في
الإثنين 5 محرم 1439 / 25 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

23-شوال-1437 01:22 AM





إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضِلَّ له ، ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته ، ومن اهتدى بهديه ، واستن بسنته ، واقتفى أثره إلى يوم الدين ، ثم أما بعد :

فلا يخفى على أحد من المسلمين أن هذا الدين قد حمله رجال من لدن عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى هذا اليوم ، ولله الحمد ، وهؤلاء الرجال بذلوا كل غالٍ ونفيس ، بذلوا أرواحهم ومُهَجهم وأموالهم وأوقاتهم ، وتركوا لذيذ العيش ، وأطالوا السهر ، كل ذلك من أجل حفظ سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتبليغها للناس كما قال – عليه الصلاة والسلام – : « نَضَّر ( 1) الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه ، فرُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه » ( 2) .

فقد حرصوا – رحمهم الله ورضي عنهم جميعا – على أن يُبلّغوا عن نبيهم الكريم – صلى الله عليه وسلم – هذا الدين العظيم الذي جعله الله رحمة للناس ، وخاتمة للشرائع ، ولهذا نسأل الله – عز وجل – لهم جميعا – من أولهم إلى آخر عالم يُقبض على وجه هذه الأرض – الرحمةَ والغفران إن الله – سبحانه وتعالى – سميع مجيب .

مكانة العلماء

قد يقول قائل : إن العلماء لهم مكانة في نفوس الناس ، وليس هناك أحد إلا ويعطيهم – إن شاء الله – حقهم ، فلهم القدر العظيم في نفوس الناس ، ولهم كذا ولهم كذا .

لكن إنما هذا الكلام عبارة عن تذكير وتنبيه على بعض الأمور المهمة التي ربما غفل عنها بعض الفضلاء من حقوق أهل العلم ، وأهمية الرجوع إليهم .

يقول الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – في مقدمة كتابه “الرد على الجهمية” كلاما نفيسا في مكانة أهل العلم فكان مما قال : الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ، يدعون مَن ضَلّ إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يُحيون بكتاب الله الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحْيَوه ، وكم من ضالّ تائه قد هدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس ، وأقبح أثر الناس عليهم ، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، الذين عقدوا ألوية البدعة ، وأطلقوا عقال الفتنة ، فهم مختلفون في الكتاب ، مخالفون للكتاب ، مجمعون على مفارقة الكتاب ، يقولون على الله ، وفي الله ، وفي كتاب الله بغير علم ، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ، ويخدعون جُهَّال الناس بما يُشَبِّهون عليهم ، فنعوذ بالله من فتن المضلين .

هذا كلام إمام من أئمة المسلمين عرف قدر العلماء ، فأثنى عليهم بشيء من حقهم – رحم الله الجميع – لكن يهمّنا جدا أن ننبه على بعض الأمور ، وأولها أنه لا بد أن نعرف من هم العلماء الذين يُعْنون ، إذا قيل : حقوق العلماء . هل كل من قال : قال الله ، قال الرسول ، وفسر كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – كيفما اتفق صار عالما ؟ أم أنهم العلماء الذين وصفهم أسلافنا بأوصاف لا بد أن تكون فيهم ؟

من هم العلماء

الجواب ما قاله الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – في وصف أهل العلم ، حيث قال ( 3) : فقهاء الإسلام ، ومن دارت الفُتيا على أقوالهم بين الأنام ، الذين خُصّوا باستنباط الأحكام ، وعُنوا بضبط قواعد الحلال والحرام ، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء ، بهم يهتدي الحيران في الظلماء ، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب ، قال – تعالى – ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ [سورة النساء : الآية 59] .

وقال بعض السلف : وهم الطائفة التي نفرت لطلب العلم ، والتفقه في الدين كما جاء في القرآن ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [سورة التوبة : الآية 122] .

وهم الطائفة المنصورة ، وهم أهل الحديث ، كما قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – .

وهم رأس الجماعة ، وهم أيضا الذين أمرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – بالرجوع إليهم وأمرنا الله – سبحانه وتعالى – بذلك .

يقول الآجُرّي – رحمه الله تعالى (4 ) – في بيان من هم العلماء : علامة من أراد الله – عز وجل – به خيرا سلوك هذه الطريق : كتاب الله – عز وجل – وسَنَن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسَنَن أصحابه – رضي الله عنهم – ومن تبعهم بإحسان – رحمة الله تعالى عليهم – وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد ، إلى آخر ما كان من العلماء ، مثل الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل والقاسم بن سلام ، ومن كان على مثل طريقهم ، ومجانبة كل مذهب لا يذهب إليه هؤلاء العلماء .

هؤلاء هم المستمسكون بالسنة ، الثابتون عليها ، الذين لا تُرضيهم كثرة الجموع ، ولا يغرهم ثناء الناس عليهم ، بل هم ثابتون على سنة نبيهم – صلى الله عليه وسلم – ولذلك حين جاء رجل إلى مالك بن أنس – وهو إمام دار الهجرة – فقال له : يا أبا عبد الله أسألك عن مسائل . فسأله عن ثلاثين مسألة ، فلم يُجب مالك إلا في ثلاث ، وفي سبع وعشرين قال : لا أدري . فقال له : يا أبا عبد الله أضرب إليك أكباد الإبل من العراق لأسألك ، فتقول لي في سبع وعشرين : لا أدري . فقال : اذهب وأخبِر مَن وراءك أن مالكا لا يدري .

فانظر إلى هذا التواضع ، وإلى الهدي ، والسمت الصالح من هؤلاء الأئمة – رحمهم الله تعالى – .

أنهم راسخون في العلم

ويقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – في أوصاف هؤلاء العلماء ( 5) : الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشُّبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ، ولا قدحت فيه شكّا ، لأنه قد رسخ في العلم ، فلا تستفزه الشبهات ، بل إذا وردت عليه ردها حرَس العلم .

إذن الصفة الأولى من صفات أهل العلم أنهم راسخون في العلم ، لا يطلب أحدهم العلم دونما ترتيب وتنظيم ، فهو يطلب العلم بجزئياته وتفصيلاته ، حتى ولو لم يكن محتاجا لهذه المسألة في هذا الوقت ، فبعض الناس ربما لا يبحث عن مسألة إلا إذا احتاج إلى معرفتها ، فيرجع إلى كتب أهل العلم .

وقد قال أنصاري لابن عباس : ويحك يا ابن عباس تطلب العلم وفي الناس أمثال عمر وأبي بكر . يعني أن الناس لن يحتاجوا إليه ، وكان صغير السن – رحمه الله ورضي عنه – فقال : بل أفعل ما أمرني به الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو كلمة نحوها .

ثم لما كبر كل من ابن عباس ، وهذا الأنصاري كان الأنصاري يقول : هذا الفتى – يعني ابن عباس – كان أعقل مني . لأن الكبار قد ماتوا واحتاج الناس إلى ابن عباس ، فكان حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، – رضي الله عنه – ورحمه .

أنهم أهل نُسك وخشية

ثانيا : أنهم أهل نُسك وخشية ، ترى ذلك في عبادته ، في صومه ، في قراءته للقرآن ، في ، ذكره ، في قيامه ، لا يُغتاب عنده أحد ، ولذلك يقول الله – عز وجل – ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ﴾ [سورة فاطر : الآية 28] ، ولهذا قال ابن مسعود – رضي الله عنه – : إنما العلم الخشية .

أنهم مشهود لهم من العلماء

ثالثا شهادة العلماء والمشايخ لهم بالعلم ، وهذه من أهم الأمور التي ينبغي مراعاتها في العالم الذي يُسأل ، ويؤخذ عنه العلم ، ويعطى الحقوق .

يقول مالك – رحمه الله تعالى – ما ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه ، وما أفتيت حتى سألت ربيعة – يعني ابن أبي عبد الرحمن ( 6) – ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك ، ولو نهياني لانتهيت .

وتأمل قوله – رحمه الله – ولو نهياني لانتهيت . فبعض طلاب العلم إذا نهاه الشيخ عن الفتوى ، أو عن الكلام في بعض المسائل ، يغضب ويقول : هذا علم ، ولا يجوز أن أكتم العلم .

فالله – عز وجل – جعل هؤلاء أمناء على الشريعة .

وقال – رحمه الله – : ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك .

أنهم أهل الفتوى

رابعا : ومما يُعرف به أهل العلم دروسه وفتاواه ومؤلفاته ، يقول أبو طاهر السِّلَفي – رحمه الله تعالى – عن الخطابي صاحب معالم السنن المشهور ( 7) : وأما أبو سليمان الشارح لكتاب أبي داود، فإذا وقف مُنصف على مصنفاته ، واطلع على بديع تصرفاته في مؤلفاته ، تحقق إمامته وديانته فيما يورده وأمانته ، وكان قد رحل في الحديث وقراءة العلوم ، وطوف ، ثم ألف في فنون من العلم وصنف .

وهكذا العلماء يبدءون صغارا ، ثم يكبَرون ، ويكبَر معهم علمهم ، ويحتاج الناس إليهم ، وفيهم من الدين والتقوى والورع ما يحجزهم أن يروا أنفسهم شيئا ، حتى يراهم من هو خير منهم ، ويشهد على ذلك .

العلماء لهم حق كبير على الناس

والعلماء لهم حق كبير على الناس ، كيف لا ، وقد نزل في شأنهم وَحْي يُتلى إلى يوم القيامة ، قال الله – عز وجل – ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [سورة النساء : الآية 59] ، وذهب بعض أهل العلم إلى أن أولي الأمر في هذه الآية هم العلماء ، ويجب التنبيه إلى أن طاعة العلماء ليست مقصودة لذاتها ، وإنما هي تبع لطاعة الله وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – .

وقد أوجب الله – عز وجل – الرجوع إليهم عند طلب العلم ، فقال – تعالى – ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [سورة النحل : الآية 43] .

العلماء عظم الله قدرهم

وعظم الله قدرهم ، دون غيرهم ، وأشهدهم على أعظم مشهود ، حيث قال – سبحانه وتعالى – ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 18] فقرن أهل العلم في الشهادة على أعظم شهادة ، وهي توحيده – سبحانه وتعالى – .

ونفى الله – عز وجل – التسوية بين العالم وغير العالم فقال – سبحانه – ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الزمر : الآية 9] .

والعلماء هم أهل الفهم عن الله – عز وجل – ولذلك يقول – سبحانه وتعالى – ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ ﴾ [سورة العنكبوت : الآية 43] .

العلماء هم أهل الخشية

وهم أهل الخشية يقول – سبحانه وتعالى – ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ﴾ [سورة فاطر : الآية 28] .

العلماء أبصر الناس بالشرور

والعلماء أبصر الناس بالشرور كما قال – سبحانه وتعالى – ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الكَافِرِينَ ﴾ [سورة النحل : الآية 27] حيث أبصروا ما لم يبصره غيرهم .

وقال – سبحانه وتعالى – لما ذكر قارون ﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ [سورة القصص : الآية 79 – 80 ] .

العلماء هم ورثة الأنبياء

والعلماء هم ورثة الأنبياء ، ومن ذلك قول رسوله – صلى الله عليه وسلم – : « مَن سلك طريقا يبتغي فيه علما ، سلك الله له طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ، ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارا ، ولا درهما ، إنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر » ( 8) .

العلم دليل على الخيرية

والعلم دليل على الخيرية ، قال – عليه الصلاة والسلام – : « من يُرِد الله به خيرا يُفقهه في الدين » ( 9) .

حاجة الناس إليهم ونجاتهم منوطة بالرجوع إليهم ، فلا نجاة إلا بالرجوع إلى العلماء ، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله تعالى عنهما – قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبْق عالما ، اتخذ الناس رؤوسا جُهَّالا ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضَلُّوا » (10 ) .

بقاء أهل العلم سبب للاهتداء والنجاة

فبقاء أهل العلم سبب للاهتداء والنجاة بحول الله وقوته ، فعن أبي الدَّرْدَاءِ – رضي الله عنه قال : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : « هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ ، حَتَّى لاَ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ » . فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الأَنْصَارِيُّ : كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ ، فَوَاللهِ لَنَقْرَأَنَّهُ ، وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا ، فَقَالَ : « ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ ، إِنْ كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ » ( 11) . قَالَ جُبَيْرٌ : فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، قُلْتُ : أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، إِنْ شِئْتَ لأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ : الْخُشُوعُ ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَلاَ تَرَى فِيهِ رَجُلاً خَاشِعًا .

وأنا أذكر أن شيخنا ابن العثيمين – رحمه الله – كان عندما يتكلم عن هذه المسألة يقول : هذا المصحف بين أيدينا مطبوع ومنتشر في كل مكان ، وكتب الحديث منتشرة ، ولكن ولو جاء رجل وأثار شبهة صغيرة علينا ، لما استطعنا أن نرد على شبهته ، ولو كان عندنا قدر هذا المكان الذي نحن فيه من الكتب ، نحن نحتاج إلى عالم يفهم هذا القرآن ، ويفهم هذه السنة ليرُدّ على مثل ذلك .

والناس في أمس الحاجة إلى العلماء في كل آن ، وفي كل حين ، يقول الإمام أحمد – رحمه الله – : الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب ، لأن الطعام والشراب يحتاج المرء إليه في اليوم مرتين أو ثلاثة ، وأما العلم فيحتاج إليه في كل وقت .

كيف نوقر العلماء

وهناك أمور مهمة لا بد من التنبيه عليها ، وهي بم يكون توقير العلماء ؟ فبعض الناس يظن أن توقير أهل العلم يكون بمجرد أن يسلم عليه ، ويقبل رأسه ، أو يقبل يده ، ويكفي هذا ، ويرى أن هذا هو توقيره ، وهذا لا شك أنه من التوقير ، إلا أنه شيء من أشياء كثيرة يستحقها أهل العلم ، ومن هذه الأشياء :

أولا : أنه يجب علينا موالاتهم ومحبتهم ، قال الإمام الطحاوي ( 12) – رحمه الله تعالى – : وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل .

لكن موالاتهم لا تعني أننا نقدسهم ، وإنما المقصود محبتهم ، فبعض الناس إذا أحب عالما أخذ بأقواله في كل شيء ، ويوالي ويعادي على محبة هذا الشيخ ، أو على هذا العالم ، وهذا خلاف السنة ، لأن هذا من الغلو المنهي عنه ، حيث اتخذ رجلا فجعله ميزانا ، أو معيارا للحق والباطل ، وهذا لا يجوز أبدا ، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( 13) – رحمه الله تعالى – : ومن نصّب شخصا – كائنا من كان – فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل ، فهو ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا ﴾ [سورة الروم : الآية 32] ، الآية ، وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين ، مثل اتباع الأئمة والمشايخ ، فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار ، فيوالي من وافقهم ، ويعادي من خالفهم ، فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به ، فهذا زاجر ، وكمائن القلوب تظهر عند المحن ، وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة ، أو يعتقدها لكونها قول أصحابه ، ولا يناجز عليها ، بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله ، أو أخبر الله به ورسوله ، لكون ذلك طاعة لله ورسوله .

وينبغي للداعي أن يقدم فيما استدلوا به من القرآن ، فإنه نور وهدى ، ثم يجعل إمام الأئمة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

ويقول في موضع آخر ( 14) : وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك ، بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان ، ومن عُرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم ، ولا يخص أحدا بمزيد موالات إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه ، فيقدم من قدم الله – تعالى – ورسوله عليه ، ويُفضل من فضَّله الله ورسوله ، قال الله – تعالى – ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [سورة الحجرات : الآية 13] .

وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن مطيعا لله ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – فيتخذ من هؤلاء العلماء دليلا يهتدي به ، فإذا استبانت له السنة عمل بها ، حتى لو كان الذي تكلم بها غير محبوب إليه .

احترام أهل العلم

ثانيا : من حقوق أهل العلم علينا احترامهم ، وتقديرهم ، يقول – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح : « ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه » (15 ) . فالعالم له حق على الإنسان أيًّا كان .

يقول طاوس بن كيسان – رحمه الله تعالى – وهو من التابعين ، من أكبر تلاميذ ابن عباس : من السنة أن يُوَقَّر أربعة : العالم ، وذو الشيبة ، والسلطان ، والوالد ، هذا من سنة نبيكم – صلى الله عليه وسلم – .

والصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – على حد سواء كانوا يهابون النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يسألوه ، حتى إن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : كَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ ؟ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ : « أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ » . قَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ : « وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا » . قَالَ : مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَبِيرِ عَمَلٍ صَلَاةٍ ، وَلَا صِيَامٍ ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ » (16 ) . قَالَ أَنَسٌ : فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ مَا فَرِحُوا بِهِ .

ويقول ابن عباس – رضي الله عنه – : مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن حديث ما منعني منه إلا هيبته .

فأين هذا من طلاب العلم الذين يتجرءون على المشايخ ، ويرفعون أصواتهم في وجوههم ، وربما آذوهم ، وربما وقفوا في طريقهم وهم يمشون ، وهذا ليس من الأدب مع أهل العلم .

ولما أراد خلف بن الأحمر شيخ الإمام أحمد بن حنبل أن يجلس الإمام أحمد بجواره ، أبى الإمام أحمد وقال : لا أقعد إلا بين يديك ، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه .

فما منع الإمام أحمد أنه كان معروفا ، أو أنه كان مشهورا في ذلك الوقت ، أن يجلس بين يدي من يريد أن يتعلم منه ، ولو مسألة واحدة ، أو حديثا واحدا ، وهو أحد شيوخه الذين أخذ عليهم العلم ، ولهذا كان ابن عباس – رحمه الله تعالى ورضي عنه – ربما جلس في الظهيرة في اليوم القائظ الشديد تُثير عليه الريح التراب عند باب أُبَيّ بن كعب ، فما يطرق عليه الباب ليخرجه وقت القائلة ، فيخرج إليه أبي بن كعب فيقول : يا ابن عم رسول الله هلا طرقت الباب ، وهلا أرسلت إلي ؟ فيقول – رضي الله عنه ورحمه – : هكذا أمرنا أن نفعل .

وكان يأخذ بخطام دابة أُبي بن كعب ، احتراما لأبي بن كعب – رضي الله عنهم – جميعا .

ثالثا : ومن أعظم حقوق العالم أن تأخذ علمه ، أن تأتي لتسأله ، لتستفيد منه ، لألا يموت العالم وعلمه في صدره ، لأن هذا العلم ورثه العلماء عن الأنبياء ، فكما ورث أبو بكر وعمر وأجلاء الصحابة علم النبي – صلى الله عليه وسلم – كذلك ورثهم التابعون ، والتابعون ورثهم أتباع التابعين ، وهكذا إلى أن يصل إلى علمائنا الموجودين اليوم ، ولله الحمد والمنة .

فهذه تركة محمد – صلى الله عليه وسلم – في صدروهم في صدورهم ، فاحفظوها ، وخذوا عنهم ، فمن الجفاء أن يُضَيَّع العالم ، ويُترك علمه ، ولهذا يقول عبد الرحمن بن مهدي – رحمه الله تعالى – : كان الرجل من أهل العلم إذا لقي مَن هو فوقه في العلم ، فهو يوم غنيمته ، سأله وتعلم منه ، وإذا لقي من هو دونه علّمه ، وتواضع له ، وإذا لقي من هو مثله في العلم ذاكره ودارسه .

هكذا كان أسلافنا – رحمهم الله ورضي عنهم – وقال أبو الدرداء – رضي الله عنه وأرضاه – : من فقه الرجل ممشاه ومخرجه ومدخله مع أهل العلم .

هذا من فقه الشاب أن يكون دائما مع أهل العلم ، ذهابا وإيابا ، يرافقهم يلازمهم حتى يجعله الله – عز وجل – في يوم من الأيام من أهل العلم الذين يحملون هذا العلم العظيم

الحذر من القدح في أهل العلم

رابعا : من حقوق أهل العلم الحذر من القدح فيهم ، وتناولهم بالقبيح من القول ، أو الفعل على حد سواء ، فهذا أيضا من الحقوق المهمة ، فقد رأينا شبابا – هداهم الله ، وأصلح قلوبهم وأعمالهم ، وأصلحنا جميعا – رأيناهم يُطلقون ألسنتهم في أهل العلم ، وفي ولاة الأمور ، وكأن هاتين الفئتين هم أقل الناس حقوقا عليهم ، فيطلقون فيهم ألسنتهم ، ولو عقلوا عن الله ، وعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لعلموا أن حق العالم ، وحق السلطان لا يقل عن حق الوالد إلا قليلا ، فحقهم عظيم على الناس ، ولهذا كان الطعن في أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – جريمة عظيمة ، بل أحيانا يكون كفرا مُخرجا من الملة بحسب قائله ، وبحسب بالصحابي المتكلَّم فيه ، ولهذا قال إمام عصره أبو زُرعة الرازي ( 17) – من أجل شيوخ مسلم – : إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح به ألصق والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب والفساد هو الأقوم الأحق .

ويقول الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – : إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة ، فاتهمه على الإسلام ، فإنه كان شديدا على أهل البدع .

فحق العالم حامل السنة أن يُحترم ، ولو أخطأ استغفرنا له ، ولا نطلق ألسنتنا في عرضه لخطئه في مسألة فقهية ، أو اجتهادية .

لحوم العلماء مسمومة

ويقول ابن عساكر – رحمه الله تعالى – : واعلم يا أخي – وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء – رحمة الله عليهم – مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار مُنتقصيهم معلومة ، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم ، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مَرتع وخيم ، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خُلُق ذميم ، والاقتداء بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم وصف كريم .

والعجيب أن بعض الفضلاء – هداهم الله – ربما يفرح بأن يسمع لبعض أهل العلم خطأ في فتيا ، فإذا ما دخل مجلسا يقول : أسمعتم فلانا ؟ أرأيتم فلانا كيف أفتى في المسألة الفلانية ؟ كيف قال في المسألة الفلانية ؟ وهذا ليس من خلق أهل الإيمان ، بل ينبغي عليه أن يبين الحق في المسألة إن كان عنده فيها علم .

التروي قبل تخطئة أهل العلم

خامسا : من حقوق أهل العلم الحذر من تخطئتهم بغير علم ، فعلينا أن نتأكد من المسألة ، وينبغي عليك أن تتأدب مع العالم ، فلا تعارض قوله الذي استند فيه على دليل شرعي برأيك فتهلك ، يقول بعض الناس – هداهم الله – وكان هذا في وقت مضى ، وإلى الآن – للأسف – نسمع هذه الكلمة ، يقولون : المشايخ الكبار اليوم مشايخ حيض ونفاس . يعني نسألهم عن أمور الصوم والصلاة ، وما إلى ذلك ، أما مسائل الواقع ، ومسائل أحوال المسلمين ، ومسائل البيوع ، ومسائل الأسهم ، ومسائل كذا ، ومسائل كذا ، فهذه المسائل لها أناس متخصصون .

وهذا قول خطير ، لأن هذا يعني أن هؤلاء العلماء لم يفقهوا ، أو أن الكتاب والسنة الذي حوته صدورهم ليس فيه حلول لما نحن فيه من الأمور المشكلة علينا ، وهذا قول خطير وقول مخالف لما أمر الله – عز وجل – به .

وعندي نقل عن شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمة الله عليه – وكان قد قيل في وقته كلام فيما يتعلق بأن الشيخ لا يفقه الواقع ، ولا يعرفه ، فتكلم الشيخ بكلام يدل على علمه وفقهه – رحمه الله – حيث قال في إحدى فتاواه ، لما قيل له : إنكم لم تفقهوا الواقع يا شيخ ، إنكم أهل حيض ونفاس فقط . فقال – رحمه الله تعالى – : الواجب على الإنسان أن يحفظ لسانه عما لا ينبغي ، وألا يتكلم إلا عن بصيرة ، فالقول بأن فلانا لا يفقه الواقع ، هذا يحتاج إلى علم ، ولا يقوله إلا من عنده علم ، حتى يستطيع أن يحكم ، أما أن يقول هذا جزافا ، ويحكم برأيه على غير دليل ، فهذا منكر عظيم ، لا يجوز ، والعلم بأن صاحب الفتوى لم يفقه الواقع يحتاج إلى دليل ، ولا يتسنى ذلك إلا للعلماء .

يعني أن الذي يقول : إن العلماء لا يفقهون الواقع ، ولا يعرفون أن يفتوا في الأسهم والسندات وما إلى ذلك . قول لا دليل عليه ، وإنما هو خطأ ارتكبه من حيث لم يشعر .

التماس العذر للعلماء

سادسا : من حقوقهم التماس العذر لهم إذا زلت بهم القدم ، يقول بعض السلف : إذا كان الرجل ثقة مشهودا له بالإيمان والاستقامة ، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه ومن أمثاله ، بل ينبغي التأويل الصالح ، فحسن الظن بهم واجب علينا .

الرجوع إليهم في زمن الفتن والنوازل

سابعا : من حقوقهم المهمة الرجوع إليهم ، خاصة في زمن الفتن والنوازل ، يقول الله – عز وجل – ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [سورة النساء : الآية 83] فانظروا رحمكم الله إلى قوله – سبحانه وتعالى – ﴿ يَسْتَنبِطُونَهُ ﴾ ولم يقل : يحفظونه . فليس العلم بكثرة الحفظ ، وإنما العلم بالفقه والفهم ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ ﴾ فإذا نزل بالمسلمين نازلة كغلاء أسعار ، أو حرب ، أو فتن ، أو نحوها ، فافزع إلى أهل العلم ، فاسألهم عن حكم الله ، وحكم رسوله فيما فهّمهم الله ، فبإذن الله – تعالى – تجد الجواب الذي يُثلج صدرك ، ولهذا يقول الشيخ ابن سعدي ( 18) – رحمه الله تعالى – في تفسير قوله – تعالى – ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [سورة النساء : الآية 83] هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق ، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن ، وسرور المؤمنين ، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم ، أن يتثبتوا ، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر ، بل يردونه إلى الرسول ، وإلى أولي الأمر منهم ، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة ، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها ، فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتَحَرُّزا من أعدائهم ، فعلوا ذلك ، وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة ، أو فيه مصلحة ، ولكن مضرته تزيد على مصلحته ، لم يذيعوه ، ولهذا قال ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ أي يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة ، وعلومهم الرشيدة .

وفي هذا دليل لقاعدة أدبية ، وهي أنه إذا كان هناك بحث في أمر من الأمور ، فينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ، فلا يُتَقدم بين أيديهم ، فإنهم أقرب إلى الصواب ، والسلامة من الخطإ .

وما ابتُلي المسلمون اليوم من البلايا المتكررة ، ووقعوا في الأخطاء التي ندموا عليها إلا لأنهم رجعوا إلى صغار السن من الشباب ، رجعوا إلى المتحمسين ، رجعوا إلى بعض من انتسب إلى العلم ، ولم ترسُخ قدمه ممن يخرج في القنوات الفضائية ، وفي غيرها فوقعت لهم الفتنة تلو الفتنة وهم لا يشعرون .

نشر فضائلهم

ثامنا : من حقوقهم علينا نشر فضائلهم ، والكف عن ذكر مثالبهم .

تنبيهات

وهنا بعض الفوائد والتنبيهات ، يحسن أن نتعرض لبعضها ، والتنبيه عليها :

التنبيه الأول : احترام أهل العلم لا يعني أننا نقدسهم ، بل العالم بشر ، يصيب ويخطئ ، لكن الغالب على قوله الصواب ، فإن كان لنا معرفة بالدليل ، وعرفنا دليله فالحمد لله ، وإلا وجب علينا الأخذ بقول هذا العالم ، وإن أشكل علينا شيء رجعنا إلى مَن هو أعلم منه .

التنبيه الثاني : أن طاعة أهل العلم طاعة كلية تنتظم جميع جوانب الحياة ، الزوجية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، وغيرها .

التنبيه الثالث : أن طاعة العلماء جاءت باعتبار شرعي ، أي أن الله أمر بها ، وأمر بها رسوله – صلى الله عليه وسلم – فلا يجوز لنا أن نرفع حكما أعطاه الله – عز وجل – رجلا من التقدير والتوقير ، إلا إذا كان عندنا في ذلك دليل ، ولا يُلتفت إلى مَن طعَن في أهل العلم ، فإنهم ليسوا بحجة في ذلك .

التنبيه الرابع : أن الاقتداء بالعلماء في هديهم قَسيم الاقتداء بهم ، والأخذ عنهم في علمهم ، بمعنى أن الأخذ عن العالم يشمل هديه في عبادته ، في صيامه ، في صلاته ، في مشيته ، في ورعه ، في تقواه ، كل هذا ينبغي عليك أن تأخذه عن العالم .

الخامس : إذا اتفق العلماء على قول كان قولهم إجماعا ، كما ذكر ذلك أهل العلم ، فلا يسوغ للناس المخالفة ، ومن ذلك أن أهل الحل والعقد من علمائنا إذا رأوا رأيا ، وكان رأيهم مبنيا على الدليل ، فلا ينبغي لطالب علم أن يقول : أنا لا أقبل هذا القول ، وسآخذ برأي فلان . لأنك لا تدري ما الدليل الذي اعتمدوا عليه ، أما إذا كان عندك من العلم ما تفهم به كلامهم ، ورأيت أن قولهم خلاف القول الصحيح في نظرك ، فإنه لا يسوغ لك أن تتكلم بهذا ، وأن تُؤَلِّب العامة عليهم ، وتشق عصى المؤمنين ، لأن هذا ليس من الدين في شيء ، والأمر كما قال بعض أهل العلم : أن نجتمع على رأي مرجوح خير من أن نتفرق على راجح ومرجوح .

فالتفرق مذموم في الشريعة ، وأما لو أخطئنا في مسألة فقهية ، فالله يغفر لنا ، ولمن أفتى لنا بذلك .

ونحب أن نشير إلى بعض الخلط الذي وقع لبعض الناس بين العلماء ، وبين غيرهم ، حيث إن كثيرا من الشباب ، ومن الطلاب الصغار قد يلتبس عليه بعض الناس ، فيظن أنهم من العلماء ، وليس الأمر كذلك .

فمن ذلك الخلط بين العلماء ، وبين خطباء الجوامع ، حيث يظن بعض الناس – خاصة العوام – أن خطيب الجامع عالم ينبغي عليه أن يرجع إليه في الفتيا ، وخاصة إذا كانت خطبه ثرية ومفيدة ، أو حماسية ، والأمر ليس كذلك ، ولهذا يقول ابن مسعود – رضي الله عنه – إنكم اليوم في زمان كثير علماؤه ، قليل خطباؤه ، من ترك عشر ما يعرف فقد هوى ، ويأتي من بعد زمان ، كثير خطباؤه ، قليل علماؤه ، من استمسك بعُشر ما يعرف فقد نجا ( 19) .

وقال مجاهد – رحمه الله – : ذهب العلماء ، ولم يبق إلا المتكلمون ، وما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم .

هل كل خطيب مسجد يصلح للفتيا

فخطباء الجوامع محترَمون مقدَّرون ، لكن ليس كل من خطب في جامع صار عالما ، فالعالم هو الذي يعرفه الناس كالمشايخ المعروفين اليوم عندنا وهم خطباء جوامع أيضا ، أما غيرهم فينبغي فولا نرجع إلى هؤلاء الخطباء ، بل نرجع إلى أهل العلم .

وقد وضع ولي الأمر – ولله الحمد – لجنة خاصة ، وإماما للفُتيا في هذه البلاد ، يُرجع إليه ، ولله الحمد والمنة .

ومن ذلك أيضا الخلط عند بعض الفضلاء بين القراء والمثقفين ، وبين العلماء ، فبعض الناس نشيط في التأليف ، وفي الكتابة ، يكتب الكتابات ، وله مؤلفات عديدة في أمور تهم المسلمين ، في بعض القضايا الاجتماعية ، أو الدينية ، فليس كونه عنده عشر مؤلفات ، أو خمسة عشر مؤلفا – مثلا – أنه بذلك صار من العلماء .

والخوارج قديما كانوا قد اغتروا بصغار السن ، وكان فيهم الخطباء ، والمتكلمون ، وهم كانوا على خطإ عظيم ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم – عليهم : « يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان ، سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة » ( 20) .

فهؤلاء قولهم جميل وحسن ، لكنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فلا يغرك قدرة المحاضر على الخطبة ، أو شحذه للهمم ، ولا مؤلفاته ، فهذا كله ليس دليلا على أنه عالم ، فالعالم هو الذي حصل أدوات العلم الشرعي ، وبرع فيها ، وشهد له أهل العلم بذلك .

وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : كيف بكم إذا لبستكم فتنة ، يربو فيها الصغير ، ويهرَم فيها الكبير ، وتُتخذ سنة ، فإن غُيِّرت يوما قيل : هذا منكر . قيل : ومتى ذلك ؟ قال : إذا قلَّت أمناؤكم ، وكثرت أمراؤكم ، وقلت فقهاؤكم ، وكثرت قراؤكم ، وتُفُقِّه لغير الدين ، والتمست الدنيا بعمل الآخرة (21 ) .

المفكرون والمثقفون

وأيضا مما يخلط فيه الناس أنهم يخلطون بين الفقهاء والعلماء الذين يرجع إليهم وبين ما يسمى بالمفكر ، أو المثقف الذي يكتب في قضايا تهم المسلمين ، كالعولمة ، والتطبيع وما شابه ذلك ، وهذه أمور مفيدة بلا شك ، ويشكر على ذلك ، لكن ينبغي علينا أن نعرف أن هذا ليس عالما نأخذ عنه العلم ، والأجدر بهؤلاء الذين يقومون بمثل هذه الأعمال أن يعرضوها على أهل العلم ، فإن أجازوها نشروها ، لأنهم ليسوا أمناء على الشريعة ، ليسوا مسئولين عن الشريعة ، لأنهم ليسوا من أهل العلم ، أما أن يكتب ويقول : هذا واجب عليّ أن أكتب هذا الكتاب ، وأولف هذا التأليف . فهذا ليس بصحيح .

يقول الحافظ ابن رجب ( 22) – رحمه الله تعالى – وقد فُتن كثير من المتأخرين بهذا فظنوا أن مَن كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين ، فهو أعلم ممن ليس كذلك ، وهذا جهل محض ، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم ، كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا ، كلامهم أقل من كلام ابن عباس ، وهم أعلم منه ، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة ، والصحابة أعلم منهم ، وكذلك تابعوا التابعين ، كلامهم أكثر من كلام التابعين ، والتابعون أعلم منهم ، فليس العلم بكثرة الرواية ، ولا بكثرة المقال ، ولكنه نور يقذف في القلب ، يفهم به العبد الحق ، ويميز به بينه وبين الباطل ، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد ، وقد كان النبي – صلي الله عليه وسلم – أوتي جوامع الكلم ، واختُصر له الكلام اختصارا ، ولهذا ورد النهي عن كثرة الكلام ، والتوسع في القيل والقال .

هكذا حال أهل العلم ، وهكذا حال غيرهم ، فينبغي علينا أن نستمسك بأهل العلم قديما وحديثا ، بمؤلفاتهم ، وعلومهم العظيمة ، وبالعلماء الموجودين اليوم ، فمن فضل لله علينا أن أكرم هذه البلاد بثلة من أهل العلم الصالحين ، الذي هم على نهج السلف سائرين ، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله – عز وجل – ولولا أنا في مقام الشهادة ، لا مقام التزكية ، لما ذكرنا أحدا منهم ، ولكن من المشايخ الموجودين الذين نحسبهم كذلك شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله المفتي ، والشيخ صالح الفوزان ، والشيخ عبد الله الغديان ، والشيخ صالح اللحيدان ، وغيرهم من أهل العلم ، ممن وضعهم ولي الأمر على الفتيا ، وعلى تعليم الناس ، فهؤلاء العلماء الذين ينبغي علينا أن نستمسك بعلمهم وبهديهم ، وأن نأخذ عنهم العلم ، متعهم الله بالصحة والعافية ، فهم كبار السن إذا لم نسارع في أخذ العلم عنهم فاتنا خير كثير ، فلا نجد من نتأثر بفتياه ، وبهديه ، وسمته .

أسأل الله – عز وجل – بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا أن يُلزمنا هدي نبيه – صلى الله عليه وسلم – وأن يرزقنا الاقتفاء على نهجه ، والسير على سنته ، إنه – سبحانه وتعالى – جواد كريم ، وأسأله أن يغفر للعلماء السالفين ، وللأحياء الحاضرين ، إن ربي جواد كريم ، وأن يوفق ولاة أمورنا لما يحب ويرضى ، ويسددنا جميعا في القول والعمل ، إنه جواد كريم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

تعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ المفتي العام للمملكة

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله ، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وعلى صحابته أجمعين ، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد :

فقد جاء في الأثر أن أنبياء بني إسرائيل ما مضى نبي إلا أعقبه نبي آخر ، فالأنبياء يتواجدون كل نبي يخلفه نبي بعده ، أما أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – فنبيها آخر الأنبياء ، لا نبي بعده ، ختم الله برسالته الرسالات ، وبشريعته جميع الشرائع ، فهو آخر الأنبياء – صلى الله عليه وسلم – ولذا أقام الله علماء الأمة مقام أنبياء بني إسرائيل ، فصار العلماء ورثة الأنبياء ، نقلوا علم نبيهم – صلى الله عليه وسلم – .

الصحابة هم أعلم الناس بالسنة

فأصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – أعلم الخلق بدين الله ، نقلوا لنا كتاب الله ، ونقلوا لنا سنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – وتوارثها المسلمون ، خلف بعد سلف ، يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين .

إن العلماء لهم فضل كبير ، ومنزلة عظيمة في الإسلام ، يقول الله – جل وعلا – مستشهدا بهم على أعظم مشهود عليه ، وهو توحيده ، وإخلاص الدين له ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 18] وأخبر أنهم أهل خشية الله ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ﴾ [سورة فاطر : الآية 28] وأخبر أن لهم منزلة رفيعة ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [سورة المجادلة : الآية 11] ويقول – صلى الله عليه وسلم – : « إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع » ( 23) .

والعلماء هم من فقهوا عن الله مراده ، فقهوا كتاب الله ، وسنة محمد – صلى الله عليه وسلم – وطبقوها على أنفسهم ، فكانوا قدوة للناس بأعمالهم ، وقدوة للناس بأقوالهم وأخلاقهم ، علموا الشرع فطبقوه ، وعملوا به ، والتزموه ، فرأى الناس أفعالهم طبقا لأقوالهم ، ولم يكن بين العلم والعمل تناقض ولا اختلاف .

وقد ذم الله علماء السوء الذين يخالف عَمَلُهم عِلْمهم ، فقال ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [سورة البقرة : الآية 44] ، وقال ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [سورة الصف : الآية 3] ، وقال شعيب عليه السلام ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [سورة هود : الآية 88] .

فإذا رزق الله العالم خشية الله ومهابته وتعظيم أمره ونهيه ، ورزقه الله غيرة على دين الله ، وجعل الله في قلبه حب النصيحة والتوجيه ، ودعوة الناس للخير ، وتحذيرهم من الشر ، ودعوتهم إلى الخير ، وكان هذا العالم عاملا بعلمه ، ملتزما به ثابتا عليه ، دل ذلك على أن الله أراد به خيرا ، وإلا فالعياذ بالله إذا كان العلم شيئا ، والعمل شيئا آخر ، فتلك هي المصيبة والبلية .

إن علماء الأمة كان يعلوهم التواضع ، والخوف من الله ، والخشية من عذابه ، فكانوا يُعرفون بخشيتهم ، وتواضعهم لله ، وحب الخير ، ليس فيهم كبر في أنفسهم ، ولا إعجاب بأعمالهم ، ولكن فيهم حب الخير والرحمة والشفقة بالمسلمين ، كانوا أهل خير في سرهم وعلانيتهم ، ولهذا رفع الله منزلتهم وأعلى شأنهم ، قال – تعالى – ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [سورة السجدة : الآية 24] .

فبصبرهم ، وأعمالهم الطيبة ، وتمسكهم بهذه الشريعة ، ودفاعهم عنها ، وعن عظيم أوامر الله ونواهيه ، جعل الله في قلوب الناس محبة لهم ، وهيبة منهم ، لأنهم عظموا الله ، فعظمهم الخلق ، ومن عظم الله ، عظمه عباد الله ﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ [سورة الحجج : الآية 18] .

خطورة الطعن في العلماء

أما الطعن في العلماء ، أو السخرية منهم ، أو انتقاصهم ، فلا شك أن هذا خطأ عظيم ، لا يجوز ، لأن العلماء إذا فُقِدت الثقة فيهم فمن يوثق به بعدهم .

نسأل الله أن يوفق الجميع منا للعمل الصالح ، ونسأله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وأن يستعملنا في الباقيات الصالحات ، وصل الله على محمد .

الأسئلة

السؤال الأول : يقول السائل كيف نعرف أن الشيخ المفتي في القناة الفضائية ثقة نأخذ عنه الفتوى ؟

الجواب : ينظر فيما يفتي ، فإن كان يغلب عليها الشطط والخروج عن المنهج الشرعي ، وكانت الفتاوى متخبطة ، لا يصحبها دليل ، وإنما هي كلام فارغ إذا طبقته على النصوص الشريعة وجدت المخالفة ظاهرة ، فيحل المحرمات ، ويتساهل فيها ، ويحاول البحث عن الآراء الشاذة فيجعلها حجة ، فهذا لا يجوز .

وقد رأينا في بعض القنوات من يتصدرون للفتوى ، وهم غير مؤهلين تماما لذلك ، وهذا من البلاء ، يقول – صلى الله عليه وسلم – : « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبْق عالما ، اتخذ الناس رؤوسا جُهَّالا ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضَلُّوا » ( 24) .

السؤال الثاني : هذا سؤال من الإنترنت ، يقول : ما رأي سماحتكم ببعض المفكرين الإسلاميين الذي يلقون بعض المحاضرات ، ويفتون بجواز الاحتفال بالميلاد ، والزواج وأشياء قريبة من ذلك ؟

الجواب : لا شك أن الاحتفال بالموالد بدعة ، مخطئ من يدعو إليها ، لكن الحال يختلف إن كان يدعو إلى شركيات ، وضلالات ، ودعوة غير الله ، فهذا الشيء كفر ، وإن كان مجرد دعوة للاحتفال فهذه بدعة ، نقول : إنه أخطأ في هذا ، وخالف الحق في هذا .

أما الزواج ، فإن كان قصده الزواج بنية الطلاق ، أو زواج المتعة ، فالصحيح أن زواج المتعة أجمع المسلمون على تحريمه ، والزواج بنية الطلاق ، لا شك أنه خطأ ، وأنه ليس من مصلحة المرأة ولكنه ضرر عليها .

وإن كان يقصد الاحتفال بمرور سنة على الزواج ، فهذا لا أصل له في الشرع ، وعليه أن يشكر ربه ، ويثني عليه ، لكن لا نعتبره من الكبائر ، هو خطأ ووسيلة إلى بدعة .

السؤال الثالث : يقول السائل: عقدت على زوجتي ، وفيما بعد علمت أن شقيقتي أرضعت شقيق زوجتي ، فهل يؤثر ذلك على زواجي من هذه المرأة ؟

الجواب : إذا كانت شقيقتك أرضعتها فأنت خالها من الرضاع ، أما إذ كانت أرضعت شقيق زوجتك ، فلا علاقة لها بزوجتك ، وهي أم أخي زوجتك في الرضاعة ، وأنت خاله هو في الرضاعة ، وعليه فلا مانع من هذا الزواج .

السؤال الرابع : سماحة الشيخ كثر في الآونة الأخيرة التهجم على بعض العلماء في الصحف ، والتطاول عليهم ، وهذا يقلل من شأنهم عند العامة ، فلماذا لا يمنع هؤلاء ، ويرفع أمرهم لولاة الأمور حفظك الله ؟

الجواب : العلماء لا يضرهم قدح هؤلاء ، ولا يحط من شأنهم تكلم سفيه ، أو حديث جاهل ، أو متحامل ، أو مغرض ، أو منغمس في نفاقه ، كل هذا لا يهم ، لأن هؤلاء الذين ينقدون ، إذا قرأت كلامهم تجده خاليا من الحقيقة ، بعيدا عن الواقع ، وإنما هو تحامل ، ونوع من النفاق ، امتلأت به قلوبهم ، فأرادوا به الحط من شأن العلماء ، ليفقدوا ثقة الناس بهم ، ولكن ولله الحمد ، المسلمون على ثقة بعلمائهم ، وهذه الأقوال والترهات نعتبرها هراء لا قيمة لها ، ولا حقيقة لها ، ولا يمكن أن تروج على ذي عقل سليم .

السؤال الخامس : سماحة الشيخ هل سماع دروس الشيخ ابن العثيمين – رحمه الله – في القناة الفضائية الخاصة به يعتبر مجلس ذكر يثاب عليه من يستمع له ، علما بأنه درس في تفسير القرآن الكريم ؟

الجواب : نعم بلا شك فالشيخ ابن العثيمين – رحمه الله – إمام من أئمة الإسلام ، عالم من علماء الشريعة ، عرفناه غفر الله له ، وجالسناه ، وسمعنا منه ، وهو من فضلاء المسلمين ، من العلماء ، ومن خيار العلماء ، جمع بين العلم والعمل ، والتواضع ولين الجانب ، وبذل العلم ، واختلاط بالناس ، يعني رحيب الصدر ، واسع الأفق ، لا يستنكف أن يُقال له : قلت كذا وكذا . أو يُراجع في أمر من الأمور ، هو من خيار المسلمين – رحمه الله – .

هيأ الله له المؤسسة التي قام بها إخوانه وأبناؤه ، فنشروا كتبه وعلومه ، وهذا من توفيق الله له ، لأن الرجل فاضل ، عالم جليل ، وفتاواه وكتبه سائرة ، نقرأ فيها كثيرا ، نجد فيها العلم والخير ، شرحُه لزاد المستقنع شرح عظيم ، وفتاواه التي قد تبلغ أربعين مجلدا ، ورسائله المتعددة ، كلها علم وخير .

السؤال السادس : كيف نجعل أبناءنا يتعلقون بالعلماء ؟

الجواب : يكون ذلك بالاستماع لهم ، وحضور دروسهم ، والثناء عليهم .

السؤال السابع : أقسمت ألا أجامع زوجتي في يوم من الأيام ، ثم جامعتها ، فهل يجب علي الكفارة ؟

الجواب : نعم عليك كفارة يمين .

السؤال الثامن : سائل يقول : إن الأمة الإسلامية تمر بمحن ومصائب ، وبخصوص أهل الباطل من الصوفية وغيرهم يوجد لدينا مسجد بجوار قريتنا وعدد من في هذه القرية ثلاثة آلاف شخص ، وبها مسجد واحد ، بداخله قبر ، ولا يستطيعون أن يبنوا مسجدا آخر لظروف البلد فكيف يؤدون صلاتهم ؟ وجزاكم الله خيرا .

الجواب : لا يجوز أن تصلوا في مسجد به قبر إلا أن تخرجوا القبر ، ولو سرا ، والله المستعان .

السؤال التاسع : يقول السائل : شخص استخدم بطاقة تأمين لشخص آخر للكشف والعلاج ، ويريد أن يرد هذا المبلغ ، فكيف يعمل ؟ وجزاك الله خيرا .

الجواب : إذا كان أعطاه البطاقة ، وهو الذي دفع الثمن فلا شيء في ذلك .

السؤال العاشر : يقول السائل رجل يصلي قيام الليل ، فسلم من ركعة واحدة فهل يأتي بأخرى تشفع ؟

الجواب : نعم يأتي لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « صلاة الليل مَثنى مَثنى » (25 ) .

السؤال الحاديَ عشرَ : هل زوجة الجد لأم محرم لي ؟

الجواب : نعم .

السؤال الثانيَ عشرَ : يقول السائل الساعة الأولى من الجمعة كيف نحددها ؟

الجواب : الله أعلم ، فما بين طلوع الشمس ، ودخول وقت الجمعة ، هذا الوقت يقسم على خمسة أجزاء .

السؤال الثالثَ عشرَ : يقول السائل : هل يجوز لامرأة هجرها زوجها ، وعلقها ، وهي على ذمته ، أن تحج دون إذنه ؟

الجواب : إن كان الزوج قد تركها من غير خطإ منها ، فلها ذلك .

السؤال الرابعَ عشرَ : يقول السائل : جئت للمملكة من أجل العمل ، ونزلت بمكة لأداء العمرة قبل الذهاب إلى مقر عملي ، وكان ذلك في شهر ذي العقدة ، وأريد أن أحج هذا العام فهل علي هدي إن كنت أنوي الحج مفردا ؟

الجواب : حُجَّ ، ولا شيء عليك إن شاء الله .

السؤال الخامسَ عشرَ : كيف أجاهد الشيطان في تثبيطه لي في طلب العلم ؟

الجواب : امض في طريقك وشق طريقك مستعينا بالله ، تُوهن بذلك عدوك ، إن شاء الله .

السؤال السادسَ عشرَ : هل بقاء أثر المني على الملابس يبطل الصلاة ؟

الجواب : لا ، تقول عائشة – رضي الله عنها – : كنت أفرك المني من ثوب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم يذهب فيصلي به ( 26) .

السؤال السابعَ عشرَ : يقول السائل : هل ورد في السنة تسبيحة واحدة في الركوع أو السجود ؟

الجواب : لا أعلم ، لكن الفقهاء يقولون : إن الواجب واحدة ، ففي الحديث لما أنزل الله ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ ﴾ [سورة الواقعة : الآية 74] قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : « اجعلوها في ركوعكم » . ولما نزل قوله – تعالى – ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ [سورة الأعلى : الآية 1] قال : « اجعلوها في سجودكم » ( 27) . قالوا : دل على أن الواحدة تؤدي الواجب ، ولكن لا بد من الطمأنينة في الصلاة .

السؤال الثامنَ عشرَ : يقول السائل : هل هذه المقولة صحيحة “من صافح مبتدعا فقد نقض عرى الإسلام عروة عروة” .

الجواب : لا أعتقد هذا ، فالإنسان قد يصافح المبتدع ليدعوه إلى الله ، ليحتويه ، ليبين له الحق ، لا بد من التعامل مع الناس بما يوصل كلمة الحق .

السؤال الثامنَ عشرَ : يقول السائل : هل يصح حجي وأنا قد تأخرت في إخراج زكاة مالي ؟

الجواب : إذا وجبت عليك الزكاة فأدها في وقتها .

السؤال التاسعَ عشرَ : يقول السائل : إذا أخطأ العالم في مسألة ، فهل على من عنده علم ودليل أن يذكر له ما أخطأ فيه بطريقة بعيدة عن الشطط ؟

الجواب : هذا واجب ، فإذا سمعتم مني خطأ فبلغوني ، فقد يقع الخطأ ، لكن تداركه واجب ، يعني يجب الرجوع إلى الحق .

السؤال العشرون : يقول السائل : هل يصح المسح على الشراب الخفيف الذي يبدو معه الجلد ؟

الجواب : ينبغي أن يكون الشراب صفيقا .

***************************************************************************************************************

( 1) أي نَعَّمَه ، ويروي بالتخفيف والتشديد من النَّضارة ، وهي في الأصل حُسنُ الوجه والبَريقُ ، وإنما أراد حَسَّن خُلُقَه وقَدْرَه . النهاية : نضر .

( 2) أخرجه أحمد (3/225 ، رقم 13374) ، وأبو داود (3/322 ، رقم 3660) ، والترمذي (5/33 ، رقم 2656) وقال : حسن . والنسائي (3/431 ، رقم 5847) ، وابن ماجه (1/86 ، رقم 236) . وصححه الألباني في صحيح الجامع 6763 .

( 3) إعلام الموقعين 1/9 .

( 4) الشريعة صـ 11 .

( 5) مفتاح دار السعادة 1/140 .

( 6) وهو الملقب بربيعة الرأي ، له ترجمة في سير أعلام النبلاء 6/89 .

( 7) سير أعلام النبلاء 17/25 .

( 8) أخرجه أحمد (5/196 ، رقم 21763) ، وأبو داود (3/317 ، رقم 3641) ، والترمذي (5/48 ، رقم 2682) وقال : لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة ، وليس هو عندي بمتصل . ثم أورد له إسنادًا وقال هذا أصح . وابن ماجه (1/81 ، رقم 223) ، وابن حبان (1/289 ، رقم 88) ، والبيهقي في شعب الإيمان (2/262 ، رقم 1696) . وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 70 .

(9 ) أخرجه أحمد (4/96 ، رقم 16924) ، والبخاري (1/39 ، رقم 71) ، ومسلم (2/718 ، رقم 1037) .

(10 ) أخرجه أحمد (2/162 ، رقم 6511) ، والبخاري (1/50 ، رقم 100) ، ومسلم (4/2058 ، رقم 2673) .

(11 ) أخرجه أحمد ( 4/160، رقم 17612) ، الترمذي (2653) ، وابن ماجه (4048) وصححه الألباني في صحيح الجامع 6990 .

(12 ) تخريج العقيدة الطحاوية ، للشيخ الألباني صـ 82 .

(13 ) مجموع الفتاوى 20/8 .

(14 ) مجموع الفتاوى 11/512 .

(15 ) أخرجه أحمد (5/323 ، رقم 22807) ، قال المنذري (1/64) : إسناده حسن . والضياء من طريق الطبراني (8/361 ، رقم 445) . قال الهيثمي (1/127) : رواه أحمد والطبراني في الكبير ، وإسناده حسن . وصححه الألباني في الصحيحة 2196 .

(16 ) أخرجه البخاري (5/2283 ، رقم 5819) ، ومسلم (4/2032 ، رقم 2639) .

( 17) انظر الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة ، لابن حجر الهيتمي 2/608 .

(18 ) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان صـ 190 .

(19 ) أخرجه الهروي في ذم الكلام ( 1 / 14 – 15 ) . وصححه الألباني في الصحيحة 2510 .

(20 ) أخرجه البخاري (3/1321 ، رقم 3415) ، ومسلم (2/746 ، رقم 1066) .

(21 ) أخرجه ابن أبي شيبة (7/452 ، رقم 37156) ، ونعيم بن حماد في الفتن (1/48 ، رقم 69) . وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 111 .

(22 ) في فضل علم السلف على الخلف صـ 9 .

(23 ) تقدم تخريجه .

(24 ) تقدم تخريجه .

(25 ) أخرجه البخاري (1/382 ، رقم 1086) ، ومسلم (1/516 ، رقم 749) .

(26 ) رواه مسلم ( 1 / 164) .

(27 ) أخرجه أحمد (4/155 ، رقم 17549) ، والدارمي (1305) ، وأبو داود (869) ، وابن ماجه (887) . وحسنه الألباني – رحمه الله – في المشكاة 879 ، ثم تراجع وضعفه في الإرواء 334 .

———————————————

المحاضر :فضيلة الشيخ الدكتور/عادل بن محمد السبيعي

-- عادل بن محمد السبيعي



خدمات المحتوى
    زيارات 363


المحاضر :فضيلة الشيخ الدكتور/عادل بن محمد السبيعي
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري