في
الخميس 5 ربيع الأول 1439 / 23 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

13-ذو القعدة-1430 03:07 PM

هذه الورقة لا تتجاهل ضرورة تشخيص الواقع، ولا أهمية استصحاب التجربة التاريخية على الإطلاق، ولكنها تفضل أن تضع نفسها في هذا الحيز بتقديم خطوط عريضة لرؤية جديدة تقرأ تحديات المستقبل الآتي بعلمية وموضوعية، وتطرح الرد الإسلامي عليها، وتحدد مهام المرحلة المقبلة، وتبتدع الآليات الحركية المناسبة التي ستضطلع بإنجازها، آخذة في الاعتبار أن الأزمة الحقيقية ليست في استشراف المستقبل وتحدياته، أو في كيفية تنظيم الجهود والطاقات، بل الأزمة الحقيقية هي الروح الجديدة التي يمكن أن تلهب وجدان الأمة وتفجر طاقاتها الإيمانية الكامنة، وتحول قناعاتها إلى حركة فاعلة، وعطاء لا يفنى.

نسير في كل هذا مسترشدين بمصادر الدين ومرجعياته وثوابته، ومستصحبين تراث العمل الإسلامي وتجاربه، ومدركين لواقع المجتمع، وما أحاط به من تطورات ومتغيرات.

ونصدر في كل هذا عن قناعة راسخة بأن الرؤية الصائبة، والتي تستطيع أن تقنع جماهير الأمة بقضاياها الملحة، عقدية كانت أم تاريخية، وترفع درجة الوعي لديها بخطورة هذه القضايا وأولوياتها، وبسلامة طرحها في مواجهة هذه القضايا، وردها على ما تشكله من تحد عملي.. مثل هذه الرؤية وحدها هي التي يمكن أن تلتف حولها الجماعة، وهي وحدها التي يمكنها أن تلهم نضالها وجهادها.

إن أي محاولة لحشد الجماعة حول هياكل فارغة تفتقر للرؤية الشرعية الصحيحة، والتاريخية السليمة، لا يمكن أن تصنع حركة جادة وفاعلة. وإن أي قيادة كارزمية لا تملك مثل هذه الرؤية لن تستطيع - مهما عظمت قدرتها القيادية - في بعث الحركة والحياة في الجماعة.

قضايا المستقبل وابتلاءاته

بناء المنهجية الراشدة:

إن عملنا الفكري افتقد المنهجية التي تضمن في الأساس سلامة التصور والتفكير، ومن ثم وحدة الفكر ووحدة الجماعة، فالفكر الإسلامي من محمد عبده إلى حسن البنا والمودودي كان يلتزم منهجا متميزا، وقد أجمله حسن البنا في رسالتيه \"المؤتمر الخامس والتعاليم\"، والتي قصد بهما جمع الأمة على عقيدة واحدة ومنهج وسط، لكن اليوم نجد الحركة قد تشعبت في مدارس فكرية متعددة ومتشاكسة في كثير من الأحيان، فهناك السلفي والصوفي... وغيرهم، والذين ينتمون بدورهم إلى عشرات المدارس.

وضاع كذلك التفكير الشمولي الذي يرى الحركة روحا جديدة تسري في المجتمع بأكمله، فتحرك طاقات في كل المجالات، والإرث المنهجي للحركة الإسلامية بمفهومه الواسع عند وضعه في ميزان المقارنة بالتراث الفقهي نجد أن أصحاب أئمة الفقه قد استطاعوا تقعيد قواعد كلية باستقراء رؤية الإمام من آحاد المسائل، وأسسوا بذلك ما اتفق عليه المسلمون بـ\"المذاهب الفقهية\"، وحاجة الحركة الإسلامية السودانية إلى إنتاج منهج فكري من خلاله تقدم إجابات لأسئلة الواقع وتحدياته أصبحت ضرورة ملحة، ولا يعفي الحركة الاستناد إلى العموميات التي أطلقها رواد الحركة الأوائل.

دعوى التعددية:

أطلقت الحركة الإسلامية دعوى التعددية لتأكيد سماحة الإسلام واعترافه بالآخر، وهذه الدعوى - على صحتها - لم تأخذ في الاعتبار السياق التاريخي للواقع السوداني، ووضع المسلمين في السودان، ووضع الحركة نفسها لم يكن يسمح بمواجهة متكافئة للتحديات التي أطلقتها هذه الدعوى في وجهها، ولم تدرك الحركة أن وصولها للسلطة عن طريق انقلاب عسكري قد اختصر عليها برنامجها الذي اعتمدته سلفا في تغيير المجتمع حتى تصبح الحكومة تعبيرا تلقائيا عن واقع إسلامي راسخ في كافة مجالاته الروحية والثقافية والحياتية، وفي كافة طبقاته وفصائله.

كان الواقع السوداني المتخلف عن الدعوة لا يزال أكبر من طاقات الحركة في استيعاب آثار دعوى التعددية، فلما انفكت الصيغة القديمة (بوتقة الانصهار) نتجت حالة من التفكك، لم تصحبها عملية ترشيد بإعادة صياغتها في سياق النظام الاجتماعي الإسلامي، ولم تقدر الحركة أو الدولة على استيعاب هذا الانفلات ضمن برنامجها، فتحركت القوى المعادية، واستخدمت هذا الوضع ضد حركة الإسلام، وضد الوطن، كما هو ماثل في الحركات الجهوية والإثنية الناشطة في أقاليم البلاد.

الفيـدرالية:

يلحق بذلك الخطوة الجريئة بطرح الفيدرالية، والتي أخذت من منظورها الدستوري السياسي، ولم تدرس ولم ترتب جيدا في نواحيها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية، فأحدثت ارتباكا أظهر ضعف الدولة بدلا من قوتها، وغذى النزاعات الجهوية بدلا من استيعابها، وعمق الأحقاد ضد المركز بدلا من تبديدها، وأصبح هذا واقعا يصعب تجاوزه إلا برؤية وحركة جديدة، تستطيع بناء فيدرالية مرة أخرى بالشكل الذي تستعيد به المبادرة من القوى الانفصالية، ويوظفها في مصلحة الوحدة والتناغم الوطني، ويسحب البساط من القوى القديمة المستغلة ويودع مقاليدها لقيادة قوى إسلامية محلية تحفظ خصوصية الجهة والانتماء، وتنظمها في منظومة الأمة الواحدة والوطن الواحد.

التعددية الدينية والفتن الداخلية

التعددية الدينية:

هذه بصفة خاصة تمثل تحديا وإشكالية فكرية للحركة الإسلامية الحديثة، فالسيطرة العلمانية الممتدة على المجتمعات الإسلامية طوال العقود الماضية روجت مبدأ المواطنة بالشكل الذي جعل تطبيق الشريعة الإسلامية على المستوى الرسمي يثير حفيظة الأقليات، بدعوى أن النظام الإسلامي يجعل من غير المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية، ثم يصبح هذا مدخلا لإثارة الفتن الداخلية، وثغرة للتدخل الخارجي.

فكيف يستطيع الفكر الإسلامي أن يطرح الرؤية الإسلامية بالشكل الذي يجعل غير المسلم في المجتمع الإسلامي يشعر - كما كان في السابق - بالأمن والاعتراف والمشاركة، وأن يحقق مواطنته الكاملة في داخل المجتمع الإسلامي، والنظام الإسلامي؟ هذا تحد كبير، ومن الواضح أن الإجابات القانونية النظرية التقليدية وحدها لا تجيب عنه، وأن تجديدا في الطرح يلتزم مبادئ الشريعة ويستوعب مستجدات المشكلة هو المطلوب الآن.

تآكل الكيانات القديمة والفوضى الاجتماعية:

مجتمع القبيلة والطريقة والقرية هي كيانات تأسست وتطورت بعد تجربة اجتماعية طويلة ومواجهة مستمرة مع مشكلات الحياة الحقيقية في الريف وفي الحضر السوداني التقليدي، وقد حافظت هذه الكيانات - رغم بدائيتها - على ثقافة المجتمع وتقاليده وأخلاقه، ونسيجه الاجتماعي ونظمه الاجتماعية والقيمية، وكان الفرد يشعر بالأمن الاجتماعي الكامل بحكم عضويته في أي من الكيانات التي ينتمي إليها.

ولم يكن للدولة دور يذكر على مستوى الحياة اليومية، فالأمن والتعليم والضمان الاجتماعي كله محفوظ بواسطة المجتمع المدني، لكن الكوارث التي ضربت الريف من جفاف وتصحر وانهيار في القطاع الزراعي والحيواني والغابي، وتفشي المجاعة والعطش، وانفلات الأمن تبعا لذلك؛ أدى إلى الهجرة إلى المدن، فتفككت الكيانات الاجتماعية القبلية والعشائرية والقروية، وفقد الفرد بالتالي الدعم الاجتماعي والنفسي الذي كان يلقاه من مجتمع القرية أو القبيلة، ووجد نفسه غريبا وحيدا في مجتمع المدينة، وهو غير مؤهل لمعارك الحياة فيها، فتعرض لأزمات نفسية واجتماعية طاحنة، وانعكس ذلك على المجتمع كافة، كما نشاهد ذلك في مجتمع المدينة اليوم.

إذن الأطر التي كانت تحفظ القيم الاجتماعية السليمة ذات الجذور الإسلامية تحطمت أو تكاد، ولم تنشأ أطر جديدة تستوعب وتوجه هذا الحراك الاجتماعي الهائل، وقد وجدت الكثير من التيارات الضارة فرصتها للصيد في هذا الماء العكر، ومرة أخرى برز عجز الحركة/ الدولة في أداء دورها، وأصبح هذا تحديا آخر أمام أي حركة جديدة.

التحولات الاقتصادية:

خاصة تلك التي صاحبت الانتقال لاقتصاد السوق من الاقتصاد الموجه وإطلاق مشروع الخصخصة؛ ليحل القطاع الخاص محل القطاع العام، فأدى ذلك إلى تلاشي وجود الطبقة \"الوسطى الدنيا\"، وبانضمام الجزء الأكبر منها إلى الطبقات الفقيرة المعدومة، وارتقاء أقلية منها إلى الطبقة البرجوازية العليا، انقسم المجتمع إلى: أثرياء بلغوا حدا غير معهود من الثراء والترف، وفقراء يعانون فقرا مدقعا من السعي للحصول على أبسط الضروريات.

هذا في وقت ارتفعت فيه تطلعات المواطنين العاديين إلى التعليم والعلاج والحياة الأفضل في المجتمعات الحضرية المتضخمة، مما خلق أجواء جديدة من المشاعر الطبقية، والإحساس بالغبن تهدد النسيج الاجتماعي في الريف، وتنذر بكوارث اجتماعية.. المستفيد منها العدو وحده وعملاؤه.

والمعلوم أن هذه الكيانات الاجتماعية الجديدة لها ثقافتها الجديدة أيضا، فحياة الترف تفرز ثقافة معلومة، وتفتح الباب لتأثيرات أجنبية نشاهد اليوم غزوها لمجتمعنا المحافظ، في حين أن الطبقات المحرومة تعصف بها أمراض جديدة غريبة على ديننا وتقاليدنا، وهذا تحد آخر أمام الحركة الإسلامية.

الثقافة:

هي التعبير الشعبي عن تعاليم المجتمع وقيمه، وهي السلوك اليومي الذي يترجم معتقدات الأمة وفلسفتها في ممارساتها وعلاقاتها ونمط حياتها، وقد ظلت قيم الإسلام لدى الإسلاميين معاني أكاديمية، ومبادئ نظرية فشلنا في تقديمها في قوالب وأطر ثقافية، وعرضها في أوساط إبداعية تحمل الرسالة في سهولة ويسر لعقول ووجدان الجماهير، فاليوم نجد السينما والتلفاز والمسرح والمجلات - وهي وسائط تحتاج لأعمال إبداعية من مسرح ورواية وشعر وفنون مختلفة نغذيها باستمرار لتصل إلى عقول ووجدان الجماهير - لم تنجح في تقديم القيم الإسلامية في قوالب جمالية يستوعبها الجمهور، ولذلك ظهرت أجهزة الإعلام التي سيطرت عليها الحركة بعد ثورة الإنقاذ عام 1989 تقدم الغث من المادة التي كانت تقدم قبل ثورة الإنقاذ؛ لعدم وجود أعمال ثقافة إسلامية، وظل الإسلاميون مجرد موظفين في إدارة هذه الأجهزة.

طغيان النفوذ الأجنبي

التأثير الأجنبي
أصبح النفوذ الأجنبي طاغيا، فقد وظف الأوضاع الدولية المواتية وإمكاناته الجبارة للضغط على الدولة والمجتمع، فالسودان يمتاز بمزايا جاذبة للشره الإمبريالي بما يملك من ثروات وموقع إستراتيجي، كما تجذب مرحلة التطور الاجتماعي اهتمام الكنيسة العالمية التي سعت لحسم الصراع الحضاري لمصلحتها، وتبقى إسرائيل لاعبا أساسيا يهمها انتزاع هذا البلد الكبير والغني، والذي يتميز بموقع إستراتيجي في محيطه العربي والإسلامي، حتى لا يكون رصيدا للقضايا العربية والإسلامية، وللشعب الفلسطيني في صراعه معها.

ويهم إسرائيل السيطرة على سواحل البحر الأحمر، فكما سيطرت على أطول جزء من ساحله الغربي بواسطة سيطرة حكومة \"أفورقي\" النصرانية على السلطة في إرتيريا، فهي تعمل أيضا على تحديد هيمنة السودانيين المسلمين على ما تبقى من سواحل السودان؛ بإضعاف سيطرتهم على السلطة، خاصة في شرق السودان.

كذلك تطمع إسرائيل في السيطرة على منابع النيل ومجراه؛ ليتم لها الضغط على مصر، لتسمح لها بتحويل قسط من مياه النيل عبر سيناء إلى الأرض التي تسيطر عليها على نحو ما اتفق عليه أيام السادات.

أما التحدي المسيحي فقد برز في السنوات الأخيرة، وتمثل في اهتمام الفاتيكان وكنتربري بالوطن، وزيارة كل من البابا وكبير أثاقفة كنتربري الحالي والسابق للسودان، وتنصيب كاردينال كاثوليكي لأول مرة في السودان، إيذانا باعتبار أن هذا البلد أحد البلاد المسيحية، ثم رفع درجة المدعوة (بخيتة) إلى درجة القديس.

ونشير إلى اهتمام الكنيسة أيضا بتنصير دارفور، ولعل انتشار الكنائس في الشمال، ووجود النصارى في أعلى مستويات الحكم (النائب الأول لرئيس الجمهورية)، واحتمال انتخاب أول رئيس مسيحي لكامل الوطن بعد السيطرة الكاملة للمسيحيين على جنوب السودان، وإقامة حكومة نصرانية فيه، كل ذلك يؤثر في حجم التحول المسيحي في السودان اليوم.

العــولمة:

إن زحف النظام العالمي الجديد (العولمة) المستمر على المنطقة يحمل آثارا سياسية واقتصادية وثقافية كاسحة، تهدد السيادة الوطنية والاقتصاد الوطني والثقافة الإسلامية تهديدا مباشرا.

وعملية التصدي للعولمة أو لمؤثراتها هي مهمة في غاية الصعوبة والتعقيد، ومع ذلك فإن الحركة الإسلامية - باعتبارها طليعة المجتمع الإسلامي - ستجد نفسها في مواجهة مع تحدي العولمة كأول مهمة تضطلع بها، إذ إن العولمة قد اكتسحت بالفعل حدود العالم الإسلامي ودفاعاته.

إستراتيجية صراع الحضارات:

وضح الآن أن الصراع في العالم تبلور في صراع الحضارات، فلم يعد صراعا أيدلوجيا بين الماركسية والرأسمالية، ولم يعد صراعا قطريا محدود الأهداف، ولكن اتخذ أبعادا أعمق وأشمل، فمنذ سقوط الاتحاد السوفيتي بدأ المنظرون الغربيون في استقراء طبيعة المرحلة الجديدة، ونشر اليهود أصحاب الغرض من أمثال برنارد لويس، وفلاسفة الإمبريالية كصمويل هنتنجتون نظريتهم \"حل الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب\" كأبرز سمات المرحلة المقبلة.

ومن ثم وظفت طاقات الغرب التي تعطلت عن العمل بعد زوال الشيوعية الدولية للعمل في محاربة الإسلام والمسلمين، خاصة الحركات الإسلامية في العالم.

إذن ستكون الحركة الإسلامية المستهدف الأول في حرب عالمية يسخر لها آخر ما وصلت إليه حضارة الغرب من آليات فكرية ومادية، فأي حركة تستطيع أن تواجه هذا الهجوم وتكون على مستوى التحدي؟

وهذه بعض القضايا والمشكلات التي ستواجه أي حركة مستقبلية تتطلع لقيادة العمل الإسلامي وقيادة الأمة، وليس من السهل على حركة لا تملك رؤية جديدة تقدم الرد على هذه الابتلاءات وهذه التحديات أن تلعب دورا رائدا في قيادة حركة التغيير الإسلامي والتصدي لمهام المرحلة ومسئولياتها، ونحن نذكرها على سبيل المثال لا الحصر.

منهج العمل والمواجهة

إن الهم الأكبر كما ذكرنا هو قدرة الحركة الإسلامية على شحذ انفعال الأمة بهذه القضايا، وتفجير طاقاتها الإيمانية، وحماستها الروحية، واستعدادها للعمل والكفاح والتضحية، وهذا تحد آخر يقتضي النظر في العناصر الآتية، وإنجاز تصورات ومناهج قادرة على تحقيقها وتلبيتها:

الرؤية السليمة المتصلة بالمعتقدات والمقدسات، وبالمصير في المعاش والمعاد، والمستوعبة للمحيط السياسي والاجتماعي، والمواكبة لأحداثه وصراعاته وتطوراته.

القيادة التي تحوز ثقة الجماعة فيها، \"في صدقها وأمانتها وطهارتها وقدرتها على القيام بمهامها\".

الخطاب الصادق الذي ينفذ إلى القلب، ويحرك الوجدان بصدقه، ويقنع بعقلانيته، ويخاطب قضايا الواقع.

المبادرة للبذل والاستعداد للتضحية، وتقديم الأسوة الحسنة بالإنجاز الحقيقي المقدم على الدعاية، والبيان بالعمل حتى يقتنع الناس بجدية القيادة ويطمئنوا إلى مستقبلهم تحت لوائها.

التنظيم والحركة

أما المستوى التنظيمي والحركي فأولى مقتضياته ومتطلباته أن يكون ملبيا لطبيعة المهمة وطبيعة المرحلة، وألا يلتزم القوالب التقليدية الثابتة، وهو الأحرى بالتطوير ما دامت الرؤى نفسها الآن تطويرها مطلوبا، وما دام البرنامج العملي عرضة للتغيير؛ لذلك يجب ترك الضروريات العملية تعمل على بلورة الشكل التنظيمي وتطويره، وتحديد ديناميكية الحركة ومسارها.

لكن هناك عناصر يمكن النظر فيها والاستئناس بها:

أ - المجتمع السوداني مجتمع صوفي، وهذه هي التجربة التاريخية في التنظيم الاجتماعي، فإلى أي مدى يمكن الأخذ بهذا النمط في بناء الجماعة لإطار اجتماعي كامل، وليس هيكلا فارغا؟ وهل هذا ما توصل إليه حسن البنا بفكره الثاقب وهو يضع اللبنات الأولى للعمل الإسلامي الحركي؟

ألم يبق التنظيم الصوفي متماسكا أمام كل المتغيرات المذكورة آنفا في الوقت الذي انهار فيه بناء التنظيم الإسلامي الحديث، وأصبحت الدولة تلجأ للطرق الصوفية لتنفيذ برامج (تزكية المجتمع)، وإخراج المظاهرات؟!!

ب- انتشار منظمات المجتمع المدني في المناطق الحضرية خصوصا، وفي الريف عموما، والقضايا التي يمكن أن نتبناها في مختلف المجالات، وطرق عملها.

جـ- الإدارة الحديثة بمدارسها المختلفة، وتجربتها التاريخية في المجتمع السوداني، وفي المؤسسات العامة والخاصة.

وهناك مسائل كثيرة في العلاقات التنظيمية، وكفاءة الإدارة، وفي العوامل الأخلاقية والمعنوية والروحية التي تسهم في تفعيل الحركة وتطوير العمل، والتي يمكن استقصاؤها واستنباط مبادئ في العمل الحركي والتنظيمي، منها ما يناسب الحركة التي تحمل هذه الرؤى الجديدة وتتصدى للتحديات القادمة وتتعامل مع الواقع السوداني الجديد.

د - الوحدة الإسلامية:أمة كتابها واحد، ورسولها واحد، وقبلتها واحدة، وشريعتها واحدة، وتاريخها واحد، وتشترك في الهدف، ووحدة المستقبل، ووحدة المصير، وتواجه نفس العدو، ونفس المخاطر كيف لطليعتها المجاهدة أن تنقسم، وتفشل في توحيد جهودها، وحشد طاقاتها المتواضعة لمواجه المسئوليات الجسام.

هذه قضية ملحة.. ليس فقط الآن؛ لأن الوحدة في الإسلام فريضة ومبدأ؛ ولكنها أيضا ضرورة عملية، وحاجة جهادية، ولا يمكن أن نتقدم ونحن ممزقو الأوصال، وقد فرقنا ديننا يوم أن أصبحنا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، فنحن هنا لم نفرق صفنا وحده، وإنما فرقنا ديننا بذلك، إذ الوحدة أولوية قصوى.

ونحن نرى أن وحدة الرؤيا والقيادة المؤسسية التى تحظى بثقة الجميع، والمواقف المخلصة الصادقة، والاعتصام بحبل الله هو الطريق إلى الوحدة.


خدمات المحتوى
    زيارات 2916


د. قطبي المهدي
تقييم
1.32/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري