في
الإثنين 10 جمادى الثاني 1439 / 26 فبراير 2018

جديد الأخبار والمقالات

15-ذو القعدة-1430 04:03 PM

لعل البداية الحقيقية لمراجعات الجماعة الإسلامية كانت عقب انتهاء المحاكمات التي أدين فيها عدد من أعضائها باغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ورغم أنها لم تمتد إلى فكرة استعمال العنف كآلية للتغيير، إلا أنها أدخلت فقه الواقع في دراسة نتائج وآثار العنف بعد أن تمحور فكر الجماعة حول البحث عن \"المشروعية الدينية\" له.
وكانت فترة السجن بالنسبة لبعض القيادات دافعا للتشدد، فيما كانت بمثابة فرصة سانحة لقيادات أخرى للمراجعة وتمحيص الأفكار والقناعات، وخصوصا أن الصدام ومشاغل العمل التنظيمي منعتهم من إعادة التفكير وتحصيل قدر كافٍ من المعرفة المعمقة.

وهكذا.. بدأت المراجعة فعلياً بعد مقتل الرئيس السادات، ومن المفارقات التي تسترعي الانتباه أن جماعة الجهاد المعروفة بأنها أكثر تشدداً من الجماعة الإسلامية كانت صاحبة المبادرة بنقد أحداث أسيوط وتقييمها تقييماً شرعياً وواقعياً في آن.

وكان من الطبيعي أن يؤدي الصدام والعنف والعنف المتبادل بين الدولة والجماعة إلى تحرك الوساطات الحميدة، وخصوصا من جانب الإسلاميين في محاولة لإيقاف نزيف الدماء، حيث التقى وزير الداخلية اللواء عبد الحليم موسى وقتذاك بالدكتور عمر عبد الرحمن (مارس 1990)، طالبا منه أن يساعده لوقف أشكال العنف كافة، ورد الدكتور عمر عبد الرحمن - وكان آنذاك قيد الإقامة الجبرية - بمطالب محددة هي: تمكين الجماعة من الدعوة بحرية ورفع الحصار عنه حتى يتمكن من القيام بمهمته، ولكن فشل المسعى لأسباب لا يتسع السياق لذكرها.

وتلا ذلك مبادرة للوساطة من جانب الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه اللَّه) وتشكلت لجنة أطلق عليها \"لجنة الحكماء\" من علماء ودعاة وكتاب، وقام المحامي منتصر الزيات بنقل الرسائل بين لجنة الحكماء والقيادات التي كانت في السجن، وبعد حوالي ثلاث سنوات من المفاوضات، تخللها لقاءان بين لجنة الحكماء ووزير الداخلية، تم تحديد موعد لتلتقي اللجنة شخصية مهمة في رئاسة الجمهورية، وفي اليوم نفسه أقيل وزير الداخلية رغم أن الجهود كانت قد أسفرت عن نتيجة لم يتوقعها أحد، هي أن قيادات الجماعة الإسلامية والجهاد قرروا تفويض الشيخ الشعراوي والشيخ محمد الغزالي ليتخذا ما يريانه مناسباً من مواقف.

وتمثلت مطالب الجماعة الإسلامية والجهاد في: وقف المحاكمات العسكرية، والإفراج عن المعتقلين، ومنحهم حرية الدعوة، ولكن كل ذلك توقف بسبب رفض قيادات الجماعة في الخارج للوساطة، ووجود رغبة لدى جناح داخل الحكومة باستكمال \"نموذج الاستئصال\" الذي تتبعه المؤسسات الأمنية تجاه الجماعة.

وظهرت إشارات متكررة من الجماعة تدل على رغبتها في نبذ العنف والعودة إلى منهجها الدعوي السلمي، من أهمها ما صدر عنها في مارس 1995 في بيان ألقاه خالد إبراهيم، أمير الجماعة في أسوان أثناء مثوله أمام المحكمة العسكرية.

1- المبادرة .. التطورات والدوافع:

ثم كانت المفاجأة، عندما وقف محمد أمين في المحكمة العسكرية في يوم ه/7/1997، أثناء نظر القضية العسكرية المشار إليها، ليلقي بياناً مذيلاً وموقعاً بأسماء ستة من قادة الجماعة، يعلنون فيه إيقاف جميع العمليات العسكرية بالداخل والخارج، ووقف جميع البيانات المحرضة عليها دون قيد أو شرط ومن جانب واحد.

وكادت المبادرة أن تؤتي ثمارها، وتظهر آثارها منذ ذلك الحين، لولا حادث الأقصر (نوفمبر 1997) الذي راح ضحيته 58 قتيلاً من الأجانب، والذي اعتبرته قيادة الجماعة في السجون طعنة في الظهر، على اعتبار أن المبادرة بدت كوليد صغير تلقى ضربة قوية على رأسه، ففقد الوعي وكاد أن يموت!.

ومثل حادث القصر تعبيرا عن انشقاق في صفوف الجماعة تجاه مبادرة \"وقف العنف\"، ورغم استمرار عجلة المساعي التصالحية وإعلان قيادات الخارج عن تأييدهم للمبادرة في 28 مارس 1999، إلا أن اتجاها رافضا للمبادرة في الخارج قد تشكل، كما تضاربت الأنباء بشأن موقف الدكتور عمر عبد الرحمن، ونسب إليه الموقف ونقيضه.

وتوالت خطوات الجماعة الإسلامية في طريق وقف العنف والعودة للعمل الدعوى السلمي وكان أهمها:

1- الالتقاء بين قيادة الجماعة وبين أعضائها في السجون المختلفة لشرح المبادرة ودوافعها والحوار معهم بشأنها، وهو ما سمحت به الجهات الأمنية حيث تركت لقيادات الجماعة حرية الانتقال من سجن الوادي الجديد، مرورا بسجون الفيوم والعقرب والاستقبال وأبي زعبل ووادي النطرون، وصولا إلى سجن دمنهور وكان التفاعل بين الطرفين إيجابيا في عمومه إلا أنه أثر في جسد الجماعة عقب ذلك، حيث خرج كثير من الأعضاء من التنظيم عقب خروجهم من المعتقلات والسجون.

2- الحوار مع النظام من أجل تحقيق مطالب مشروعة، مثل: إطلاق سراح المعتقلين، ووقف إحالة أعضاء الجماعة للمحاكم العسكرية، وكفالة حرية العمل الدعوى، وقامت الحكومة فقط بوقف إحالة أعضاء الجماعة إلى المحاكمات العسكرية، وطالبتها بأن تصدر كتاباً يتضمن مراجعة للأفكار الأساسية التي بنت عليها موقفها من العنف، وبخاصة قضايا: شرعية قتال الدولة، وقتل المدنيين، واستهداف السياحة.

ورغم التحرك الحكومي البطيء لم تتوقف الجهود الداعمة لاتجاه التحول والعودة نحو العمل السلمي والدعوى، حيث أصدر قادة الجماعة الإسلامية مجموعة من الكتب (4 كتب) عام 2002م، تحت عنوان: \"سلسلة تصحيح المفاهيم\"، وهي دراسات شرعية مُوَثقة من الكتاب والسنة لتصحيح الأخطاء وتصويب بعض المفاهيم التي التصقت بالأذهان في السنوات الماضية والتي أدت إلى وقوع الأحداث الدامية.

وبرر الدكتور ناجح إبراهيم هذه المراجعات في رسالة إلى ندوة عقدها مركز الأهرام للدراسات السياسية بمناسبة مرور عشر سنوات على إطلاق المبادرة (ونشرها موقع الجماعة) بوجود عدد من الدوافع وهي:

1- أن القتال كان بين أبناء دين واحد، ووطن واحد، وهذه الدماء كانت تراق كل يوم بلا سند شرعي؛ نظرا لأن الشريعة قد صانت هذه الدماء وحمتها وحفظتها، إضافة إلى أن هذا القتال قد أفضى إلى مفاسد عظيمة، مثل توقف الدعوة إلى الله، وامتلاء السجون بخيرة شباب هذا البلد، وما نجم عنه من تشريد الأسر وضياع الأبناء.

2- الرغبة في وقف العنف والاحتراب الداخلي نهائياً، خصوصاً مع وجود سياسة إسرائيلية تهدف إلى الهيمنة على المنطقة، وإضعاف الدولة المصرية، وتهميش دورها، ولما كان الاحتراب الداخلي يساعد على ضعف الفريقين: الحركة الإسلامية والدولة معاً، رأينا وقف العنف نهائياً.

وأول خطوة على الحركة الإسلامية أن تقوم بها، ألا تحاول هدم سلطة الدول التي تحيا بها، وعلى الحكومات ألا تحاول هدم الحركات الإسلامية ما دامت لا تحاربها ولا تقاتلها ولا تصارعها، فهدم الفريقين هو بداية الهزيمة، وقوة الفريقين معاً هو بداية النصر.

3- تنامي الخطر الناشئ من محاولات بسط نفوذ الحضارة الغربية على حساب الهوية الإسلامية، انطلاقاً من مقولات: نهاية التاريخ، وصدام الحضارات، وكانت العمليات القتالية بمصر تصب في خانة تقوية قيم الحضارة الغربية على حساب القيم الإسلامية.

4- بروز سياسة حصار واستئصال الظاهرة الإسلامية، سواء كانت دولة أو حركة أو أقلية، وذلك على مستوى استراتيجيات القوى الدولية المناهضة للعالم الإسلامي، وكان استمرار العمليات القتالية يجعل المناخ مهيئاً لإتمام هذا الاستئصال أو إحكام الحصار بدعوى مواجهة ما يسمى بـ\" الإرهاب\" وما يسمى بـ \"الحرب الوقائية\" ضده.

5- قيام بعض دوائر أقباط المهجر بتوظيف الضغوط الدولية ضد مصر لتحقيق مكاسب غير مستحقة أو مشروعة، بدعوى أن الأقباط يتعرضون لعمليات تستهدفهم من الجماعات الإسلامية والحكومة تتستر على ذلك، وبالتالي مثل استمرار العمليات ذريعة يتذرعون بها لاستمرار الضغط والابتزاز.

6- احتدام الصراع بين دعاة الفكرة الإسلامية ودعاة الفكرة العلمانية، حيث ظهر جليا أن هناك بعض المعارضين للفكرة الإسلامية يوظفون العمليات القتالية في مصر لتحريض السلطات على كل ما هو إسلامي لإحراز النصر الحاسم على دعاة الفكرة الإسلامية، وكان واجباً علينا أن نحرمهم من هذه الفرصة.

7- أن استمرار القتال بين أبناء البلد الواحد يؤدي إلى اضطراب عظيم في المشهد الاجتماعي بمصر.

2- القائد والمنظر .. أهم رموز المراجعات:

أصدر اثنان من قادة الجماعة الإسلامية \"سلسلة تصحيح المفاهيم\"، وهما: أسامة إبراهيم عبد الحافظ، وعاصم عبد الماجد، وراجعها وأقرها القيادات التاريخية التالية: كرم محمد زهدي (رئيس مجلس شورى الجماعة)، وعلي محمد علي الشريف، وناجح إبراهيم عبد الله، ومحمد عصام الدين دربالة، وفؤاد محمود الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن عبد العظيم.

ثم تواترت الكتب الصادرة عن هؤلاء القادة، وخصوصا الدكتور ناجح إبراهيم، رئيس تحرير موقع الجماعة على الإنترنت، لتؤكد توصل الجماعة إلى قناعة تامة بتغيير فكرها القديم من قتال الطائفة الممتنعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وميثاق العمل الإسلامي، والاستحلال، والتكفير، والجهاد، إلى تحريم القتل والتمثيل بالجثث، وعدم التعرض للسائحين أو حرق محال الفيديو أو الاعتداء بالضرب على \"الفنانين‏\".. إلخ.

ويبرز من بين هذه القيادات الشيخ كرم زهدي (مواليد 1952) الذي سجن منذ اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات عام 1981، ثم أفرج عنه في 27 سبتمبر 2003، بعد قضائه 22 عاما في السجن.

وتقول الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة في فصل بعنوان: \"الجماعة الإسلامية بمصر\": إنه في عام 1979م التقى كرم زهدي - عضو مجلس شورى الجماعة - بالمهندس محمد عبد السلام فرج - العضو في أحد فصائل تنظيم الجهاد وصاحب كتاب الفريضة الغائبة - الذي عرض على زهدي فكر الجهاد، وأن الحاكم قد كفر، وخرج عن الملة، فوجب الخروج عليه وخلعه وتغيير النظام، ثم عرض عليه فكرة اشتراكهم مع التنظيم للتخطيط لإقامة الدولة الإسلامية.

عرض كرم زهدي الفكرة على مجلس شورى الجماعة في صعيد مصر الذي يرأسه الدكتور ناجح إبراهيم، فوافق المجلس على أن يكون هناك مجلس شورى عام ومجلس شورى القاهرة، وعلى أن يتولى إمارة الجماعة أحد العلماء الذين لهم مواقفهم الصلبة ضد \"الطاغوت\" وهو الدكتور عمر عبد الرحمن.

وتم إقرار تشكيل الجناح العسكري، وجهاز الدعوة والبحث العلمي والتجنيد، وتطبيق القوانين الإسلامية، وكذلك جهاز الدعم اللازم للحركة في مجالاته المتعددة.

ومن هذه اللحظة انفصلت الجماعة عن توجهات التيار السلفي في الدعوة بشكل عام تحت مسمى \"الجماعة الإسلامية\".

قاد زهدي عملية مراجعة داخل السجن للتخلي عن العنف وحمل السلاح، ورفض الصراع مع الدولة، وأدلى بتصريحات صحفية قدم فيها اعتذارا عن العمليات التي تبنتها الجماعة الإسلامية معربا عن استعدادها لتقديم الدية لضحاياها.

كما يبرز أيضا في قيادة الجماعة الدكتور ناجح إبراهيم، الذي يُعدّ المفكر والمنظر الرئيس للجماعة الإسلامية في مصر، وهو من مواليد محافظة أسيوط عام 1955م، وأقام في بندر ديروط، وحاصل على بكالوريوس الطب.

قاد ناجح بعض أفراد الجناح العسكري للجماعة الإسلامية في 8 أكتوبر 1981م في عملية الهجوم على مديرية أمن أسيوط، ومراكز الشرطة، واحتلال المدينة، ودارت بينهم وبين قوات الأمن معركة حامية قتل فيها العديد من كبار رجال الشرطة والقوات الخاصة، وانتهت بالقبض عليه وعلى كرم زهدي وعصام دربالة، والحكم عليهم في قضية تنظيم الجهاد بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة 25 عاماً.

وتقول إحدى الروايات: إن الدكتور ناجح قام أثناء الهجوم على مديرية الأمن بالبحث عن أحد زملائه في الثانوية العامة الذي تخرج ضابطا من كلية الشرطة، وقتله! ولكنه أصبح فيما بعد منظر الجماعة، وقاد بنفسه المراجعات نحو نبذ العنف والعودة للعمل الدعوى، مؤكداً على القاعدة الذهبية، وهي أن: \"الأصل في دماء المسلمين الحرمة، وعلى كل من يرغب في أن يجاهد في سبيل الله أن يحفظ تلك القاعدة الذهبية التي جاء بها الشرع الحنيف وتواتر عليها علماء الأمة وأجمع عليها السلف والخلف\".


خدمات المحتوى
    زيارات 3579


حمدي عبد العزيز
تقييم
1.63/10 (9 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري