Warning:
/* = == == == == DIMOFINF PHP ERROR MESSAGE == == == == = *\
| Number : [2]
| String : [ مراجعات \"الجماعة\" و\"الجهاد\".. انقلاب وهمي - شبكة الأمن الفكري
 
 
في
الثلاثاء 7 رمضان 1439 / 22 مايو 2018

جديد الأخبار والمقالات

15-ذو القعدة-1430 02:07 PM

حظيت المراجعات الفكرية الأخيرة لتنظيم الجهاد في مصر باهتمام كبير في أوساط المراقبين والمهتمين بقضايا العمل الحركي الإسلامي. وهو الاهتمام نفسه الذي لقيته مراجعات \"الجماعة الإسلامية\" التي بدأت بمبادرة وقف العنف الشهيرة في عام 1997، وانتهت إلى الإفراج عن قادتها ومعظم أفرادها.
ورغم الترحيب بمثل هذه المراجعات والمبادرات وتثمينها، فإنه لا يمكن التعويل عليها كثيرًا في قضية وقف العنف المؤسس على مرجعيات إسلامية، بل -رغم أهميتها- لا تتجاوز الدلالة الرمزية التي تشير إلى إمكانية تحول تيار أو تنظيم عنيف إلى تيار نابذ للعنف يلتزم السلمية، إضافة إلى الدلالة على قدرة الدولة -وهي الأجهزة الأمنية في حالتنا- على إدارة هذا التحول وضبطه والتحكم فيه.

إن تحليلاً شاملاً للحالة الإسلامية في مصر في ربع القرن الأخير -بما فيها التنظيمات الكبيرة التي تبنت العمل المسلح- يدفع إلى الذهاب إلى القول بأن مراجعات التنظيمين الإسلاميين الأهم في تاريخ المواجهة مع النظام المصري لا يمثل أهمية كبيرة في استشراف مستقبل العنف \"الإسلامي\" في مصر.

image
صورة أرشيفية لمحاكمة قياديي تنظيمي
الجماعة الإسلامية والجهاد


تراجع العمل التنظيمي للحركات العنيفة

فالواقع يقول إننا -في حالة الجماعة ثم الجهاد- أمام تنظيمات تم تجاوزها واقعيًّا ولم يَعُد لها من التنظيم إلا الاسم وماضٍ من العمل \"الجهادي\" نجح زمنًا في إزعاج النظام وإرباكه، دون أن يعصف باستقراره أو يغير من وجهته الأساسية.

فمعظم أعضاء هذين التنظيمين قد جاوزوا الخمسين من العمر، أي يندر بينهم العناصر الشابة، كما أن غالبية هؤلاء الأعضاء -خاصة القيادات منهم- ممن بقوا في السجون أكثر من عشرين عاماأو يزيد انقطعوا فيها عن العالم وضعفت صلاتهم أو انعدمت تقريبًا بالأجيال الجديدة التي يمكن أن يعوّل عليها في ممارسة العنف أو خوض معارك جهادية ضد النظام.

إن التأثير الذي لقادة \"الجماعة\" و\"الجهاد\" في القواعد الإسلامية التي لديها قابلية الإيمان بأفكار العمل المسلح لا يجاوز الرمزية التاريخية التي قد تكون لها أهميتها في الترويج لبعض القناعات والأفكار، لكنها لا تمثل وزنًا معتبرًا على مستوى التعبئة الأيديولوجية، فضلاً عن المستوى الميداني.

إن عشرين عامًا كاملة من المواجهات والملاحقات الأمنية، والمحاكمات القاسية، والتضييق التام والمستمر على مؤسسات وقواعد هذين التنظيمين قد أتى ثماره وقضى -تقريبًا- على البنى الاجتماعية التي كانت تمثل رافدًا يتغذى منه التنظيمان.

لقد أصبحنا إزاء تنظيمات أنهكت واستنزفت، ولم يَعُد التوقف عن العنف لديها إلا تحصيل حاصل لنهاية قدرتها على العنف المنظم. وبالتالي لم يَعُد وقف العنف رهنًا لقرار أو مراجعة أو مبادرة، دون التشكيك في صدق هذا كله؛ بقدر ما هو إفراز لواقع جديد: أنها لم تَعُد قادرة على ممارسة العنف.

الأهم مما سبق في تحليل تأثير هذه التنظيمات على العنف هو ما نرصده من تراجع دور التنظيم أو المؤسسة في الفعل الديني عامة في السنوات العشر الأخيرة في مصر. فالحاصل أننا نلحظ أن الحالة الإسلامية مع استمرار فاعليتها ونشاطها، تغيرت تمامًا فيما يشبه الانقلاب، حيث لم يَعُد الفاعل الأول فيها التنظيمات أو الجماعات (المؤسسة) وإنما تحولت باتجاه دور أقوى وتنام للفردانية أو النموذج الفردي في التدين.

لقد شهد العقد الأخير تنامي ظواهر ما نسميه بالدعاة الجدد والدعاة المستقلين والمفكرين الإسلاميين المستقلين وتصاعد نفوذهم وتأثيرهم في الحالة الإسلامية، بأكثر مما كان عليه قبل عقدين وبأكثر من تأثير الحركات والتنظيمات الإسلامية التي كانت تحتكر المشهد الإسلامي قبل هذا الوقت.

قبل عقدين لم يكن بإمكان الشاب المتدين أو الساعي للتدين أن يلج إلى التدين إلا بعد أن يمر عبر بوابة التنظيم الإسلامي؛ أيًّا كان توجه هذه التنظيم وأفكاره، وكان يندر أن يلتزم شاب (وحده) ومن دون جماعة أو تنظيم إسلامي، سواء أكان سلميًّا (كالإخوان المسلمين) أو جهاديًّا (كالجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد)، بل كان الانتماء لتنظيم والعمل فيه أحد أهم أركان العمل الإسلامي ومن أبجدياته.

لقد كانت \"التنظيمية\" هي أهم سمات العلاقة بين الفاعلين الإسلاميين الذين كان لا بد أن يؤطروا في بنية تنظيمية معينة. لذا فقد ظلت الجماعات والتنظيمات الإسلامية تتسيد المشهد الديني وتتحكم في مساره طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات وحتى النصف الثاني من التسعينيات.

لكن سطوة التنظيم أو المؤسسة الدينية تراجعت لأسباب كثيرة ومختلفة، منها: الصدام العنيف بين الجماعات الإسلامية والنظام (سواء الصدام المسلح كما في حالة الجهاد والجماعة، أو الصدام السياسي القانوني كما في حالة الإخوان)، وإكمال الدولة هيمنتها وإحكام قبضتها على المؤسسة الدينية التي صارت تابعة لها بشكل مباشر ومهين!.

تغير المشهد الديني في مصر إذن لجهة تراجع دور المؤسسات الدينية، سواء الرسمية مثل الأزهر والإفتاء والأوقاف أو غير الرسمية مثل الجماعات والتنظيمات الإسلامية على اختلافها، وبرزت أنماط التدين الفردي الذي لا يتطلب الارتباط بعلاقة مؤسسية من أجل الدخول في تجربة الالتزام الديني، بل يقوم على التعامل المباشر مع ما يمكن تسميته \"سوق العرض الديني\" الذي أصبح متعددًا ومتاحًا، دون فرض نموذج بعينه أو إعطائه صفة إلزامية.

وعلىعكس ملتزم حقبة السبعينيات والثمانينيات، يمكن للملتزم الجديد أن يدخل في تجربة التزام ديني (سلمي أو جهادي) ويعيشها كاملة دون ارتباط مباشر بواحد من التنظيمات الإسلامية التاريخية أو الفاعلة في مصر. بل صار واردًا ألا يحتاج إليها أو يرتبط بها يومًا ما في حياته، وهو لن يفتقد الزاد الديني أو الأيديولوجي اللازم لتأطيره (سلميًّا أو جهاديًّا) في ظل التدفق الهائل للعرض الديني من المعلومات والأفكار والذي تتيحه له صورة المعلومات وتطور وسائل الاتصال (الفضائيات والإنترنت)، وتنوعها بشكل مذهل يسمح بالحصول على الأفكار التي تناسبه وتقترب منه.

من العنف المنظم إلى العشوائي

لم تَعُد التنظيمية هي أساس العلاقة بين الفاعلين الإسلاميين، بل تراجعت إلى حد كبير، سواء داخل العمل الإسلامي عامة أو حتى داخل الجماعات والتنظيمات الإسلامية التي صارت أكثر ميلاً للتخفيف من قبضتها التنظيمية وللانفتاح أكثر على غيرها، كما تحولت بعض هذه الجماعات إلى أيديولوجيا مفتوحة تتجاوز الإطار التنظيمي المغلق في بعض الأحيان (كما في نموذج القاعدة)... لقد دخلنا مرحلة ما يسمى بالعلاقة الشبكية بين الفاعلين الإسلاميين والتي تتجاوز التنظيم المغلق إلى الشبكية المفتوحة التي تتراجع فيها سطوة التنظيمات على الأفراد.

إن فهم ما جرى من تغير في الحالة الدينية في مصر يوضح أن ثمة مبالغة في النظر إلى نتائج مراجعات \"الجماعة\" و\"الجهاد\"، أو أن من شأنها أن تسجل نهاية للعنف في مصر. فهذه الجماعات ليس لها وجود حقيقي في الشارع كما ليس لها سيطرة حقيقية على الفاعلين الإسلاميين المقتنعين بأيديولوجيا العمل المسلح والذين سيجدون لهم فضاءً واسعًا يلتمسون منه زادهم الروحي والأيديولوجي.

العنف رهن بوضعية إحساس عميق بالأزمة يعانيه الفاعل الإسلامي، يتمثل داخليًّا في حالة الانسداد السياسي المزمن في البلاد بلا أفق لانفراجة قريبة، وخارجيًّا في حملة أمريكية استعمارية جديدة على المنطقة وعلى العالم الإسلامي، وهي أوضاع لم تتغير بعد وليس في نهاية نفقها ضوء.

ومن ثَم يبقى العنف واردًا. لكنه لن يكون عنفًا تنظيميًّا تقوم به تنظيمات إسلامية كبرى داخل البلاد، بل سيكون حالة غير تنظيمية أقرب إلى العنف الفردي أو المحصور في خلايا صغيرة تجمعها علاقات اجتماعية أو مهنية. وهو ما رأيناه في معظم عمليات العنف الأخيرة في مصر (تفجيرات سيناء والأزهر...) التي قامت بها مجموعات صغيرة لا صلة تنظيمية مؤكدة لها بالتنظيمات الإسلامية المعروفة والكبيرة في مصر، لكنها أقرب أيديولوجيًّا من فكر تنظيم القاعدة، من دون روابط تنظيمية مباشرة.

ويجوز القول إن الجيل القادم من حملة السلاح لن يتأثر كثيرًا بهذه المراجعات على أهميتها، وسيبقى متشككًا فيها رافضًا لها، خاصة أنها جرت في سياق يعزز لديه احتمال الإكراه أو التنازل. وسيظل أبناء هذا الجيل أقرب إلى الدكتور فضل (الاسم الحركي لمنظر تنظيم الجهاد ورفيق أيمن الظواهري قبل الاعتقال) منه إلى سيد إمام علي (بعد أن عاد إلى اسمه الحقيقي وقاد المراجعات)، وسيحتفظ هؤلاء بكتاب \"العمدة في إعداد العدة\" دستورًا للعمل الجهادي، في طبعته أو طبعاته القديمة قبل زمن المراجعات!!.


--------------------------------------------------------------------------------

حسام تمام - صحفي وباحث مصري.
إسلام أون لاين .


خدمات المحتوى
    زيارات 2096


حسام تمام
تقييم
1.32/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري