Warning:
/* = == == == == DIMOFINF PHP ERROR MESSAGE == == == == = *\
| Number : [2]
| String : [ الحركة الإسلامية السودانية ورحلة البحث عن الذات - شبكة الأمن الفكري
 
 
في
الخميس 5 ربيع الأول 1439 / 23 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

12-ذو القعدة-1430 04:04 PM

منذ خروج منظر الحركة الإسلامية السودانية والقائد التاريخي الدكتور حسن الترابي من الحكومة السودانية وتشكيله حزبا خاصا أخذ الإسلاميون السودانيون يقلبون أوراقهم القديمة بكل ما فيها من تاريخ مليء بالأحداث والإنجازات، ويمعنون النظر في واقعهم بكل ما فيه من تناقضات؛ فالصف منقسم يعادي بعضه بعضا، والدولة متراجعة في مستوى تطبيق الشريعة والتعاليم التي طالما نادوا بها، والمجتمع من حولهم يمر بتغيرات هائلة في غياب دور فاعل للحركة الإسلامية في صبغ تلك التغيرات وهاتيك التحولات بالصبغة الإسلامية كما كانت تفعل طوال الستين سنة الماضية؛ وهي عمرها في الحياة السودانية العامة.

في هذا السياق خرجت للعلن مراجعات فكرية جادة، تراوحت بين مراجعة راديكالية كلية حادة تمرر المشرط بقوة من أجل اكتشاف أصل الداء، وأخرى هادئة تسعى إلى إصلاحات تحقق المقاربات الممكنة بين الواقع والمثال.

وقد شاركت في هذه المراجعات شخصيات نافذة ومؤثرة في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ ومنهم: الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، مستشار رئيس الجمهورية السوداني، والدكتور قطبي المهدي مدير جهاز الأمن والمخابرات الأسبق، والأكاديمي البارز د. التجاني عبد القادر، والخبير الإستراتيجي البروفيسور حسن مكي، وغيرهم من رجالات الحركة الإسلامية وشبابها.

ولكن قبل ذلك كله، ما هي الحركة الإسلامية السودانية؟ وكيف نشأت؟ وما أبرز تطوراتها التنظيمية والسياسية؟ وأخيرا كيف انتهت إلى ما انتهت إليه؟ وما طبيعة المراجعات القائمة ودواعيها وعقباتها ومآلاتها؟

نشأة الحركة الإسلامية السودانية

نشأت الحركة الإسلامية في السودان من التقاء مجموعات دعوية مختلفة كانت تسعى للتعبير عن التزامها العملي والفكري بالإسلام أواسط أربعينيات القرن العشرين، وتتكون هذه التيارات من مجموعة الطلاب السودانيين الذين كانوا يدرسون آنذاك بمصر، أبرزهم صادق عبد الله عبد الماجد الذي التحق بالحركة في عام 1946، وجمال السنهوري الذي التحق بالحركة عام 1940، وأصبح مسئول قسم إفريقيا في مكتب الاتصال بالعالم الإسلامي في قيادة الحركة، والذي انتمى في خاتمة المطاف إلى الطريقة التجانية الصوفية المعروفة.

والتيار الثاني: هم الطلاب السودانيون بالداخل هؤلاء كانت حركتهم بجانب كونها تعبيرا عن التدين الشخصي، كانت رد فعل قويًّا تحديا للحركة الشيوعية وسط الطلاب في المدارس الثانوية، وكلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم لاحقا)، والذين اختاروا في مطلع ظهور اسم \"حركة التحرير الإسلامي\" علما عليهم، ومن هؤلاء المفكر بابكر كرار -رحمه الله- والأستاذ محمد يوسف محمد، والطيب صالح الروائي المعروف صاحب رواية (موسم الهجرة إلى الشمال).

والتيار الثالث: هو تيار الإخوان المسلمين، وهو التيار الذي أسسه الشيخ علي طالب الله بأمر من الإمام حسن البنا، مرشد الإخوان المسلمين في مصر.

يرى الدكتور عبد الوهاب الأفندي أن \"كثرة هذه القنوات وتداخلها هو الذي ساهم بصورة غير مباشرة في تأخر بروز الحركة، وما اعترى نشأتها من مشاكل. فقد نشأت كنتيجة لهذه الجهود تشكيلات عدة تدعي الانتماء إلى الإخوان، وكان هذا الانتماء ذا طابع فردي على غرار الانتماء للحركات الصوفية، حيث كان هناك الكثيرون ممن أعلنوا ولاءهم للحركة وإمامها دون أن يروا في ذلك تعارضا مع عضويتهم في حركات سياسية أخرى مثل \"حزب الأشقاء\". حتى قررت هذه التيارات حسم خيارها التنظيمي وموقفها من جماعة الإخوان المسلمين عبر مؤتمر جامع اشتهر بمسمى مؤتمر العيد في العام 1954م، والذين قرروا فيه تسمية الحركة رسميا باسم الإخوان المسلمين، وانتخبت لها قيادة جديدة على رأسها أمين عام، واختير محمد خير عبد القادر -26 سنة آنذاك- لولاية هذا المنصب.

محطات مهمة عقب التأسيس

شاركت الجماعة مباشرة بعد تشكيلها رسميا في العمل السياسي عبر المطالبة باستقلال السودان، وعقب الاستقلال الوطني قادت الحركة -بقيادة الأستاذ الرشيد الطاهر بكر- حملة ضخمة للمناداة بدستور إسلامي للسودان من \"الجبهة الإسلامية للدستور\" ونظمت حملة لحشد الدعم السياسي والشعبي لفكرة الدستور الإسلامي.

ولكن قطع انقلاب نوفمبر 1958 م -بقيادة الفريق إبراهيم عبود- الطريق أمام المطالبة بالدستور الإسلامي، وخاضت الجماعة في 1959م أول مواقفها في المعارضة السياسية، حيث طالبت النظام العسكري الجديد عبر جناحها الطلابي القوي (اتحاد طلاب جامعة الخرطوم)، بالرجوع إلى الثكنات وتسليم السلطة للشعب، فيما يعرف بمذكرة اتحاد جعفر شيخ إدريس المفكر الإسلامي المعروف فيما بعد.

وفي العام 1959م نفسه شارك قائد الجماعة الرشيد الطاهر في محاولة انقلابية فاشلة ضد حكومة الفريق إبراهيم عبود التي كانت قد جاءت إلى الحكم بدورها بانقلاب عسكري في العام السابق؛ ونتيجة لذلك أقالت الجماعة بكرا من القيادة -أثناء وجوده في السجن- باقتراح من الدكتور حسن الترابي.

كونت الجماعة في منتصف الستينيات \"جبهة الميثاق\" ونصبت الدكتور الترابي (مسئول المكتب السياسي للجماعة وقتها) رئيسا لجبهة الميثاق، وهو الوعاء التحالفي الذي يجمعها بالحركة السلفية الناشئة آنذاك والطرق الصوفية من أجل المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وشاركت الجبهة في انتخابات عام 1965 حيث كسبت عددا قليلا من المقاعد في البرلمان، ولكنها استطاعت حشد الدعم والتأييد لمشروع الدستور الإسلامي في البرلمان حتى أوشكت على الإجازة لولا انقلاب الرئيس جعفر النميري في 1969م.

في أواخر الستينيات برز خلاف حاد بين تيارين من تيارات الإخوان المسلمين في السودان حول شخصية حسن الترابي وقيادته للجماعة، وبلغت الخلافات مرحلة الانشقاق بعد فشل المعارضين للترابي في إزاحته من القيادة في المؤتمر العام 1969.

يقول الأفندي: \"ولكن الانشقاق تأجل بسبب قيام انقلاب مايو عام 1969، الذي جاء بحكومة يسارية معادية للإسلاميين زجت بهم في السجون، ودخلوا معها في معارك استمرت حتى عام 1977، حين عقدت المعارضة صفقة المصالحة الوطنية مع حكومة الرئيس جعفر النميري، وشارك الإسلاميون في السلطة\"، ولكن في ذات الوقت خرجت مجموعة بقيادة الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد، والبروفيسور الحبر يوسف نور الدائم على الجماعة، وكونت تنظيما خاصا باسم الإخوان المسلمين.

استطاع التنظيم الذي يقوده الترابي في يونيو 1989م الانقلاب على الحكومة الديمقراطية التي يرأسها السيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة، ليضع الحركة الإسلامية في سدة الحكم، في تجربة فريدة من نوعها في العالم الإسلامي السني.

التجربة الإسلامية الأولى في الحكم

استطاعت التجربة الناشئة في السودان، الصمود أمام تحديات التنمية والبناء في بلد فقير كالسودان، كما تمكنت من إنجاز مشروع النفط السوداني، والصمود العسكري أمام عدوان دول الجوار عليه، وتمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، بفضل تضحيات شبابها، ولكن بعد عشر سنوات (في عام 1999) من وصولها للسلطة، انقسمت الحركة الإسلامية السودانية إلى: مجموعة القصر (في إشارة لمجموعة الرئيس البشير)، ومجموعة المنشية (جماعة الترابي)، في لحظة قاسية من عمر الحركة والدولة، ثم خاضت مجموعة القصر مفاوضات سلام مضنية مع الحركة الشعبية عقب ذهاب الترابي، انتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005م، ودخول الحركة الشعبية في المعادلة السياسية في ظل معادلات فكرية وقانونية وتشريعية قررتها اتفاقية السلام المراقبة دوليا، فطفق الإسلاميون السودانيون يبحثون عن حركتهم في زحمة تلك الأحداث.

طبيعة مراجعات الحركة الإسلامية السودانية

للحركة الإسلامية السودانية خصوصية لا يشاركها فيها أحد إلا حركة المقاومة الإسلامية حماس، وهي المرور بتجربة الحركة كتنظيم إسلامي سياسي له مجاهدات في الحقل السياسي، بجانب اجتهاداته الأخرى في التربية والثقافة والدعوة والإرشاد، ثم الانتقال إلى طور الدولة بكل ما فيها من مسئوليات وطنية، وصراعات مع الداخل الوطني من علمانيين وأحزاب تقليدية وتعقيدات دولية تختلف في كل شيء، ولكنها تتفق بإجماع على عدم وصول الإسلاميين للسلطة، وهذه الخصوصية، فرضت على المهتمين بالمراجعات أن يختاروا مرحلة تاريخية محددة في مسيرة الحركة ويسلطوا عليها أضواء المراجعة الكاشفة، ويظهر هناك اتجاهان:
- الأول: ويمكن أن نطلق عليه اتجاه \"المراجعات الجذرية\"، والذي يرى أن مشكلة التنظيم الإسلامي ترجع بصورة مؤكدة لأخطاء البدايات والطور الأول.

- والثاني: هو اتجاه \"المراجعات الهيكلية\"، والذي اهتم بقضية تقييم تجربة الإسلاميين في الحكم وتقويمها، وقصر مراجعاتها على هذا الجانب، ودارت مساجلات المراجعة في هذا الصدد حول قضيتين:

أ. العلاقة بين الحكومة والحركة: وأثر الدولة على الحركة وأثر الحركة على الدولة سواء بسواء، ودوائر اتخاذ القرار، وترتيبها التنظيمي، ولماذا لم تتمكن الحركة الإسلامية -على الرغم من إرثها الضخم- في العمل التنظيمي التوفيق بين القيادة السياسية للدولة التي يتولاها أحد أفراد الحركة الإسلامية وهو الرئيس عمر البشير، والقيادة الفكرية والتنظيمية للحركة والتي يتولاها الدكتور حسن الترابي، وتمتد هذه الطائفة امتداد هذه القضية إلى مستقبل أيام الحركة.

ب. المقاربة بين التجربة الإسلامية والنموذج الإسلامي الراشد في الحكم، وقضايا الإصلاح السياسي الراهنة، ومكانتها في التجربة مثل الحكم الراشد والشفافية وحقوق الإنسان، وتموضعها في القوانين السودانية.

قضايا المراجعات

الطبيعة والمهمة:

كان رواد الدعوة الأول يقولون: \"من لم تكن له بداية محرقة لن تكون له نهاية مشرقة\"، وهو الشعار غير المعلن للذين يريدون من الحركة أن تبحث في منطلقاتها الأولى، وهذه المدرسة تضم عددا من قادة الحركة الإسلامية التاريخيين من الذين شهدوا الحركة وهي حركة واحدة متحدة تحت مسمى الإخوان المسلمين، وتضم كذلك عددا من رموز الجيل الشاب الذي شارك في تطوير الحركة الإسلامية ومشاركتها في الحكم، ومن هؤلاء الدكتور غازي صلاح الدين العتباني الوزير السابق ومستشار رئيس الجمهورية السودانية، والذي يجزم في إجابة على سؤال كنت قد وجهته له في غرة محرم 1425هـ بأن (الحركة الإسلامية السودانية إذا جاءت وأعادت طرح نفسها، وطورت منهجها، وأيضا تنظيمها وبناءها فستكون قد استطاعت ولوج مرحلة ما بعد الحركة الإسلامية، والحركة إذا أرادت أن تنجح فلابد لها من أن تعيد طرح نفسها؛ وطرح الحركة الإسلامية لذاتها بنسختها القديمة سيكون محاولة بائسة لاستعادة دور جديد بآليات قديمة..)، ويرى الدكتور غازي (أن يعاد طرح الحركة في وعاء جديد، ولقضايا جديدة؛ نتجاوز بها حالة التساؤل التي تواجه الشباب المسلم اليوم، ونعالج بها واقعنا الجديد).

وتضم هذه المدرسة أيضا جزئيا الدكتور التجاني عبد القادر -الذي يحظى باحترام كبير في أوساط الإسلاميين السودانيين، ومما أشار إليه التجاني في إطار البحث عن إجابة كيف انتهت المسيرة التطورية للحركة الإسلامية السودانية في محاضرة له بالخرطوم بعنوان \"مفهوم الإصلاح في المصادر الإسلامية\": \"إن من المهم جدا أن نعود ونتساءل هل كانت منطلقات الحركة الأساسية خاطئة كليا أو جزئيا، وهل لهذا الخطأ -إن وجد- تأثير على ما حدث بعد؟\".

يرى المفكر السوداني الشاب الدكتور معتز شلبي أن هذه العودة تحتمها كون (أن التجربة الحكومية الراهنة قد أفقدت الثقة، وخلقت حاجزا يحول دون الانسياق وراء هذا الخطاب الذي تناقض مع الممارسة، ولم يحقق للجماهير شيئا مما كان ينادي به؛ الشيء الذي يوجب على العاملين في المجال الإسلامي إجراء مراجعات جوهرية في الخطاب، وتحويله من خطاب يعتمد على الصياغات المطلقة والتحريض المجرد؛ إلى خطاب ملتصق بالواقع، ومتفاعل معه، ومنطلق منه؛ أي أن يكون خطابا يتصف بالمعقولية؛ بمعنى أن يكون قادرا على صياغة رؤاه وأطروحاته من خلال الشروط التي تسمح منطقيا وواقعيا بتحقيقه؛ مما يجعله منتجا للحلول والإيجابيات؛ بدلا من الاستغراق في الأحلام والأماني؛ مكتفيا بإدانة الواقع والحكم عليه).

المنهج والقيادة الفكرية:

يتتبع د. التجاني عبد القادر جذور الأزمة التي ضربت الحركة الإسلامية في مقتل، ويبحث في بواكير الحركة الإسلامية وفجرها الأول، ويقارن بين التعامل المنهجي في الحركة الإسلامية، وحركات الإصلاح في العالم العربي، ويلحظ أن الحركة الإسلامية السودانية ظلت تحرص على أن تُعرف بأنها حركة تجديد تختلف شكلا ومضمونا عن أنماط القيادات الدينية التقليدية السائدة في بعض المجتمعات الإسلامية.

وقد كان لهذا التقدير ما يبرره، وقد أصابت الحركة من ورائه شيئا من النجاح، ثم تمادت الحركة في هذا الاتجاه وصارت تحرص على ألا يكون لها مذهب فقهي بعينه، وهذا الاتجاه بعينه هو الذي سارت عليه المدرسة السلفية، والمتمثل في العودة إلى الكتاب والسنة، والاستئناس بآراء الفقهاء دون تعصب لأحد أو اتباع له إلا بدليل.

وكل هذه لا غبار عليه من الناحية النظرية، إلا أنه من حيث الواقع أدى إلى نشأة فراغ فكري في قواعد الحركة، فإذا كان رجال الدين التقليديون غير مرغوب فيهم، ولا تعمل الحركة على إعادة إنتاجهم، وإذا كانت المذاهب الفقهية ليست محل اهتمام في برامج الحركة، وإذا كانت المدارس والجامعات الحديثة -التي يتخرج فيها معظم أعضاء التنظيم- هي مؤسسات [مفرغة] من الدين تماما، فمن هو الذي سيكون مؤهلا علميا إذن ليعود مباشرة إلى القرآن والسنة، ويؤسس منظومة فكرية تتجاوز التراث وتستوعب قضايا العصر؟

قد يقال في هذا الصدد إن تكوين القيادات الفكرية ليس من مهمة التنظيم الإسلامي، وإنما تضطلع بذلك مؤسسات التعليم ومراكز الثقافة والتوجيه، وهذا يمكن أن يقال في معرض الإيضاح لخصائص التنظيم الإسلامي، فهو تنظيم مفتوح لا يلزم عضويته إلا بعهد الولاء للجماعة والالتزام بما ينعقد عليه إجماعها، على أن هذا لا يخفي الإشكال الأساسي المتمثل في ضآلة العناصر ذات التكوين الفكري المناسب، والتي يكون في مقدروها الإسهام في صياغة برنامج الحركة وبلورة المفاهيم الأساسية فيه ووصلها من جهة بأصول الشريعة ومقاصدها العامة، وإيصالها إلى جمهور الناس في الجهة الأخرى. هذه الضآلة في العلم والهشاشة في التكوين الفكري كان من الممكن التغلب عليها بعدة طرق إذا اجتهدت القيادة في ذلك، ولكن القيادة لم تكن راغبة في ذلك؛ لأنه لا يصب في اتجاه القصر الجمهوري!!) ويرى أن الحركة الإسلامية لو أولت اهتماما خاصا بهذه المسألة لتحولت محنتها بانشقاق أمينها العام الدكتور الترابي وتأسيسه تنظيما سياسيا بديلا عنها في 1999م إلى منحة، حيث (كان يمكن النزاع نفسه أن يكون محركا للفكر، فتتولد عنه رؤية فكرية جديدة، كما حدث في حالات، مشابهة أخرى، ولكن نزاع الإسلاميين في السودان لم يستطع -برغم تطاول فترته الزمنية، وبرغم الصخب والضجيج الذي صاحبه- أن يبرز رؤية جديدة، ولم يستطع طرف من طرفي النزاع أن يبلور أطروحة متماسكة تصلح أن تكون إطارا لنقض بنيان سابق أو لرفع بنيان جديد).

ويتفق الدكتور محمد وقيع الله -الأستاذ بالجامعات الأمريكية، مع د. تجاني في أن قيادة الحركة لم تكن مشغولة بهذه المسألة، يقول وقيع الله: (والحركة الإسلامية السودانية خاصة لا تعتني بالفكر العناية اللازمة؛ والسبب في ذلك، أنها حركة عملية \"برجماتية\" أكثر منها نظرية، وكانت قد حققت بعض أهدافها الكبيرة اعتباطا بدون عناية تذكر بالفكر والدراسة، ورأت بعد ذلك أنه لا داعي للفكر والدراسة، ثم تبين فيما بعد أن القيادة السياسية للحركة الإسلامية السودانية كانت تخشى من تشجيع حركة الفكر؛ لأنها كانت تحذر من قيام تشققات واتجاهات متمردة ومتعارضة داخل الحركة؛ فغلبت هدف الوحدة السياسية على البعد الفكري والنظري).

تجربة الحكم


image

يتلخص موقف كثير من قيادات الحركة الإسلامية التاريخية من تجربتهم في الحكم في جملة واحدة نطق بها القيادي الشيخ ياسين عمر الإمام: (الحركة الإسلامية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة، وفيها فساد شديد، وفيها ظلم، وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التي تحملها للناس، وزارني بعض الإخوان بالمنزل، وكان من ضمنهم حسن الترابي، وقلت لهم إنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام في المسجد الذي يجاورني؛ بسبب الظلم والفساد الذي أراه، وقلت لهم إنني لا أستطيع أن أقول لأحفادي انضموا للإخوان المسلمين؛ لأنهم يرون الظلم الواقع على أهلهم، \"فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للإسلام في السودان، أنا غايتو بخجل\") [صحيفة ألوان السودانية بتاريخ 12 أغسطس 2007 ].
ولكن آخرين كالدكتور وقيع الله يرون أن الحركة الإسلامية التي تقودها الدولة الإنقاذية في السودان هي حركة واسعة المدى، وحركة تحول اجتماعي بمعناه الواسع، وهي الآن تؤسس مجتمعا إسلاميا من جميع النواحي ثقافة وأدبا وسلوكا، وتبذل محاولات جادة تشمل تأسيس اقتصاد إسلامي وبنوك إسلامية، وتجري محاولات لا بأس بها؛ لأسلمة المناهج التربوية والإعلامية.

وعموما أعتقد أن المشروع الإنقاذي الإسلامي مشروع قوي وناجح وفاعل.. ولم يصل إلى طريق مسدود.

بينما يذهب آخرون -ومنهم الدكتور غازي صلاح الدين، مستشار الرئيس السوداني- إلى أن \"الحركة الإسلامية السودانية لم تحكم بالصورة التي يتصورها الناس.. صحيح الحركة الإسلامية كانت قد وصلت في مسيرتها إلى قمة عطائها كحركة إسلامية، وكانت قد أسست منهجا فاعلا، وتنظيما قويا، ومؤسسات، وكرست تقاليد ومنهجا في اتخاذ القرار؛ ولذلك عندما أقول الحركة الإسلامية لم تحكم؛ أعني أن شخصيات منها وأفرادًا قد حكموا، ولكنها لم تحكم بالتقاليد والمنهج، ويصدق هذا الحكم في حالة حركتنا هذه وفي غيرها، حتى إن حكمت القيادات ما دامت لم تحكم بالمنهج والتقاليد تماما\".

وعلى الرغم من الاختلاف بين الإسلاميين في تقييم تجربة الحركة الإسلامية في الحكم، فإن تجربة أفرزت مجموعة قضايا فكرية تتطلب من الإسلاميين مراجعتها وتقويمها، مثل: طريقة الوصول إلى السلطة، هل يمكن التوسل بالجيش، أم أن الديمقراطية هي الخيار الأوحد؟

وما هي طبيعة العلاقة بين الحركة الإسلامية والدولة التي تحكمها، وما هي وظيفة الحزب في سنوات الحكم؟ وهل ستتحول الأجهزة الرسمية للدولة أو الحزب إلى مجرد غطاء فوقى تمارس باسمه \"الشلة، أو الدفعة، أو الحاشية، أو التلاميذ\" النفوذ.

وهل تبرر ضرورة حماية الدولة والمحافظة عليها سلب حرية الناس ومصادرة النظام الديمقراطي؟.

من الأهمية أن نشير إلى أنهفي 30 يونيو2008م المنصرم، بلغت تجربة الحركة الإسلامية السودانية في الحكم 19 عاما، عاشتها بكل ما فيها من تعقيدات محلية، وصراعات دولية، ومشكلات إقليمية، وقبل ذلك مشكلات في الصف الإسلامي الذي يقود الدولة والحركة الإسلامية في السودان، وأيا كانت النتائج التي وصلت إليها فهي تجربة جديرة بالتأمل والدراسة؛ لأنها المرة الأولى التي يتاح فيها للحركة الإسلامية أن تمارس فيها أفكارها، وتجتهد وتبتكر وتخطئ وتصيب، إلا أن ذلك لا يعفي الحركة الإسلامية من النظر في المرآة؛ لتكتشف ماذا فعل الزمان والأحداث بجسدها وفكرها ورجالها ووطنها وتجربتها في الحياة.



--------------------------------------------------------------------------------

وليد الطيب - صحفي سوداني .

موقع السودان الإسلامي .


خدمات المحتوى
    زيارات 8380


وليد الطيب
تقييم
1.32/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري