في
الإثنين 10 جمادى الثاني 1439 / 26 فبراير 2018

جديد الأخبار والمقالات

15-ذو القعدة-1430 04:05 PM

أثارت المراجعات عددا من ردود الفعل المتباينة داخل الأوساط السياسية والفكرية، إذ لم يستوعب الكثير من الأنصار والخصوم أن تقدم القيادات التاريخية للجماعة المسلحة سابقا نقدا ذاتيا يقر بأخطاء جوهرية في التعاطي مع المشهدين الاجتماعي والسياسي في البلاد.

ويمكن تقسيم ردود الأفعال على مبادرة وقف العنف والمراجعات إلى أربعة أقسام كالتالي:

1- رد الفعل الحكومي:

كان الأمر اللافت هو ترحيب اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية بالمراجعات، معتبراً أنها إنجاز غير مسبوق في تاريخ التعامل لتغيير الفكر من الأخطاء، على اعتبار أنها تعد نوعا من التحول الفكري لدي قيادات هذه الجماعات‏، نتيجة الرؤية الحقيقية لأبعاد النظريات والأفكار‏، التي سبق وأن بنوا عليها نظرياتهم وتنظيماتهم.

ولكن لم يتضح منذ الإعلان عن المبادرة عام 1997م، وحتى إصدار الكتب الأربعة عام 2002م ما إذا كانت الحكومة المصرية قد توصلت إلى مصالحة نهائية مع الجماعة التي أثبتت بالفعل توقفها عن قتال الحكومة ورموزها، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون \"تفاهماً\" غير مكتوب بين الطرفين.

وظلت المراجعات لمدة خمس سنوات تبحث عن صدى لها داخل أروقة السلطة المصرية حتى جاء الوقت الذي وجدت فيه داعما مقربا من الحكومة يعترف بها، مما جعل البعض يعتقد أن هناك انفراجة ستحدث بين الجماعة الإسلامية والنظام الحاكم في البلاد، وتمثل ذلك في مجلة \"المصور\" ورئيس تحريرها مكرم محمد أحمد الذي دعا الحكومة إلى التجاوب مع مبادرة إنهاء العنف، قائلاً إن نجاح هذه المبادرة تأكيد لاستقرار مصر وأمنها!.

وتعاطت الحكومة مع الكتب الأربعة التي صدرت عن ثمانية من أبرز قادتها التاريخيين في مطلع ذلك العام، حيث سمحت لها بأن تجد طريقها فوراً إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهي الخطوة التي أكدت على قبول الدولة للتوجه السلمي للجماعة الإسلامية، وما هي إلا أشهر حتى خرجت مجلة \"المصور\" قريبة الصلة من دوائر صنع القرار لتكون واسطة لميلاد علاقة جديدة بين الدولة والجماعة يتم صياغتها تحت سمع وبصر المجتمع.

ثم اتجهت الحكومة عقب ذلك إلى الإفراج الجزئي عن أعضاء الجماعة والتمهيد للإفراج عن القيادات من خلال تلميع صورتهم؛ عبر مجلة المصور، حيث صرحوا في أحد الحوارات مع مكرم محمد أحمد أنهم \"مجرمون\"، وأنهم لا يعتذرون فقط للمصريين عن هذه الجرائم، إنما يسعون أيضا لتعويض الضحايا ودفع \"ديات\" لعائلات من قتلوهم من الشرطة أو المدنيين!.

ولكن المشكلة الحقيقية التي تواجه الحكومة تتمثل في كيفية التعامل مستقبلاً مع المراجعات، حيث طُرحت آراء من جانب قادة الجماعة بشأن فكرة إنشاء حزب أو جمعية للجماعة تمارس من خلالها العمل العام السلمي، ولكن لم تبق سوى فكرة \"الجمعية\" بعد رفض فكرة إنشاء حزب، وهذه تحديداً أيدها قادة الجماعة في حواراتهم مع مجلة المصور، حيث قال كرم زهدي: \"من الناحية الشرعية نحن نتبع نهج أهل السنة والجماعة في دعوة الناس وتعليمهم أمور دينهم العلم السلفي الصحيح، أما من الناحية الإدارية التنظيمية فالجماعة تشبه أي حزب منظم موجود على الساحة ينظم نفسه لكيفية تعليم الناس مبادئه فقط\".

واستطرد زهدي قائلاً: \"ولو وافقت الدولة على تكوين جمعيات إسلامية تحض على الخير وتعلم الناس وتساعدهم اجتماعيًا.. فهذا خير\".

وعموما يمكن القول: إن ما تم من اهتمام إعلامي يدخل في باب الاهتمام الأمني، نظراً لأن ملف الجماعة الإسلامية لم يفتح باعتباره ملفاً سياسياً، بمعنى أن الدولة الآن مهتمة بأن تثبت أن هناك استقراراً في مصر، وأن هناك تحولاً حقيقياً مرت به جماعة العنف الأولى، وأن هذه الجماعة قد تحولت تماماً ونهائياً من العنف إلى اللاعنف، وهذا ملف في مجمله ملف أمني.

ومن المفارقة وجود ترحيب رسمي أو شبه رسمي بتحول الجماعة عن العنف واختيارها الطريق السلمي، وذلك في الوقت الذي تواجه فيه الجماعات الإسلامية الأخرى التي انتهجت الطريق السلمي من البداية التضييقات المختلفة ولا يسمح لها بالتنافس كحزب سياسي!!.

وبالتالي فهناك مخاوف من أن يكون الهدف المنشود للحكومة هو مجرد الاستمرار في السياسة المعتادة باللعب على تناقضات القوى السياسية، بما فيها تناقضات الحركات الإسلامية، واستثمار هذه التناقضات لصالح التأبيد في السلطة وليس لصالح بناء الدولة ومؤسساتها ومشروعها السياسي التنموي.

2- فريق \"الصفقة\":

ومن المفارقات الأخرى أنه في الوقت الذي يتحدث فيه العديد من الإسلاميين عن وجود صفقة غير مكتوبة بين مثقفين ونشطاء علمانيين ويساريين بموجبها يغضون الطرف عن الاستبداد في مقابل نشر فكرهم وتحقيق مكاسب مادية، نجد أن كتابات وتحليلات صادرة من مثقفين وكتاب يساريين وعلمانيين ترد بذات المنطق.

وذلك من خلال القول بأن الدافع وراء إعلان التأييد الحكومي العلني لمبادرة وقف العنف إنما هو استكمال لصفقة بين الدولة والجماعة توقف بموجبها الأخيرة أنشطتها العنيفة في مقابل أن تفرج الدولة عن قياداتها وأعضائها المحكوم عليهم والمعتقلين، وتمنحها هامشاً أوسع من حرية الوجود والحركة؛‏ ويشيرون إلى أن الجماعة قد نفذت الجزء الخاص بها في تلك الصفقة،‏ بينما يمثل الترويج للمراجعات وما قد يستتبع ذلك من إجراءات الجزء الخاص بالدولة الذي ما زالت تقوم به إلى الآن‏.‏

ويضيف هذا الفريق أن هناك إجراءات حكومية تم اتخاذها بموجب هذه الصفقة، حيث تم إطلاق أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة الإسلامية، وهناك ظروف أفضل يعيشها الآن أهالي المعتقلين، فضلاً عن إعادة تأهيل بعض الذين تم اعتقالهم من الجماعة.

ويتحدثون عن سوابق لمثل هذه الصفقات، أهمها عام 1993م، حيث كان هناك مبادرة لصفقة صريحة بين وزير الداخلية محمد عبد الحليم موسى، وبين الشيخ عمر عبد الرحمن وعبود الزمر، ولكن وسائل الإعلام وبعض القوى المعارضة تصدت لهذه المبادرة، وألقت باللوم على الحكومة عموما ووزارة الداخلية تحديدا، وقالت: كيف تضع الحكومة يدها في يد من أطلق الرصاص على المواطنين؟!.

وكان لافتا في هذا السياق أن الكاتب الصحفي وعضو الحزب الوطني الحاكم مكرم محمد أحمد، قد صرح في ندوة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية التي عقدت مؤخرا بمناسبة مرور 10 أعوام على المبادرة، أن حظر تشكيل الإسلاميين لحزب سياسي مكون رئيسي في \"صفقة المراجعة\" قبل عشر سنوات.

وقال الكاتب الذي كان طرفا في حوار الدولة وقيادات \"الجهاد\" و\"الجماعة الإسلامية\" في السجون: \"كان شرط إطلاق سراح الآلاف وإعادتهم إلى المجتمع، ووقف تنفيذ أحكام بالإعدام على آخرين ألا يقدموا على إقامة حزب سياسي أو جماعة دعوية، وأن يظل مصير كل فرد معلق بموقفه الشخصي الفردي ليس إلا\".

ولكن حديث الصفقة لا يصمد كثيرا أمام حقيقة أن المبادرة قد صدرت باقتناع ذاتي داخلي في صفوف القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية، خاصة المسجونين منذ عام ‏1981‏ نتيجة لعوامل ذاتية ومحلية وإقليمية ودولية، لا يتسع السياق لذكرها‏.‏

ويطرح الدكتور ضياء رشوان خبير الحركات الإسلامية (في صحيفة العربي 23 يونيو 2002) فكرة المقابل لهذه المصالحة أو الصفقة مع الجماعة الإسلامية متسائلاً: \"صفقة مقابل ماذا؟!\"، مشيرا إلى أن الأمريكان ربطوا بين الجماعة وتنظيم القاعدة، وهو ما يعني صعوبة إبرام الدولة المصرية صفقة معهم تغضب أمريكا.

3- رد فعل الإخوان المسلمين:

اعتبر المرشد الأسبق للجماعة، مصطفى مشهور (رحمه الله) أن مباركة موقف الجماعة الإسلامية ضروري؛ لأنها أعادت تصحيح الأخطاء حتى تخرج من كبوتها وتحافظ على شبابها من وحشة السجون والمعتقلات. وطالب نائبه مأمون الهضيبي (رحمه الله) الدولة باتخاذ خطوة مقابلة، معتبراً أن وقف الاعتقالات هو السبيل لوقف العنف نهائيا، وأن الكرة أصبحت في ملعب الدولة.

أما المرشد الحالي للجماعة، محمد مهدي عاكف، فقد قال (في حوار مع موقع الإسلام اليوم) \"إن المراجعات صدرت تأسيساً على رؤية ودراسة وفقه، ولا شك أن مسألة العنف الذي كانت تنتهجه الجماعات فتحت أبواباً كثيرة من الفتن، وأعطت الفرصة للبعض للتهجم على الإسلام ذاته، بزعم مكافحة العنف والإرهاب، ويكفي أنها أدت إلى إزهاق أرواح وإهراق دم بدون حق، وكنا نود أن تتم هذه المراجعات منذ زمن بعيد، .. ونسأل الله تعالى للشباب العاملين في حقل الدعوة التوفيق والسداد\".

ونجد تعاطياً مع المراجعات من جانب الدكتور عصام العريان، رئيس القسم السياسي في جماعة الإخوان، في مقال كتبه بموقع (إخوان أون لاين) بعنوان: \"العودة إلى منهج الإخوان – عشر سنوات على مبادرة وقف العنف\" يؤكد من خلاله أن الإخوان المسلمين أدانوا بصرامة كل الأخطاء التي وقعت من أعضائهم في اغتيال القاضي الخازندار والنقراشي باشا رئيس الوزراء، وحادثة محاولة نسف مبنى محكمة الاستئناف التي قال فيها حسن البنا يرحمه الله كلمته الشهيرة عنواناً لبيان: \"ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين\".

واعتبر العريان أن كتاب \"دعاة لا قضاة\" يعد أحد مراجع كتب المراجعات، خاصة المتعلقة بالتكفير، وأنه بحث فقهي شرعي حول أفكار تسربت إلى الصف الإخواني بفهم خاطئ لكتابات الأستاذ سيد قطب يرحمه الله، وإذا ما قورن بكتب المراجعات تبين البون الشاسع في الأسانيد الفقهية والمراجع التراثية والصياغة المحكمة الجيدة!.

وقال العريان: \"إن المبادرة لوقف العنف كانت وما زالت عملاً شجاعاً واعترافاً بالخطأ التاريخي الذي وقعت فيه الجماعة الإسلامية، أو بالأحرى الفخ الذي استُدرجت إليه، كما يقول بعض المحللين نظراً لاستهداف قيادات مثل د. علاء محيي الدين، وماجد العطيفي، مما تسبب في اندلاع موجة العنف الخطيرة الدموية التي استمرت عقداً كاملاً من الزمان (1987- 1997م).

وأضاف رئيس القسم السياسي بجماعة الإخوان: \"المراجعات والكتب التي صدرت عنها تعد نقداً ذاتياً جريئاً وعملاً فقهياً معقولاً، لكن ينبغي عدم وصفه بأكثر مما يستحق؛ لأن هناك الكثير من النقد الموضوعي لبعض القضايا، وهناك شكوك مازال بعض العلمانيين وقلة من الإسلاميين يثيرونها حول أمور لم تكن واضحة ... إلا أن كتب مراجعات الجماعة الإسلامية لم تحسم بعض القضايا، أو أن هناك من لم يزل غير مقتنع بها، ومن هذه الأفكار والمراجعات المطلوبة:

- نظرية دار الحرب ودار الإسلام، وأن أداة الحسم والتغيير الوحيدة القادرة على تطبيق الشريعة في مواجهة النظم الحاكمة وأيضاً في مواجهة العالم كله هي القوة العسكرية، وأن التنظيم الوحيد الذي يستطيع إنجاز المهمة يجب أن يكون سرياً لأن الديار القائمة هي ديار كفر.

والمراجعة المطلوبة هنا تتعلق بعدة أمور: التكليف الشرعي مرتبط بالقدرة والاستطاعة، فإن فقدها المرء سقط عنه التكليف، نظرية دار الحرب ودار الإسلام، فقه الخروج على الحاكم ومنهج أهل السنة والجماعة في تغليب عوامل الاستقرار والأمان على مسائل مظنونة قد تحدث وقد لا تحدث، مفهوم القوة واتساعه في الإسلام وعدم اقتصاره على القوة العسكرية.

- العقيدة ومعناها، وأنها المعيار الوحيد الذي يجب النظر به إلى الواقع والعالم، مما يعني تقسيم العالم إلى فسطاطين، كما يقول ابن لادن، والمراجعة المطلوبة هي شرح مفهوم الشريعة باتساعه، وأنها تشمل ما يتصل بالعقيدة والإيمان وما يتصل بالفقه والأحكام، وما يتصل بالسياسة الشرعية التي تضع نظرية المصالح في أولوياتها\".

4- التيار الجهادي:

على الرغم من ترحيب الإسلاميين ممن سبق اتهامهم في قضايا عنف بالمبادرة، واعتبارها تطوراً ايجابياً في مسيرة الجماعة الإسلامية، إلا أن اللافت هو اعتراض فريق منهم وخصوصا من أعضاء الجماعة بالخارج على مجمل المراجعات، فيما لفت فريق آخر إلى غياب البعد السياسي في تلك المراجعات، وتركيزها على التخلص من أخطاء الماضي دون أن ترسم منهجا لمستقبل الجماعة سياسياً ودعوياً.

فمن جهته أصدر محمد خليل حكايمة بيانا باسم \"تنظيم القاعدة في أرض الكنانة\"، نشره موقع \"الفردوس\" انتقد فيه المراجعات، معتبراً أنها تمت تحت ضغط السجن، \"وما هي إلا نتاج مشروع إستراتيجي للمخابرات المصرية\" بدأ قبل عشرة أعوام وأطلق عليه \"خطة الاستقطاب والحوار، أي اضرب بقوة ولكن في الوقت نفسه لا مانع من أن تحاور، ولكن شرط أن تستقطب أنت من تحاوره إلى ما تريده\".

وأطلق حكايمة على الإنترنت موقعاً معارضاً للمراجعات بعنوان: \"الجماعة الإسلامية – الثابتون على العهد\" وردت قيادات الجماعة عليه بالقول أنها لا تعرفه؛ لأنه من قيادات الصف الثاني في الجماعة الإسلامية.

ومن جهة أخرى أخذ فريق من الكتاب والباحثين والمحامين المقربين من الجماعة، مثل: جمال سلطان، وكمال حبيب، وممدوح إسماعيل، أخذوا على كتب المراجعات غياب الرؤية السياسية لدور الجماعة مستقبلاً، معتبرين أنها معالجات جزئية داخل تنظيم إسلامي لن يكون لها ثمار فعالة في الأجيال المقبلة في ظل مناخ سياسي غير ديمقراطي، وأن الجماعة لم تختط طريقا واضحا، بمعنى: هل تؤسس جمعية مثل جمعية أنصار السنة، أم تعمل بسياسة الباب الموارب كالإخوان المسلمين، أم تنشئ حزباً سياسياً.

ورغم ترحيب بعض القيادات المبدئي بفكرة المراجعة، مثل عبود وطارق الزمر، إلا أنهما تحفظا على بعض كتب المراجعات، وطالب عبود الزمر بعرض الكتب على الأزهر لأخذ رأيه، وهو ما تم بالفعل.

وتحفظ الزمر على المراجعات لعدم وجود المقابل فيما يختص بمصير ومستقبل حركة الجهاد، فالجماعة الإسلامية - حسب رأي هذا الفريق - توافقت مع الأجهزة الأمنية بعيداً عن باقي الجماعات، وتم الإفراج عن العديد من رجالها، ولهذا رفض عبود وطارق الزمر المشاركة في إعداد المراجعات أو إعطاء موافقة صريحة عليها حتى يتم التفاوض بشأن تيار الجهاد.


خدمات المحتوى
    زيارات 3032


حمدي عبد العزيز
تقييم
1.13/10 (5 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري