\".

ويقسم الموالاة إلى ظاهرة بالجوارح، وباطنة بالقلب، فموالاة الباطن كفر أكبر مخرج من الملة، سواء انضم لها الظاهر أم لا، أما موالاة الظاهر فمنها ما هو كفر، ومنها ما هو معصية كبيرة أو صغيرة، وفقا لحكم الشارع على كل فعل بحسبه... فالأمر مع الكفار واضح؛ إنه البغض، إنها العداوة، (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) [الممتحنة: 4].

وقد أدى استعمال هذا المفهوم في غير محله، فضلاً عن غياب الإستراتيجية الواضحة، إلى دخول الجماعة الإسلامية في دوامة ردود أفعال غير منضبطة، فقد كانت مشاجرة عادية في إحدى القرى أو المدن النائية قد تحدث مثيلتها كل يوم كفيلة بتحولها إلى صدام دامٍ إذا كان أحد أطراف المشكلة قبطياً، إذ تتحول تلك المشاجرة والتي يحدث مثلها بين أي قبطيين أو أي مسلمين إلى صدام طائفي بالغ الخطورة، ومن ثم إلى صدام دموي بين الجماعة وبين أجهزة الشرطة والدولة التي لها حساسية خاصة تجاه كل مشكلة من هذا النوع.

ولكن اختلف منطق التعامل مع الأقباط في رؤية الجماعة الإسلامية عقب المراجعات، فيذكر كتاب \"تطبيق الأحكام من اختصاص الحكام\" أن الحكام هم المسئولون عن الأحكام السيادية، كالحدود وإعلان الحرب وعقد الصلح مع الدول، وفرض \"الجزية\"، فإذا قاموا بها خيرا، وإن لم يقوموا بها أو قصروا فيها، فلا يجوز للآحاد أو الجماعات تطبيقها، وإلا فإنه لن يتحقق المقصد الشرعي الذي ابتغاه الشرع منها، وستسبب من المثالب أكثر من المصالح.

وأكد قادة الجماعة في تصريحات إعلامية (منشورة على موقع الجماعة ) أن الأقباط هم شركاء في الوطن، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وهذا موقفنا الثابت، والإسلام لم يحثنا على العدل فقط ولكن يحثنا على الإحسان أيضاً، ويدعونا أن نعامل الناس بالحسنى، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ولولا عدل الإسلام ورحمته ما بقي مسيحي واحد في أراضي المسلمين، وإذا وقع خطأ من أحد فيجب أن ينسب الخطأ للشخص وليس للدين.

واعتبروا أن الإسلام فرض الجزية مقابل الدفاع عن أهل الكتاب أو أهل الذمة الموجودين في البلد المسلم، ولم يجبرهم في حروب الفتوحات الإسلامية على الانضواء في جيش يقاتل دفاعا عن عقيدة تخالف عقيدته، والتضحية بماله ونفسه وأهله، لكن الآن الشخص المسيحي ينضوي في الجيش والشرطة، فالعلة من الجزية انتفت، إضافة إلى أن الإسلام قدم مصالح الأوطان العليا والمصالح الإسلامية العليا، فاليوم لا توجد دولة إسلامية في العالم تجرؤ على أن تطلب من رعاياها دفع الجزية، فهل من أجل الجزية أو من أجل تطبيق حكم واحد نقبل بأن تحتل دولة إسلامية وتحاصر اقتصاديا وتعزل عن العالم كله؟.

وفي كتاب \"حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين\" يؤكدون على جواز عيادة المريض \"الكافر\"، والتهنئة بالزواج والإنجاب والعودة من السفر لليهودي والنصراني والمشرك غير المحارب، وإنفاق المسلم على قرابته من \"أهل الكفر\" يهودا أو نصارى، وتشييع جنازة الكافر، وجواز تعزيته بما لا يخالف الشريعة، ولا يكون في مكان عبادتهم ومشاركتهم في العمل المباح.

وإذا كان من الملاحظ حدوث تحول في أفكار الجماعة في هذه القضية، فإن تحديد ما إذا كان هناك نسق أو نموذج محدد تطرحه في هذا الشأن ما زال أمرا يكتنفه قدر من الغموض النظري، وهذا التحديد يكتسب أهمية خاصة؛ لأن الطرح النظامي للعلاقة مع الآخر الديني إذا وجد في الأدب السياسي والقانوني المتاح لأي جماعة سوف يؤدي إلى تحديد موقف الأقلية الدينية من الكيانات السياسية أو الحضارية الأكبر التي يمكن أن تدخل مصر في إطارها.

فالملاحظ حدوث تحول فكري باتجاه التسامح مع \"غير المسلم\"، ولكنه لم يصل إلى حد منحهم المساواة الكاملة مع المسلمين، مما يعنى وجود تمسك بالمفاهيم والممارسات التي سادت في تاريخ الخلافات الإسلامية المتعاقبة، وهى معاملة هذه الأقليات بالتسامح والمودة والحماية، ولكن دون إعطائها حقوق المواطنة الكاملة.

5- الموقف من قضايا المرأة:

لم يكن للجماعة موقف واضح من قضايا المرأة، حيث انصب كل عملها تقريبا على البحث عن أدلة شرعية لتبرير العنف الذي انزلقت إليه، ورغم أن معظم أعضائها كانوا من الصعيد الذي تسود فيه عادات وتقاليد تظلم المرأة أحيانا، إلا أن وجود نسبة عالية من المتعلمين في أوساط الجماعة أدى إلى اتخاذ موقف عام من القضية يركز على المبادئ دون الخوض في التفاصيل والإشكالات التي تزداد يوما بعد يوم.

وهذا الموقف يرتكز على القول بالمساواة، وعدم التمييز بين المرأة والرجل، انطلاقا من الحديث الشريف: \"النساء شقائق الرجال\"، وأنه لا يجوز التمييز بينهما مثل الشيطان الذي تفاخر بأصله بين الملائكة.

وكان عدد من زوجات قيادات الجماعة يعملن في وظائف حكومية وخاصة مختلفة، كانت تتطلب اختلاطا مع الرجال دون أن تبدي الجماعة أي اعتراض على ذلك، كما دخلت النساء العضوات بالجماعة في مواجهة مع الأمن مثل كوادر الجماعة أثناء فترة العنف، وتم إلقاء القبض عليهن وإحالتهن للمحاكمات العسكرية التي أصدرت أحكاما وصلت إلى 12 عاماً سجناً في بعض الحالات.

وإذا كانت السنوات العشر في دوامة الصراع والعنف بمثابة عذر للجماعة على عدم الالتفات لقضايا المرأة، فإنه ليس تفسيرا لغياب هذا الأمر وعدم إعطاؤه أولوية في سعي الجماعة نحو تجديد رؤاها الفكرية عقب المراجعات، حيث أكدوا في تصريحات مقتضبة في موقعهم على الإنترنت على ذات الخطاب العام، بأن الإسلام أعطى المرأة أعظم الحقوق وأكرمها، وجعل لها ذمة مالية خاصة، وأعطى لها حقوقا كاملة في التعليم والحياة الكريمة، والجماعة ليست ضد حقوق المرأة، لكنها ضد وصولها لرئاسة الجمهورية أو تولي منصب القضاء.

وأكدوا على حقوق المرأة ومكانتها المتساوية مع الرجل في كتاب \"تجديد الخطاب الديني\" ، فيما اعترض الشيخ عاصم عبد الماجد خلال إحدى الندوات بجمعية مصر للثقافة والحوار على ما طرحه الدكتور محمد سليم العوا، من فتوى أجازت تولي المرأة رئاسة الدولة، حيث ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا خير في أمة ولوا أمرهم امرأة\"، أما الغرب الذي يحاول أن يقنعنا بأن تولي المرأة رئاسة الدولة هو من الحقوق الإنسانية، فإن توليها لهذا المنصب لم يحدث إلا نادرا، وفي حالات معدودة. وعقب الدكتور العوا على ذلك قائلاً: \"ما قصدته أن هناك فرقا بين الإمامة ورئاسة الدولة، فمن المتفق عليه أن الإمامة لا تجوز للمرأة، ولكن في هذا العصر لم يعد هناك إمامة، ونحن أمام ما يسمى برئاسة الدولة، وهي مؤسسة مدنية يجوز للمرأة توليها\".

ولم يتناول موقع الجماعة تقريبا أية مقاربة فكرية لقضايا المرأة، وإنما تحدث عن قضايا اجتماعية على علاقة بها، مثل عيد الأم، ونظرة المجتمع للمرأة المطلقة، معترضا على احتفال المسلمين بعيد الأم، وتسابقهم في يوم واحد فقط نحو بر الأمهات، وصنع الخير معهن، والرحمة بهن، وتعويض ما قصروا فيه معهن طوال العام.

كما تفاعل زوار منتدى الموقع حول قضية المرأة المطلقة، رافضين أي تمييز تجاهها من المجتمع، وتساءل البعض: ماذا نصلح؟! نظرة المجتمع للمرأة المطلقة، أم إصلاح نسبة الطلاق المرتفعة في المجتمع؟!.

6- منهج الاستدلال:

تحولت الجماعة الإسلامية من الدعوي والسلمي إلى العنيف، تعبيرا عن موقف سياسي خلال صراعها مع الحكومة، وهو ما أدى إلى البحث عن موقف فقهي يعزز هذا الموقف السياسي أو بالأحرى سعت إلى تفصيل \"الأدلة الشرعية\" تحت ضغط السجون والتعذيب والاستئصال لتبرير ذلك التحول.

واعتبرت أن الأصول المنزلة - القرآن الكريم والسنة النبوية - هما مصدرا أفكارها، لذا فإنها استشهدت كثيرا بآيات الجهاد والأحاديث التي تحث على الجهاد دون النظر إلى سياقها، كما لجأت إلى فتاوى العلماء، وأبرزهم شيخ الإسلام ابن تيمية (661 - 728هـ)، الذي ملئت كتاباتهم بأقواله وفتاواه، وذلك تعبيرا عن تبنيها للفقه التقليدي الذي ظهر في زمن سابق إبان الصراع مع التتار والقوى الخارجية الأخرى.

كذلك لجأت الجماعة الإسلامية إلى الوقائع التاريخية وأقوال العلماء، أمثال ابن القيم، والقاضي عياض، وابن كثير، والنووي، وسيد قطب، لتدلل على أفكارها ومبادئها، مما أدى إلى توسعها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باستخدام اليد أو القوة، وانشغلت بقضية الخروج على الحكام؛ دون تفريق بين مسلمهم وكافرهم، ودون حساب الخسائر من وراء مواجهتهم؛ مما تسبب في قتل كثير من المواطنين الأبرياء، والتضييق على الدعاة.

أما عقب المراجعات فقد أكدت الجماعة أنه لابد من التقويم والتصويب‏،؛ لأن أي عمل ينبغي أن تحكمه المصلحة الشرعية،‏ ومن تجربة السنوات الماضية والدماء المهدرة في المعارك الطاحنة، وما ترتب عليها من عشرات المفاسد، كالدماء المسالة والثارات والأحقاد، كان ينبغي أن تكون وقفة لوضع حد لها ودفع ما جلبته من مفاسد.

لقد كانت الجماعة من قبل تتبنى موقفا فقهيا تقليديا يقوم على فتاوى من أزمان سابقة، ظهرت وقت الحروب، واعتقدت أن حقها أن تقوم ببعض الممارسات السياسية بناء عليها، ثم اكتشفت بعد دراسة طويلة أن هذا ليس من حقها، وأن الصواب غير ذلك، بأدلة ناقشتها واقتنعت بها ثم نشرتها.

وتحولت نحو المزج بين فقه الدين وفقه الواقع معا، بالقول أن الدماء والجهود والأموال التي تهدر دون فائدة نحتاج إليها في معركة مع عدو حقيقي هو الفقر والتخلف‏،‏ بالإضافة إلى العدو الخارجي المتربص بنا وبديننا ووطننا،‏ معتبرين أن هذا من قبيل المصالح الشرعية للجميع على أرض الوطن.

كما راعت خلال الفترة اللاحقة على المراجعات عدم إصدار الفتاوى بعيدا عن النظر للواقع، واعتباره مرتكزا رئيسيا لتلك الفتوى‏،‏ على اعتبار أن أي حكم أو أي فتوى ينبغي أن تستند إلى أمرين‏:‏ الواقع ومعطياته، والدليل الشرعي المتضمن في الكتاب والسنة أو غيرهما من مصادر التشريع المعتبرة‏.

‏ويوضح كتاب \"فتوى التتار لشيخ الإسلام ابن تيمية .. دراسة وتحليل\" أن إسقاط فتوى ابن تيمية في التتار على واقع بلاد المسلمين اليوم هو إسقاط خاطئ، لوجود اختلاف كبير بين التتار وحكومات البلاد الإسلامية اليوم، من حيث وصف كل منهما الذي يناط به حكمه، ومن حيث علاقة كل منهما ببلاد الإسلام.

ففي حين كان التتار غزاة لبلاد الإسلام أعداء للإسلام والمسلمين، نرى حكومات المسلمين اليوم حائط صد عن بلاد المسلمين وعما تبقى من هوية المسلمين، حفاظا على أوطان المسلمين، ودفاعا عن هويتهم وثقافتهم الدينية والاجتماعية، وعلى هذا يرى أن إسقاط حكم التتار على حكومات المسلمين اليوم يعد خطأ شنيعا لما فيه من مخالفة لأصول الشريعة في قياس الأحكام، فضلاً عما يؤدي إليه من أخطار لا حصر لها على الإسلام والمسلمين.

وفي هذا السياق أفاض في شرح واقع المسلمين اليوم، وبين خطورة المرحلة التي يحياها الإسلام والمسلمون، وأن هذا يتطلب جمع الكلمة وتوحيد الصف، حتى يتسنى للأمة الخروج من أزمتها والحفاظ على هويتها وسلامة أوطانها.

خاتمة

رغم أن الجماعة تنشغل منذ عام 2002 – الذي شهد بلورة المراجعات فعليا في سلسلة تصحيح المفاهيم – تنشغل بترتيب أوضاع المفرج عنهم الذين تغيبوا عن أسرهم لسنوات طويلة، ومن المهم توفير وضمان حياة كريمة لهم، وإنقاذهم من الفقر والبطالة، إلا أنها سعت طيلة هذه الفترة في تجديد قراءتها لواقع وطنها وأمتها، وتغيير رؤاها فيما يخص التعامل مع النظام السياسي والمجتمع والقوى الفكرية والسياسية الأخرى.

وترى الجماعة أن الأمة الإسلامية تعيش اليوم حالة من التمزق والتخلف في ظل مخططات دءوبة من أجل تذويب الهوية الإسلامية، وفرض نمط الحياة الغربي تحت عنوان \"مشروع الشرق الأوسط الكبير\"، ووجود مخاطر تمييز الأقليات، والرغبة الإسرائيلية في قيادة المنطقة، مما فرض عليها أن تطرح أهدافا تتعلق بالسعي لتأكيد الهوية الإسلامية للوطن، ومقاومة محاولات تذويبه، ومقاومة أية حالة استعمارية تنال من استقلاله أو بلدان العالم الإسلامي، والإسهام في المنازلة الفكرية بين الحضارة الإسلامية والغربية، وذلك من خلال تكوين المتخصصين الذين يطرحون الرؤى الإسلامية المتفوقة في كل المجالات.

إضافة إلى السعي نحو صبغ المجتمع بالمنهج الإسلامي، من خلال طرح رؤية عصرية لتطبيق الشريعة الإسلامية، ومقاومة الاختراقات الصهيونية الثقافية والاقتصادية لمجتمعاتنا الإسلامية، والمساهمة في حل مشكلات المجتمع، ودعم عملية الإصلاح في كل المجالات، وذلك من خلال الحصول على حق العمل الدعوى والاجتماعي والسياسي.

وبناء عليه يمكن القول أن المراجعات كانت نقطة تحول إيجابية في الخروج من نفق العنف في إدارة الصراع السياسي والاجتماعي الداخلي، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هناك ارتباكا شديدا يسود فيما يتعلق بتحديد المسار المستقبلي للجماعة.

فمن جهة تستدعي المرحلة القادمة توضيحا أكثر للرؤية السياسية الجديدة للجماعة، ومنهجها التغييري والتعامل مع السلطة، فلا تقف المراجعات عند حدود إدانة العنف والتبرؤ من المرحلة السابقة، بما يخدم سياسة السلطة في التعامل مع الحالة الأمنية المصرية، فتقع الجماعة في محظور إعطاء الشرعية للاستبداد السياسي وخدمته، وتوظيفها دون أن تدري في الصراع بين السلطة السياسية وبين الحركة الإسلامية.

ومن جهة أخرى تتطلب معالجة بعض القضايا الهامة، مثل: إعادة ترتيب البيت من الداخل عن طريق خلق بيئة ديمقراطية تسمح بإفراز الكوادر وتوظيف الكفاءات، وتربية الأعضاء على الرؤى الخاصة بالمجتمع والجماعات الإسلامية الأخرى، وتطوير الرؤى الخاصة بالقوى العلمانية والمرأة والأقباط.

والسؤال الآن هو: هل ستنظر الجماعة الإسلامية نحو المستقبل بعد عشر سنوات في النضال من أجل تجاوز تداعيات العنف والعنف المضاد؟ .. هذا ما سوف تجيب عنه الأيام القادمة.

أهم مراجع الملف:

الكتب:

1- مبادرة وقف العنف .. نظرة شرعية ورؤية واقعية، الشيخ أسامة إبراهيم حافظ والشيخ عاصم عبد الماجد، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامي، ط1، 2002 م.

2- حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين، الدكتور ناجح إبراهيم عبد الله والشيخ علي محمد علي الشريف، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامي، ط1، 2002م.

3- تسليط الأضواء .. على ما وقع في الجهاد من أخطاء، حمدي عبد الرحمن عبد العظيم والدكتور ناجح إبراهيم عبد الله والشيخ علي الشريف، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامي، 2002 م.

4- النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين، الشيخ علي الشريف والشيخ أسامة إبراهيم حافظ، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامي، ط1، 2002 م.

5- كتاب ميثاق العمل الإسلامي، من إصدارات الجماعة الإسلامية، 1984، منشور على موقع منبر التوحيد والجهاد

6- كتاب حتمية المواجهة، من إصدارات الجماعة الإسلامية، منشور على موقع منبر التوحيد والجهاد

7- كتاب وجوب قتال الطائفي الممتنعة، من إصدارات الجماعة الإسلامية، منشور على موقع منبر التوحيد والجهاد

صحف:

1- الشرق الأوسط، لندن.

2- العربي، القاهرة.

3- الأهالي، القاهرة.

مواقع إنترنت:

1- موقع الجماعة الإسلامية

2- موقع إخوان أون لاين

3- موقع مراجعات فكرية

4- موقع إسلام أون لاين

5- مركز دراسات الظاهرة الإسلامية

6- مجلة العصر

7- موقع مفكرة الإسلام


خدمات المحتوى
    زيارات 2352


حمدي عبد العزيز
تقييم
1.32/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري