في
الجمعة 6 ربيع الأول 1439 / 24 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

14-ذو القعدة-1430 11:39 AM

يستحق الاهتمام والدراسة برنامج «المناصحة» السعودي، الذي خضع له الموقوفون على ذمة الارتباط بأفكار تنظيم القاعدة واستهدف تصحيح أفكارهم وتطبيع علاقاتهم مع المجتمع، الذي خاصموه واتهموه وانقلبوا عليه. لذلك لم أستغرب ما قرأته في «الشرق الأوسط» (في 8/8) عن متابعة احدى اللجان الدولية للتجربة، وسعيها للحصول على معلومات وافية عن البرنامج الذي أعدته السلطات السعودية في هذا الصدد، للإفادة منه في الجهود العالمية الرامية إلى مكافحة الإرهاب. وحسب الكلام المنشور فإن المملكة تلقت رسالة بهذا المعنى من منسق فريق الرصد التابع للجنة العقوبات التي شكلها مجلس الأمن، ريتشارد باريت، وهي المنوط بها جمع المعلومات من الدول المختلفة للوقوف على خبراتها في التصدي لما يسمى بالفكر القاعدي.

فيما نشر أيضا إشارة إلى أن البرنامج ترعاه وزارة الداخلية السعودية، التي أنفقت على تنفيذه قرابة عشرة ملايين ريال، في حين أنفقت على الموقوفين الذين أطلق سراحهم (عددهم 700 شخص) حوالي 76 مليون ريال، وليست هناك تفصيلات مذكورة عن البرنامج، باستثناء أن أربع لجان فرعية تتولى تنفيذه، واحدة علمية، وأخرى نفسية اجتماعية، وثالثة أمنية، والرابعة إعلامية. أما العناصر المشاركة في التنفيذ فتضم 160 عضوا من المختصين بالعلوم الشرعية، و40 من المختصين بعلم النفس والاجتماع. وهؤلاء يتولون دراسة كل حالة، للتعرف على أفكار الشخص وقناعاته، ثم على ظروفه الاجتماعية والنفسية، والأسباب التي دفعته الى تبني الفكر القاعدي. وفي ضوء هذه المعلومات يتعاملون مع الحالة بما يساعد الشخص على تصحيح أفكاره وتصويب علاقته بالمجتمع. ويفهم قارئ التقرير المنشور في هذا الصدد أن برنامج المناصحة يخضع لعملية تطوير مستمرة، في ضوء النتائج التي يحققها أولاً بأول.

لا أستطيع أن أرصد على وجه الدقة الفرق بين برنامج المناصحة السعودي، وفكرة «المراجعات» التي ظهرت في مصر خلال السنتين الأخيرتين، وهي التي استهدفت تصحيح أفكار حركتي الجماعة الإسلامية والجهاد، اللتين قامتا بعمليات العنف والارهاب في مصر في الثمانينات وأوائل التسعينات، إذ رغم أن الهدف واحد وهو تصحيح الأفكار، ألا أن عملية التصحيح في التجربة السعودية قام بها الخبراء الذين عينتهم الدولة، في حين أنها في التجربة المصرية تمت بواسطة الموقوفين أنفسهم الذين راجعوا أفكارهم وفندوها، ثم عدلوا عن أهمها، وأثبتوا ذلك العدول في عدة رسائل تم طبعها وتوزيعها. وليس لوزارة الداخلية دور ظاهر في العملية، لكن الثابت أنها كانت تتابع هذه الحوارات عن كثب، وأنها شجعتها ويسرت للراغبين في المراجعات ما احتاجوه من كتب ومصادر، كما يسرت لهم التجول في السجون المختلفة لمناقشة قيادات وقواعد الحركتين الذين توزعوا عليها.

صحيح أن ثمة خلافاً بين فكر القاعدة والفكر الجهادي في مصر، الا أن هذا الخلاف في الدرجة وليس في النوع، فالأول في صيغته الأخيرة يعتبر العمليات الانتحارية نهجا في العنف، كما أن اشتباكه ليس مع الأوضاع القائمة داخل البلد فحسب، ولكنه ممتد الى «الصليبيين والصهاينة»، كأنه مشتبك مع الغرب كله. ولكن الفكر الجهادي المصري تعامل مع العمليات الانتحارية كاستثناء وليس قاعدة، كما أنه حصر معركته ضد الاوضاع القائمة داخل البلد، ولم يعرف أنه وسعها إلى الحدود التي ذهب اليها فكر القاعدة. ففضلاً عن ذلك فبوسعنا ان نرصد نضوجاً فكرياً لدى عناصر «الجهاديين» اكبر منه وأرسخ عن «القاعديين». وذلك يقودنا الى ملاحظة أخرى هي أن المراجعات بين الجهاديين المصريين تمت على مستوى القيادات المؤسسة، في حين أن المناصحة التي تمت في التجربة السعودية حققت مرادها على مستوى القواعد، وهو ما يعني ان الشوط لا يزال طويلاً أمام الجهد السعودي لإنجاز التصويب المطلوب.

برغم هذا التباين، فإننا نلاحظ على الجانب الآخر أن تفكير أجهزة الداخلية والأمن المعلن في السعودية والمبطن في مصر اتجه الى التعامل مع الافكار، ولم يكتف بالأساليب الأمنية المعتادة (التوقيف والمحاكمة). وذلك توجه محمود لا ريب. نلاحظ ايضاً ان جهد التجربة السعودية تجاوز تصحيح الأفكار إلى التعامل مع الاوضاع الاجتماعية للموقوفين، انطلاقاً من أن الاقتناع بالصلة الوثيقة في بعض الاحيان بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية (البطالة والعجز عن تكوين أسرة والإنفاق عليها مثلا) وبين التحولات الفكرية، وهو مدى لم تذهب إليه الخبرة المصرية في هذا المجال. وان كنت قد سمعت معلومات غير مؤكدة عن دور لأجهزة الأمن في مساعدة بعض أسر المحكومين، أملا في أن يكون ذلك عاملاً مساعداً على تهدئة خواطرهم والحفاظ على توازنهم النفسي.

إن جاز لي أن أسجل ملاحظات أخرى على هذا النهج، مستفيدا في ذلك من خبرة ثلاثة عقود على الاقل في التعامل مع ذلك الملف الشائك، فانني أوجزها فيما يلي:

* إن قضية أمن كل مجتمع تتجاوز بكثير قدرة اجهزة الامن، وذلك لا يقلل من دور تلك الأجهزة بطبيعة الحال، وإنما المقصود ألا يترك شأن مكافحة التطرف والإرهاب لهذه الأجهزة وحدها. ذلك أن جهد المناصحة السعودي بخبرة المتخصصين في العلوم الشرعية وعلم النفس والاجتماع، وليس من شك أن الثقافة السائدة وسلوك السلطة في تعاملها مع المجتمع، لها دورها في إذكاء التطرف أو إضعافه ومحاصرته. من هذه الزاوية فإنه يتعين الانتباه إلى أهمية التعليم والإعلام في تكوين الشخصية وصياغة الادراك العام. كما أن النموذج الذي تقدمه السلطة في تعاملها مع المجتمع يربي الناس في هذا الاتجاه أو ذاك، فهناك نموذج يربي الناس على التسامح واحترام الآخر، وهناك نموذج آخر لا يخاطب الناس إلا بلغة المصادرة والقمع، ولكل نموذج غرسه وحصاده.

* ان مناصحة الموقوفين وتصويب أفكارهم انجاز مهم للغاية، ولكن المناصحة تظل مطلوبة لأولي الأمر ايضاً، لأن سلوكهم وسياساتهم لها دور في توجيه المجتمع وتشكيل منظومة القيم السائدة في المجتمع. وكما أسلفنا تواً، فإن انحيازهم إلى التسامح واحترام القانون ورعاية حقوق الإنسان يعلي من شأن هذه القيم بما يشيع بين الناس مختلف الخصال السياسية والاجتماعية الحميدة التي نصبو اليها، بقدر ما أن انحيازهم إلى التسلط وإهدار القانون وانتهاك حقوق الانسان يربي الناس على سلوك مناقض للأول تماماً.

* إن مخاطبة الموقوفين تحل جزءاً من الإشكال، من حيث انها تتعامل مع من عرفوا بانحراف أفكارهم أو اشتبه في أمرهم. إن شئت فقل انهم يمثلون الجزء الظاهر من جيل الأزمة، ولكن يتعين الانتباه الى أن الحركة تظل مطلوبة خارج هذه الدائرة، وأعني بذلك العناصر المجهولة المعبأة بمشاعر السخط والغضب، والمرشحة بقوة للالتحاق بأي تنظيم متطرف أو إرهابي. وهؤلاء المجهولون هم «الاحتياطي الاستراتيجي» لمشروعات التطرف والارهاب، الذي لا يمكن القضاء عليه إلا من خلال الجهد الموازي المبذول على صعيد الثقافة السائدة، والمتمثل في السلوك السياسي والمناخ العام يفرزه.

* اننا في التعامل مع التطرف والارهاب يجب ان ننطلق من تحليل امين للواقع للتعرف على محاضن ذلك الجنوح ونطاقه، وهذا الواقع يختلف باختلاف كل مجتمع، سواء في تركيبته التاريخية أو وضعه الجغرافي، أو ظروفه الثقافية والاقتصادية والسياسية، ولذلك يتعذر استنساخ تجارب مكافحة الجنوح الفكري، التي قد تحقق نجاحاً في بلد في حين تمنى بفشل ذريع في بلد آخر. يكفي في ذلك أن مفهوم التطرف ذاته يختلف من بلد الى آخر. فالانتظام في أداء الصلوات بالمساجد في بعض الأقطار العربية يوفر شبهة التطرف، كما أن الحجاب أو النقاب من قرائن التطرف في أقطار أخرى (تونس مثلا).

* إننا حين نتحدث عن التطرف فإن الأذهان تتجه مباشرة الى سلوك الأفراد والجماعات. وفي أغلب الحالات فإن الجميع ينسون أو يتجاهلون تطرف الأجهزة والأنظمة، الذي كثيراً ما يكون سبباً لتفجير طاقة السخط والغضب لدى بعض قطاعات المجتمع، ومن ثم يحدث رد فعل مواز من جنسه. واذكر أنني كتبت في أعقاب القصف الأمريكي العنيف لأفغانستان والعراق، أن نظامي طالبان وصدام حسين كانا متطرفين فعلاً بصورة أو أخرى، ولكن الذي فعلته بهما الولايات المتحدة لم يكن اعتدالاً بأي حال.

* إن ثمة انشغالاً بالتطرف والارهاب وهو أمر مفهوم ومبرر، بل انشغال ضروري، لكن الاكتفاء به ليس من الحكمة او الحصافة في شيء، لأنه يتعين الانتباه الى ان تيسير قنوات الاعتدال وفتحها على مصراعيها أمام الجميع، هو الجهاد الأكبر على ذلك الصعيد. ومن أسف ان التركيز على التطرف غيب هذه الحقيقة. وفي التجربة المصرية درس مهم في هذا السياق، ذلك ان عناصر الجهاديين الذين اطلق سراحهم بعد المراجعات عدلوا عن العنف حقاً، لكنهم لم يجدوا بعد خروجهم بديلا ينخرطون فيه، ويعرضون من خلاله حماسهم وطاقاتهم الراغبة في المشاركة في العمل العام. وأخشى ما أخشاه أن يجد بعضهم أن أبواب المشاركة السلمية مغلقة في وجوههم، بحيث تصبح العودة الى العنف هو المنهج الوحيد المتاح لهم.

إنني لا أمل من التذكير بمقولة فقهائنا الذين قالوا ان محاربة الحرام لا تتم بحظره والتحذير من مغبته، وانما يتم انجازها على نحو افضل بتيسير الحلال أمام الناس.

[HR]

نقلاً عن جريدة الشرق الأوسط .


خدمات المحتوى
    زيارات 2125


فهمي هويدي
تقييم
2.07/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري