في
الجمعة 28 صفر 1439 / 17 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

23-شوال-1437 01:18 AM





بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

تعريف العقيدة السلفية:

إن عقيدة السلف هي العقيدة التي بعث الله – جل وعلا – بها أنبياءه – عليهم الصلاة والسلام – فما مِن نبي من الأنبياء إلا بعثه الله – جل وعلا – بهذه العقيدة ، كما قال تبارك وتعالى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [سورة النحل : الآية 36] .

هذه العقيدة هي عقيدة المؤمنين ، وهي العقيدة التي لا حياد لأحد عنها ، ومتى شذَّ عنها أحد شذَّ إلى ضلالة . فعقيدة السلف هي عقيدة أهل السنة والجماعة ، وهي عقيدة أهل الحديث ، وهي عقيدة الطائفة الناجية المنصورة . هذه العقيدة باقية إلى أن يأتي أمر الله تبارك وتعالى ، باقية متمثلة في طائفة لا تفنى ولا تزول ، إلى أن يأتي أمر الله تبارك وتعالى ، وهم عليها كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : « لا تَزَالُ طَائفةٌ مِن أُمَّتِي قَائِمةً بأَمْرِ اللهِ لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ » (1 ) .

هذه العقيدة ليست منسوبة لشخص معين ولا لطائفة بعينها ، وإنما هي العقيدة التي بعث الله – جل وعلا – بها أنبياءه ؛ لهذا كانت هذه العقيدة تعصم جملة المستمسكين بها ، وأما أفرادهم فإن الخلل والزلل يقع منهم ؛ إذ لا عصمة إلا للأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – حتى إنهم إذا وقع منهم الخطأ نبهوا عليه ؛ لأن المرء يفتن بهم ، فالأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – لهم العصمة ، ولكن ربما يقع الخطأ في غير التبليغ ، فيظن مَن يظن أن ذلك من التبليغ ، فلا بد أن ينبه النبي إلى هذا .

هذه العقيدة إذا أراد أعداؤها أن يُنفِّروا منها نسبوها إلى فلان أو فلان ، أو نسبوها إلى طائفة معينة ، وهي – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى – : ” الحق الذي لا ريب فيه ، وهي عقيدة المؤمنين ، الذين لا يجتمعون على ضلالة ، فأما أن يُفرِد الإنسان طائفة منتسبة إلى متبوع من الأمة ، ويسميها أهل الحق ، ويشعر أن كل من خالفها في شيء فهو من أهل الباطل ، فهذا حال أهل الأهواء والبدع … ، وليس هذا من فعل أهل السنة والجماعة ، فإنهم لا يصفون طائفة بأنها صاحبة الحق مطلقًا إلا المؤمنين ، الذين لا يجتمعون على ضلالة … فليس الحق لازمًا لشخص بعينه ، دائرًا معه حيث دار ، لا يفارقه قط إلا الرسول – صلى الله عليه وسلم – إذ لا معصوم من الإقرار على الباطل غيره …، وليس الحق أيضًا لازمًا لطائفة دون غيرها إلا للمؤمنين ، فإن الحق يلزمهم ؛ إذ لا يجتمعون على ضلالة ، وما سوى ذلك فقد يكون الحق فيه مع الشخص أو الطائفة ، في أمر دون الأمر ” (2 ).

ويقول – رحمه الله – : ” ومن المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم ” (3 ). إلى أن قال : ” فلا تجد مسألة خُولفوا فيها وإلا وقد تبين أن الحق معهم ” (4 ) . وقال : ” فطريقة أهل السنة والحديث هي الطريقة المحمدية المحضة ، الشاهدة على جميع الطرق ” (5 ) .

قواعد العقيدة السلفية:

هذه العقيدة – أيها الإخوة – سار سلف الأمة فيها على قواعد ، ومن هذه القواعد التي سار عليها سلف هذه الأمة :

القاعدة الأولى : تقديم الشرع على كل ما يعارضه . ومن ذلك العقل ، والشرع الصحيح المنزل من عند الله تعالى لا يمكن بحال من الأحوال أن يتعارض مع العقل السليم السالم من الشبهات ؛ لأن الشرع بأمر الله تعالى الشرعي ، والعقل من أمر الله تعالى الكوني ، وهما لا يتعارضان ، كما قال تعالى : ﴿ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾ [سورة الأعراف : الآية 54] . وإنما التعارض في أعين الناظرين .

فإذا تعارض في عين هذا الناظر عقله مع شرع الله تعالى وجب عليه تقديم الشرع ؛ لقول الله تعالى : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [سورة النساء : الآية 59] . ولم يقل الله تعالى : فردوه إلى العقول . وقال تعالى : ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [سورة البقرة : الآية 213] . وقال تعالى : ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 153] . وقال تعالى : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [سورة الإسراء : الآية 15] .

ولم يكلنا الله تعالى إلى العقول ، ولم يعذب عليها . ثم إن الرد إلى العقل الإنساني أمر غير منضبط ؛ لاختلاف العقول والأفهام ، فما يراه هذا يرى غيرُه خلافه ، وهكذا . فيصبح الناس في أمر مريج لو إنهم وكلوا إلى عقولهم ، ولهذا لما ذهب مَن ذهب من الطوائف إلى وجوب تقديم العقل على الشرع أحدث هذا اختلافًا كبيرًا بينهم ، حتى إن بعضهم ليكفر بعضًا ، ويلعن بعضهم بعضًا .

وكذلك تقديم الشرع على آراء الرجال وأقوالهم ، إذا عارضت الكتاب والسنة ، فالسلف لم يكونوا يتركون قول الله تعالى ، وقول رسوله – صلى الله عليه وسلم – لقول أي إنسان كائنًا مَن كان ؛ لأن الله تعالى عاب على المشركين تقديم أقوال الرجال على الشرع ، فقال : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ [سورة المائدة : الآية 104] . وقال : ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ . [سورة الزخرف : الآيات 21-23] . وقال تعالى : ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ ﴾ [سورة الأحزاب : الآية 67] . وقد بين سبحانه عقوبة من ترك قول النبي – صلى الله عليه وسلم – لقول غيره ، فقال تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [سورة النور : الآية 63] .

قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – : ” عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان ، والله تعالى يقول : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [سورة النور : الآية 63] . أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة : الشرك . فلعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك . وقال ابن عباس – رضي الله عنهما – لما ناظره مَن ناظره في مسألة التمتع بالحج ، واستدل على قوله بقول الشيخين أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – فقال ابن عباس : ” أراكم ستهلكون ؛ أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتقولون قال أبو بكر وعمر ” ( 6). وهذان الشيخان هما اللذان قال فيهما النبي – صلى الله عليه وسلم – : « اقْتَدُوا بِاللذَيْنِ مِن بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ » (7 ) .

ومن ذلك أنهم يرفضون التحريف المسمى زورًا بالتأويل ، كتحريفات المتكلمين والباطنية وغيرهم ؛ لأن النصوص ظاهرة ، وهي على ظاهرها ، وليست تحتاج – بحمد الله – إلى صرفها عن ظاهرها ، ولم يأت نص من النصوص يحتاج فيه إلى صرفه عن ظاهره ؛ لأن النص إنما يتبين ظاهره من سياقه ، أو يتبين ظاهره من نص آخر .

القاعدة الثانية التي سار عليها سلف هذه الأمة : الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة . فنصوص الكتاب والسنة هما الحجة والإجماع ، كما قرر أهل العلم ، ولا بد لكل دعوى أن تكون لها مستند من النصوص . والأدلة على هذه القاعدة كثيرة جدًّا ، كما قال تعالى : ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [سورة الحشر : الآية 7] . وقال تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [سورة الأحزاب : الآية 21] . وقال – صلى الله عليه وسلم – : « عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الْخُلفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ ، تَمَسَّكُوا بِهَا ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدثاتِ الأُمُورِ ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثةٍ بِدعةٌ » (8 ).

القاعدة الثالثة: فهم النصوص بفهم السلف الصالح . إن المتبعين لما كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه لا يخرجون في فهمهم عن فهم السلف الصالح ، ولا يشاقونهم . كما قال تعالى : ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [سورة النساء : الآية 115] . وقال ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – : ” من كان مستنًّا فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ” . أولئك أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – أبرُّ هذه الأمة قلوبًا ، وأعمقها علمًا ، وأقلها تكلفًا . وهم قوم اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ، فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم ، فإنهم كانوا على هدى مستقيم .

قال أبو عبيد القاسم بن سلام – رحمه الله تعالى – : ” فأي شيء يتبع بعد كتاب الله تعالى وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ومنهاج السلف بعدهم الذين هم موضع القدوة والإمامة.

أهمية نشر عقيدة السلف:

إن عقيدة السلف فيها الأمن والأمان في الدنيا والآخرة ، وقد دل على هذا قول الله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ [سورة الأنعام : الآية 82] . وما نراه اليوم من تغير أحوال الناس ، وكذلك ما نراه من الضعف الذي أصاب الأمة ، فإنما هو من تَرْكها الاستمساك بهذه العقيدة . ولهذا لما كانت هذه البلاد المباركة – المملكة العربية السعودية – مستمسكة بهذه العقيدة وجدناها – ولله الحمد والمنة – منصورة ، آمنة مطمئنة ، يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان . وهذا كما قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [سورة الحج : الآية 38] . وقال تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ [سورة النور : الآية 55] .

فنشر هذه العقيدة فيها الأمن في الدنيا ، وفيها الأمن والأمان في الآخرة . وكلما ابتعد الناس عن هذه العقيدة السلفية الصالحة أصابهم الله – جل وعلا – بما أصابهم ، فقد قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ [سورة الرعد : الآية 11] . هذه العقيدة السلفية ينبغي أن تنشر بين الناس ؛ لأنها هي عقيدة أهل الإسلام ، وهي العقيدة الذي ارتضاها الله – جل وعلا – لهذه الأمة ، وأهل هذا الدين ، أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم .

ضوابط نشر العقيدة:

نشر هذه العقيدة له ضوابط ، من هذه الضوابط:

الضابط الأول:

– أن تنشر هذه العقيدة ؛ لأنها عقيدة المسلمين ، التي لا ينبغي الحياد عنها ، ولهذا لا ينبغي الدعوة إليها على أنها تمثل توجُّهًا ما ، أو فكرًا ما . وقد ذكرتُ الأدلة عليها فيما تقدم .

الضابط الثاني:

– الالتزام بمنهج السلف في نشر عقيدتهم ؛ إذ لا يسوغ عقلاً ولا شرعًا أن يسعى الإنسان في نشر عقيدة السلف ، مع مخالفتهم في طريقة نشرها ، فالله تعالى يقول : ﴿ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [سورة البقرة : الآية 44] .

الضابط الثالث:

– القصد الحسن في نشر هذه العقيدة ، فلا ينبغي أن يكون قصد الإنسان المماراة ، أو الدعوة إلى العصبية الجاهلية . فالنبي – صلى الله عليه وسلم – لما قال الرجل : يا للأنصار . وقال آخر : يا للمهاجرين . قال – صلى الله عليه وسلم – : « ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها منتنة » . فسماها النبي – صلى الله عليه وسلم – “دعوة الجاهلية” ، مع كون هذين الاثنين محبوبين عند الله تعالى ، ولكن لما أخذا مأخذ التعصب سماها النبي – صلى الله عليه وسلم – دعوى الجاهلية .

الضابط الرابع:

– ربط الناس بالوحي ، وترك ما عداه ، مما يعارضه . وتحت هذا الضابط : الدعوة إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة ، فإن النفوس تقبل على مَن يدعوها إلى ربها ، ويعيدها إلى الأمر الأول ، التي من أجله خُلقت ، كما قال تعالى : ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الروم : الآية 30] . وقد دل على هذا قول الله تعالى : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 31] . وقوله تعالى : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [سورة النساء : الآية 59] .

الضابط الخامس:

– المخاطبة بالحجج الشرعية والحجج العقلية المقنعة ، فالمسلمون في الجملة إذا خوطبوا بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة رجعوا إليهما ؛ لأنهم يعلمون أن هذا هو ما يقتضيه إيمانهم بالله تعالى ، وإيمانهم برسوله صلى الله عليه وسلم .

الضابط السادس:

– الاحتجاج على المنكرين المخالفين بما أقروا به ، كما هي طريقة القرآن ، فالقرآن يحتج على المنكرين بتوحيد الإلهية بما أقروا به من توحيد الربوبية ، كما قال تعالى : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [سورة الزخرف : الآية 87] . فالقرآن هي هذه طريقته ، ولهذا ينبغي للدعاة إلى نشر هذه العقيدة السلفية أن يحتجوا على أولئك بما أقروا به ، مما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – وأخذوا به .

الضابط السابع:

– الدعوة التفصيلية لا الإجمالية ، فالإجمال كل يدعيه ، ولكن عند التفصيل تحار بعض القلوب . ومعلوم أن عقيدة السلف جزء واحد لا يتجزأ ، فمن شذَّ عن شيء منها فقد فارقها بقدر شذوذه ، ولهذا نجد من سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – الدعوة التفصيلية ، فهو – صلى الله عليه وسلم – أمر بعبادة الله تعالى وحده ، ونهى عن الشرك على وجه الإجمال ، ودعا إلى العقيدة على وجه التفصيل ، فنهى عن الاستعانة بغير الله تعالى ، ونهى عن الحلف بغيره ، فقال : « مَن كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ » (9 ). ونهى عن التطير والسحر والكهانة ، فقال : « لَيْسَ مِنَّا مَن تَطَيَّرَ أَوْ تُطيَّرَ لَهُ أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكهِّنَ لَهُ » ( 10). ونهى – صلى الله عليه وسلم – عن الذبح لغير الله ، ونهى عن النذر لغير الله ، إلى غير ذلك من صور العبادة والشرك .

الضابط الثامن:

– تجنب الاستدلال بالحديث الضعيف ، سواء أكان ذلك من الأدلة النقلية أم الأدلة العقلية ، فيتجنب من الأدلة النقلية ما ضعف الاستدلال به من جهة إسناده ، ويتجنب منها ما ضعف الاستدلال بها من جهة الدلالة ، فلا يورد أحاديث ضعيفة ، يستدل بها على ما يدعو إليه ؛ لأن العقائد لا تثبت بالأحاديث الضعيفة ، وذلك أن الاستدلال به من باب الظنون ، والعقائد مجزوم بها . وكذلك لا يورد أحاديث صحيحة ، لكن دلالتها غير واضحة ، فهذا يكون وَهنًا في دعوته . وكذلك الأدلة العقلية ، فإذا أراد أن يستدل بدليل عقلي فعليه أن يتخير من الأدلة العقلية أوضحها وأقواها ، ويتجنب ما عدا ذلك .

شبهة الاستدلال بالأحاديث الضعيفة على العقيدة والرد عليها:

ولعلنا نستعرض أمرًا ملبسًا ها هنا ؛ وهو أننا نجد في كتب السلف الاستدلال بالأحاديث الضعيفة على مسائل العقيدة .

والجواب عن هذا – كما ذكر ذلك أهل العلم – هو :

أولاً : السلف لم يوردوا هذه الأحاديث على سبيل الاحتجاج بها ، وإنما الحجة عندهم قائمة على نص من القرآن ، أو السنة الصحيحة ، أو الإجماع ، وإنما يوردون هذه النصوص شواهد فقط .

ثانيًا : إن كثيرًا منهم قصد جَمْع ما ورد في الباب الواحد بإسناده ، ومن أسند فقد برئ من العهدة .

ثالثًا : قد يكون صح عنده هذا الحديث ، ولم يتبين له ضعفه .

– عدم التنازل عن شيء من أمور الاعتقاد ؛ لأنه ليس للداعية أن يتنازل عن شيء مما جاء في كتاب الله ، أو في سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله تعالى قد أكمل لنا الدين ، كما قال : ﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ [سورة المائدة : الآية 3] . وجعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – لما دعا النجاشي المسلمين ، وسألهم عما يدعو إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – واجتمع هو وأصحابه قبل أن يدخلوا على النجاشي ، اتفقوا على أن يذكروا له ما جاء في كتاب الله ، وما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم . فلما سألهم عن أعظم شيء عند النصارى ، وهو دعوى الألوهية ، تلا عليه جعفر – رضي الله عنه – صدر سورة طه وصدر سورة الكهف . ولم يُخفِ – رضي الله عنه – شيئًا مما جاء به ، فعلم حينئذ النجاشي أن هؤلاء قوم صدق ، ولهذا أقر بأن ما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – وما جاء به عيسى – عليه الصلاة والسلام – يخرجان من مشكاة واحدة .

الضابط التاسع:

– أخذ منهج السلف من مجموع أقوالهم ، لا من أفرادها . وعدم إحكام هذا الأمر جعل كثيرًا من طلبة العلم – لحرصهم على منهج السلف – يقيمون ما ورد عن السلف مقام ما ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيحتجون بأفراد ما ورد عن أفراد سلف هذه الأمة ، وهذا أمر ينبغي أن يتفطَّن إليه طالب العلم ، فالسلف يُؤخَذ منهجهم من مجموع الأقوال ، وأما الأفراد فلا يؤخذ قول كل واحد على أنه يمثل منهج السلف . فعلى سبيل المثال نجد بعض الأئمة قد أخطأ في بعض الأمور ، فلا ينبغي أن يُؤخَذ خطؤه على أنه من منهج السلف . ومثال ذلك حديث الصورة ، فقد أخطأ بعضهم في تفسير حديث الصورة ، فلا يقال حينئذ : إن السلف اختلفوا في حديث الصورة . بل يقال : إن فلانًا أخطأ . وفَرْقٌ بين أن يقال : إن فلانًا أخطأ ، ولا يؤخذ منهجه على أنه يمثل منهج السلف . وأن يعامل معاملة المبتدعين ، فليس الرجل من السلف يعامل معاملة المبتدعين ، لكن لا يتابع على خطئه .

نقل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في كتابه المخطوط : ” بيان تلبيس الجهمية ” عن أبي موسى المديني ، قال : ” سمعت قَوَّام السُّنة يقول : أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة ، ولا يطعن عليه بذلك ، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب ” . يعني أنه لا يؤخذ عنه خطؤه ، لكن لا يجوز الطعن فيه .

الضابط العاشر:

– ربط المتأخرين بالمتقدمين ، وفائدة هذا بيان وحدة المنهج والعقيدة ، فلا فرق بين المتقدمين منهم والمتأخرين ، وعدم التفريق ناتج عن كونهم يأخذون من مَعين واحد ، وهو الكتاب والسنة ، والله تعالى يقول : ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ [سورة النساء : الآية 82] . ويقول تعالى عن المشركين لما كانوا يصدرون من مصادر شتى : ﴿ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ ﴾ [سورة ق : الآية 5] . وقال : ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴾ [سورة الذاريات : الآية 8] .

الضابط الحادي عشر:

– أنه ينبغي لمن ينشر عقيدة السلف أن يسلك مسلك الحكمة ، ولمسلك الحكمة مظاهر ، منها :

* مراعاة أحوال المدعوين ؛ من حيث علمهم وجهلهم ، ومن حيث مكانتهم الاجتماعية ، وأحوالهم الاقتصادية ، وأحوالهم النفسية . فما يقدم لطلبة العلم وما يناقشون فيه ليس هو ما يناقش فيه العامة ، أو يدعون إليه ، فأولئك يفهمون ما يريد المتكلم من أوجه الدلالات ، وغيرها . والآخرون ليسوا كذلك .

* الأخذ بالألفاظ والأساليب المناسبة لكل قوم ، وهذا نجده كثيرًا في طريقة أئمة الدعوة – رحمهم الله تعالى – فنجد الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – يخاطب الناس بما يفهمونه ، فتجد في ألفاظه الألفاظ العامية التي يتحدث بها مع الناس ، وكأنه يخاطب قومًا لا يعرفون من العربية شيئًا ، وهكذا منهج تلامذته ؛ لأن القصد إيصال الخير إلى الناس بأي طريقة كانت .

* إظهار الشفقة والرحمة بالمدعوين ، وكثرة الدعاء لهم ، وهذا نجد أيضًا في منهج إمام هذه الدعوة ، وهو كثيرًا ما يبدأ رسائله بالدعاء لمن يكتب لهم ، وهذه هي صفة الرسل ، وأتباع الرسل – عليهم الصلاة والسلام – فالله – جل وعلا – يقول مخبرًا عن نبيه نوح – عليه السلام – : ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الأعراف : الآيتان 61-62] . وقال تعالى عن هود – عليه السلام – : ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ [سورة الأعراف : الآية 68] . وقال تعالى عن شعيب – عليه السلام – : ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [سورة هود : الآية 88] . ويقول تعالى عن إبراهيم – عليه السلام – ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴾ [سورة مريم : الآية 45] . وقال : ﴿ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ [سورة مريم : الآية 47] .

وأخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن نبي من الأنبياء قد ضربه قومه ، وهو يقول : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » . ويقول تعالى عن محمد – صلى الله عليه وسلم – : ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [سورة التوبة : الآية 128] . ويقول تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [سورة الأنبياء : الآية 107] . ويقول تعالى : ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 159] . ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : « اللهم اهد دوسًا » . ودعا النبي – صلى الله عليه وسلم – لأقوام كثيرين بالهداية . وكان – صلى الله عليه وسلم – يظهر الشفقة والعطف على عمه أبي طالب ، حتى في آخر لحظات حياته ، فكان يقول : « أَيْ عم ، قل : لا إله إلا الله . كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ » ( 11) . فكان – صلى الله عليه وسلم – يناديه بلفظ العمومة . إلى غير ذلك من المواقف .

وترك الغلظة إلا حيث يحتاج إليها ، قال تعالى : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ﴾ [النحل :الآية 125] . وقال تعالى : ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [سورة آل عمران :الآية 159] . ولكن إذا احتيج إلى الغلظة في موضعها فلا بأس ، كما قال تعالى مخبرًا عن نبيه موسى – عليه السلام – أنه قال لفرعون : ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ [سورة الإسراء : الآية 102] . وذلك حين قال له : ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ﴾ [سورة الإسراء : الآية 101] . ولا يفهم من هذا التعدي على الناس أو ظلمهم ، فإن هذا لا يجوز ، ولو كان مع الكافر ، بل يجب أخذه بالقسط ، كما قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ﴾ [سورة النساء : الآية 135] . وقال تعالى : ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [سورة المائدة : الآية 8] . وقال تعالى في شأن اليهود : ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ﴾ [سورة المائدة : الآية 42] .

وأنا نبهت إلى هذا ؛ لأن بعض الناس قد شوهوا وجه الدعوة السلفية ، بإظهار الانتماء إليها ، ثم القيام بأعمال تخريبية إجرامية ، سواء أكانت مع الكفار أم مع المسلمين . والدعوة السلفية منها بريئة ، بل ربما احتجوا – إيغالاً في الإضلال – بكتب أئمة الدعوة ، وأئمة الدعوة من هذا براء . ونحن في هذه البلاد – ولله الحمد والمنة – تربينا على كتب هؤلاء الأعلام ، ونشأ عليها مشايخنا وعلماؤنا ، ولم نر منهم من وقع في هذه الأعمال ، التي لا يقرها شرع ولا دين ، وذلك لكونهم فهموا المراد منها .

ومن الحكمة العناية بالأهم ، ثم المهم ، وهذه هي طريقة الأنبياء والرسل – عليهم السلام – فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات يوجد من يخالف فيهما ، ولكن ليست تبلغ المخالفة فيهما ما تبلغه المخالفة في توحيد العبادة ، إذ ذاك من الكثرة ، فكانت الرسل تولي العناية بتوحيد الإلهية ، وإن لم تكن تترك توحيد الربوبية والأسماء والصفات , وعلى هذا المنهج نهج علماء السلف ، فهم إذا رأوا بدعة تظهر وتنتشر بادروا إلى التحذير منها ، والإنكار على أربابها ، فتجد في الطبقة الواحدة أقوالاً ، ومؤلفاتٍ عدة في باب واحد ، مع عدم الغفلة عن الأبواب الأخرى .

الضابط الثاني عشر :

– تجنب الألفاظ المجملة ؛ لأن الداعي ليس قصده التعمية ولا الإلغاز ، وإنما قصده البيان والإيضاح . والألفاظ المجملة التي لا يتبين المراد منها تؤدي إلى الزعزة ، والشك في الداعي والمدعو إليه ، وهذه ليست طريق السلف ، وإنما هي طريقة طوائف الباطنية ، التي تنتهج منهج التلبيس والتدليس . قال الله تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [سورة إبراهيم : الآية 4] . وقال تعالى : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [سورة يوسف : الآية 2] . وقال تعالى : ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [سورة النحل : الآية 44] .

الضابط الثالث عشر :

– فَهْم مصطلحات السلف ، وذلك أن فهم مصطلحاتهم يزيل كثيرًا من الإشكالات الموجودة ، وما اختلف الناس إلا باختلافهم في فَهْم المصطلح . فعلى سبيل المثال مصطلح “الولاء والبراء” فَهِمه بعض الناس فهمًا سطحيًّا ، نتج عنه مخالفته للنصوص ، وظن أن كل تعامل مع الكفار يُعدُّ موالاة لهم وكفرًا ، وهو بهذا يكون قد قدح في النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي تعامل مع الكفار .

فالنبي – صلى الله عليه وسلم – تعامل كثيرًا مع الكفار ومع المشركين ، وعاهدهم النبي – صلى الله عليه وسلم – وعقد معهم العقود الكثيرة ، فلا ينبغي للإنسان أن ينكر شيئًا حتى يقرأ سُنة النبي – صلى الله عليه وسلم – وحتى يقرأ سِيرته ؛ ليعرف ما كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – فالنبي – صلى الله عليه وسلم – كَاتَب المشركين في الحديبية على ألاَّ يردُّوا من جاء من المسلمين إليهم ، وعلى أن يرد هو مَن جاء إليه من مكة . فعاهدهم النبي – صلى الله عليه وسلم – على هذا ، فمثل هذه المعاهدات لا ينبغي للإنسان أن ينكرها – وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم – إلا بدليل شرعي ، يدل على النص ونحوه .

فما جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ينبغي للإنسان أن يتريث في إنكاره ؛ حتى يعلم ناسخه ومنسوخه ، وحتى يعلم خاصه وعامه ؛ لأن الإنسان ربما أنكر أمرًا فيكون بهذا منكرًا على النبي – صلى الله عليه وسلم – فالنبي – صلى الله عليه وسلم – تعامل مع المشركين ، فابتاع منهم واشترى ، واستعان ببعض المشركين ، كما استعان بهم حينما هاجر من مكة إلى المدينة ، واستعار أدرع صفوان بن أمية ، ومات – صلى الله عليه وسلم – ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه منه – صلى الله عليه وسلم .

ففهم المصطلحات يزيل كثيرًا من الإشكالات التي تقع بين الناس ؛ لأن فهم المصطلح فَهم للنصوص التي جاءت بها شريعة النبي – صلى الله عليه وسلم – ولهذا كان سلف هذه الأمة لا ينكرون الألفاظ المجملة ، التي جاء بها المتكلمون ؛ حتى يتبين لهم أنهم أرادوا بهذه الألفاظ أمرًا منكرًا .

الضابط الرابع عشر :

– الأخذ بالمنهجية الصحيحة في التعامل مع الشُّبَه المثارة ضد عقيدة السلف ، فلا ينبغي أن تكون الشبهة والرد عليها مجالاً لنشر عقيدة السلف ، وإنما يرد على الشبهات إذا احتيج لذلك ، والدعوة منطلقها الكتاب والسنة .

الضابط الخامس عشر :

– الدعوة إلى الاجتماع ، وترك الفرقة والاختلاف ، وذلك ببيان أن هذه العقيدة السلفية تدعو إلى الاجتماع على الكتاب والسُّنة ، تحقيقًا لقوله تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ﴾ [سورة آل عمران : الآية 103] .

الضابط السادس عشر :

– وجوب العدل والإنصاف ، فأهل السنة والجماعة هم أهل العدل والإنصاف ، لا يبخسون الناس شيئًا ، ولا يحملون أقوالهم ما لا تحتمله ، والعدل – كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – : ” هو جماع الدين والحق والخير ” ( 12) . ويقول – رحمه الله – : ” أصل السنة مبناها على الاقتصاد والاعتدال ، دون البغي والاعتداء ” ( 13) . ويقول : ” وقد قال سبحانه : ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [سورة المائدة : الآية 8] . فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا فيهم ، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع متأول من أهل الإيمان ، فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على أن يعدل على مؤمن ، وإن كان ظالمًا له . فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا فإن الشيطان موكل ببني آدم وهو يعرض للجميع ” ( 14) . فيجب العدل والإنصاف معهم ، ويحرم ظلمهم والبغي عليهم .

الضابط السابع عشر :

– وجوب مراعاة المصالح والمفاسد ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، والشرع جاء بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها . فكل ما أمر الله – جل وعلا – به ، أو أمر به رسوله – صلى الله عليه وسلم – فمصلحته راجحة على مفسدته ، ومنفعته راجحة على المضرة ، وإن كرهته النفوس . والذي ينشر عقيدة السلف ينبغي له مراعاة هذا الأمر جدًّا ، فإنه مهم . وذلك أنه ربما حمله الحماس لنشر عقيدة السلف على ترك النظر في هذا ، فيؤدي هذا إلى مفاسد كبيرة .

الضابط الثامن عشر :

– ترك الإلزام في المسائل الاجتهادية . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – : ” ولهذا كان أئمة أهل السنة والجماعة ، لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد ، ولا يكرهون أحدًا عليه ، ولهذا لما استشار هارونُ الرشيد مالكَ بن أنس في حمل الناس على موطئه قال له : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تفرقوا في الأمصار ، فأخذ كل قوم عمَّن كان عندهم ، وإنما جمعت علم أهل بلدي ” (15 ) .

ونقل شيخ الإسلام – رحمه الله – أقوالاً عن الأئمة في هذا ، ثم قال : ” فإذا كان هذا قولهم في الأصول العلمية وفروع الدين ، لا يستجيزون إلزام الناس بمذاهبهم ، مع استدلالهم عليها بالأدلة الشرعية ، فكيف بإلزام الناس وإكراههم على أقوالٍ لا توجد في كتاب الله ، ولا في حديثٍ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا تؤثر عن الصحابة والتابعين ، ولا عن أحدٍ من أئمة المسلمين ” (16 ) . وكثير من الخلافات بين الناس اليوم إنما هو من باب اختلاف التنوع ، الذي استحال وصار من باب اختلاف التضاد ، وذلك بسبب عدوان بعضهم على بعض ، وجحد كل طائفة ما عند الأخرى من الحق ، وإرادة إلزامها ما هي عليه ، وتبديعها أو تفسيقها إن لم تتبعها . وأما أهل السنة والجماعة فهم لا يفعلون ذلك ، فلا يلزمون ، ولا يؤثمون ، ولا يبدعون ، ولا يفسقون ، فضلاً عن أن يكفروا .

أيها الإخوة ، إن عقيدة أهل السنة والجماعة هي العقيدة التي مَن استمسك بها نجا ، فهي كسفينة نوح ؛ من ركبها نجا ، ومن تركها غرق .

إن عقيدة أهل السنة والجماعة تقوم عليها اليوم حرب شعواء من أعداء هذه الأمة ، وذلك أنهم علموا أن الله تعالى إنما ينصر هذه الأمة بالاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم . ثم نظروا فوجدوا أن الاستمساك بكتاب الله ، والاستمساك بسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متمثل في هذه الطائفة ، فكان لا بد أن يقيموا عليها هذه الحرب الشعواء .

فلهذا وجب على أهل الإسلام – كلٍّ بقدر استطاعته – أن ينشر هذه العقيدة السلفية ، وأن يدعو إليها ما استطاع بالحكمة والموعظة الحسنة . والله – جل وعلا – ناصر دينه وكتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – والبشرى لأهل الإيمان ، والبشرى لأهل السنة والجماعة ، فإنهم هم المنصورون ، وإنْ وقع عليهم ما وقع ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في اقتضاء الصراط المستقيم : ” إن أهل يقول إن المسلمين هم المنصورون ، وإن وقع عليهم ما وقع ، كما وقع على الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه في غزوة أحد ، فإنهم وإن كانوا قد أصابهم ما قد يسمى بالهزيمة ، إلا أن الله – جل وعلا – قد نصرهم ، وذلك أن الحق معهم ، وأنهم يدورون حيث دار الحق ، والله – جل وعلا – يقول : ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ﴾ [سورة غافر : الآية 51] .

أيها الإخوة ، إن من بشائر الخير ، ومن الإنعام على هذه الأمة أن يوجد فيها من ينتصر لكتاب الله ، وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – من حكام ومحكومين وعلماء ، وقد تمثل هذا – ولله الحمد والمنة – في حُكَّام هذه البلاد وعلمائها ، والله – جل وعلا – قد وعَد من تمسك بكتابه بالنصر ، وإنه ينبغي على أهل الإسلام أن يشكروا الله – جل وعلا – فإن بالشكر تدوم النعم ، فالله – جل وعلا – يقول : ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [سورة إبراهيم : الآية 7] . ومِن شُكر نعمة الله – جل وعلا – أن نتمسَّك بسُنة النبي – صلى الله عليه وسلم – وأن نعتصم بحبل الله جميعًا ؛ حُكامًا ومحكومين ، فإن التمسُّك بسُنة النبي – صلى الله عليه وسلم – في كل صغير وكبير سببٌ لنصر الله – جل وعلا – لهذه الأمة . أسألُ الله – جل وعلا – بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه ، وأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحومًا ، وأن يرزقنا التمسك بكتاب الله ، وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأن يوفق أئمتنا ، وأن يوفق أئمتنا لما فيه خير العباد والبلاد ، إنه على كل شيء قدير ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

تعليق سماحة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ :

بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، وصل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد ، أشرف الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحابته أجمعين ، وعلى مَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، وبعد :

كان موضوع هذه المحاضرة : ” القواعد والضوابط لنشر العقيدة السلفية ” . ولقد تفضل الدكتور الشيخ يوسف بن محمد السعيد بالحديث حول هذا الموضوع ، وأفاض فيه وأبدع وأعاد ، وذكر الأدلة من الكتاب والسُّنة ، ومما نقله عن علماء الأمة ذوي العلم والتقى في هذا الباب .

عقيدة التوحيد أساس الدين :

فأولاً ، وقبل كل شيء ، لا يشك أي مسلم في أن هذه العقيدة عقيدة التوحيد هي أصل الأصول ، وهي أساس الملة والدين ، وهي كلمة التقوى ، وهي العروة الوثقى ، الذي لأجلها أرسل الله الرسل ، وأنزل الكتب ، ولأجلها افترق الناس فريقين ؛ فريق في الجنة ، وفريق في السعير .

أيها الإخوة ، إن التحدث عن العقيدة حديث عن أصل الإيمان وأساسه ، فالعقيدة هي منهج حياة المسلم ، التي يقوم عليها عمله ، فإن الأعمال كلها مرتبطة بهذه العقيدة ، متى صحت العقيدة وسلمت أمكن صحة الأعمال وسلامتها ، ومتى اختل نظام العقيدة فإن كل الأعمال لا بد أن تنهار ، ولا يكون لها شأن ، فقد قال تعالى : ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴾ [سورة الفرقان : الآية 23] . عقيدة المسلم توحيد الله ، وإخلاص الدين له ، والإيمان بمحمد – صلى الله عليه وسلم – وأنه رسول الله حقًّا ، وخاتم أنبيائه ورسله ، والإيمان بهذه الشريعة ، وقبول الإيمان بهذه الشريعة شريعة الإسلام ، والرضا بها ، واعتقاد كمالها وشمولها وبقائها ، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها ، وهو خير الوارثين .

هي عقيدة – كما أشار الشيخ – لا تنسب إلى طائفة ، ولا تنسب إلى فئة ، وإنما هي عقيدة جاءت من عند الله – جل وعلا – والمتمسكون بها هم أولياء الله ، وخيرته من خلقه ، فالمعتقد لا ينسب للأفراد ، إنما أفراد الأمة الذين يقومون بها وينصرونها ويدافعون عنها ، كما قال الله – جل وعلا – : ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [سورة الحج : الآية 40] . فالعقيدة لا تنسب إلى أشخاص ، إنما هي تشريع من رب العالمين ، وهذا هو شرع رب العالمين ، ليس تشريع البشر . لذا قال الله – جل وعلا – : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [سورة الشورى : الآية 21] .

أصول العقيدة السلفية :

هذه العقيدة السلفية الصالحة قواعدها قامت على أصول :

أولاً : تحقيق التوحيد وإخلاصه لرب العالمين ، وألا يكون مع الله شركة في أي نوع من أنواع العبادة .

ثانيًا : أن هذا الشرع مأخوذ من الله – جل وعلا .

ثالثًا : الدعوة إلى هذه العقيدة ، وتبصير الأمة بشأنها ، ودعوتهم إلى التزامها تقدَّم على كل شيء ، فما تأسست هذه العقيدة في القلب أمكن العبد أن يقبل الأوامر والنواهي ، ولكن إذا اختلت عقيدته ، وضعف تعظيمه لربه ، وقل إجلاله له . فإن ذا دليل على انحرافه ، ولا يمكن أن تستقيم له الأعمال والأحوال .

هذه العقيدة لا يصح أن نعبر عنها بفكر من الأفكار ، أو نقول إنها فكر واتجاه ، بل هي عقيدة جاءت من عند رب العالمين . إن أرباب الأفكار ، ودعاة المبادئ على اختلافهم ، أفكارهم ودعواتهم تنسب إليهم ؛ لأنها ليست من عند الله ، وما كان من عند غير الله لا يجوز أن ننسبه لشريعة الله . فأرباب الدعوات المختلفة المتعددة الاتجاه والأفكار تجدها دعوات تنسب إلى أهلها ، وهم أرباب البدع وتنسب كل بدعة إلى مَن قام ، بها وإلى من كان رأسًا في تأسيسها ، ورأسًا في انتشارها .

أما شريعة الإسلام فهي منسوبة لرب العالمين ، ومضافة له ، فهي شرع الله الذي بعث به نبيه محمدًا – صلى الله عليه وسلم – الذي ختم به الرسالات كلها ، والله يقول : ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ ﴾ [سورة الحج : الآية 78] . فنحن المسلمون انتسابًا للإسلام ، وعملاً به ، وقيامًا به ، لَسْنا نخدم آراء معينة ، ولا أفكارًا واردة ، ولا نقدس أشخاصًا ، ولا نجعل شرعنا مربوطًا بشخص ما ، إنما هو كتاب الله وسُنة رسوله . ولكن من دعا إلى هذا الحق ، ومن نشر هذا الحق ، فإنا نحبه ؛ لكونه دعا إلى الله ، ولكونه بصَّر الأمة في دين الله ، ولكونه دلَّ الأمة على كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم .

تنسب الشريعة إلى صاحبها لا إلى الدعاة إليها :

فالدعاة إلى الإسلام الحق هم أنصار محمد – صلى الله عليه وسلم – وهم أنصار الله ، وأنصار دينه ، ننسب إليهم جهودهم ، وننسب إليهم آثارهم ، وننسب إليهم ما قاموا به من جهد ، لكن الشريعة لا تنسب إلى أحدٍ ، فلا يقال : هذا دين أحمد بن حنبل ، أو دين مالك ، أو تشريع مالك ، أو أبي حنيفة ، أو الشافعي ، أو فلان أو فلان . كل هؤلاء الأئمة دعاة إلى الله ، وكلهم منسوبون إلى الشرع ، وكل أعمالهم تضاف إلى الشرع ، لكن مَن برز بالحق ، ودعا إليه ، شَرُف بأنه أحد الدعاة إلى هذا الدين ، لكن الشرع شرع رب العالمين ، ولا يمكن لداعٍ إلى الله أن يدعو إلى فكر من الأفكار ، ورأي من الآراء ، فهذه أمور لا حقيقة لها ، ولذا قال الله سبحانه : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [سورة النحل : الآية 125] . وقال : ﴿ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ [سورة يوسف : الآية 108] .

فمحمد – صلى الله عليه وسلم – يدعو إلى الله ، وأتباعه يدعون إلى الله ، لا يدعون لأشخاصهم ، ولا لأهوائهم ، ولا لأحسابهم ، ولا إلى بلادهم ، ولا إلى فكر حملوه من تلقاء أنفسهم ، ولكنهم دعاة إلى الخير والصلاح . وأرباب الأفكار المتعددة قد يصبغونها بالإسلام تارة ؛ لكي يقبلها الناس ، ويرتاحون إليها . ولكن إذا دقَّقتَ في الأمر ، وتبصرت في الواقع ، وجدتَ الإسلام في جانب ، وهُم في جانب آخر ، ورأيت صبغتهم بالإسلام لترويج هذا الفكر ؛ لأنهم لو أخرجوه كما هو مَا قُبِل ، لكن إذا صبغ بالإسلام ربما يقبله الناس من باب إحسان الظن بأهله ، وأهل هذا الفكر إنما لهم أغراض بعيدة ، وأهداف سياسية ، وأغراض شخصية ، وخدمة لمن يخدمونه ، وينفذون أوامره ، لكنهم يصبغونه بالإسلام للخداع .

وإلا فالمسلمون الصادقون في دعوتهم إلى الإسلام الحق يدعون إلى معتقد سليم ، ويدعون إلى شرع مستقيم ، ويدعون إلى امتثال الأوامر ، واجتناب النواهي ، والتأسي بمحمد – صلى الله عليه وسلم – قولاً وعملاً ، والتخلق بأخلاقه ، والتأدب بآدابه . هكذا يكون المسلمون في دعوتهم إلى الحق ، وتبصيرهم إلى الهدى ، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق ، والاستقامة على الهدى ، وجزى الله الشيخ يوسف عما قال ، وكتب خيرًا ، وصل الله على محمد.

الأسئلة :

يقول السائل : من عوائق نشر عقيدة السلف الاختلاف ، وتصنيف الناس ، مما أتاح لأعداء الدعوة المنافقين أن يتكلموا ، ويقعوا في عقيدة السلف ، فما توجيهكم يا سماحة الشيخ ؟

الإجابة : الدعوة إلى العقيدة فوق كل الآراء والخلافات ، فحينما أدعو إلى عقيدة التوحيد ، أو إلى عقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته ، أو إلى تحكيم شرع الله يجب ألاَّ أدخل في الخلافات ، فأنا أدعو إلى حق واضح لا خلاف فيه . فلا خلاف بين الأمة أن توحيد العبادة أصل الأصول وأساس الملة . ولا خلاف بين الأمة أن الإيمان بالله ربًّا وخالقًا والإيمان بمحمد رسولاً ونبيًّا ، والإيمان بالإسلام شريعة ومنهجًا لا يختلف أحد من المسلمين معك في ذلك ، فكلهم مُسَلِّمون لك بذلك .

إذن فالخلافات التي تُدَّعى خلافات مصطنعة ؛ لأن البعض يريد أن يجعل العقيدة السليمة خادمةً لرأيه وفكره فقط ، ولا تكون عقيدة على المنهج القويم . فتحريف الاتجاه إلى فكرِ شخصٍ ما من الأشخاص لا يجوز ، فإذا دعونا إلى الشريعة ندعو إلى المنهج الحق الوَسَطي المعتدل ، الذي جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – من رب العالمين .

يقول السائل : هناك من يقول إن الحلف بغير الله شرك أكبر ، ولو كان الحالف لا يقصد التعظيم . ويقولون : ما الدليل على أن الحلف بغير الله إن كان لم يقصد به لتعظيم شرك أصغر . ويقول البعض : إن الحلف بغير الله فيه خلاف . أرجو توضيح المسألة .

الإجابة : حديث ابن عمر : « مَن حَلفَ بِغَيرِ اللهِ فَقدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ » ( 17) . حديث صريح . وفي لفظ : « مَن حَلَف بِشَيْءٍ دُونَ اللهِ فقدْ أَشْرَكَ » ( 18) . فأطلق النبي الكفر أو الشرك على مَن حلف بغير الله . قال العلماء : إن الحلف بغير الله الأصل ، وإنه من الشرك الأصغر ، إلا أن يعتقد أن المحلوف به معظم بمنزلة الخالق ، فهذا كفر . والنبي يقول لنا : « إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ » ( 19) . وأما تجويز بعض العلماء لذلك فنحن معنا سُنة رسول الله ، تمنع الحلف بغير الله مطلقًا .

يقول السائل : أعمل في مكان ، وأنا مسئول عن حث الجميع على صلاة الظهر ، وهناك من هم رافضة – والعياذ بالله – فمن تأخر عن الصلاة أكتب عليه تعهدًا ، فهل يجوز لي أن أفرق بين صاحب السنة وغيره ؛ بحيث أتجاوز أحيانًا عن صاحب السنة ولا أتجاوز عن غيره ؟

الإجابة : أخي الكريم ، أنت إذا عاملت الناس بالحسنى فربما تجذبهم لعقيدتك ، وتحببهم لمنهجك ، فإذا رأوا منك العدل والإنصاف أرجو أن يكون ذلك سببًا في اقتناعهم بالحق ، وانتمائهم للحق ، ورجوعهم عما هم عليه من باطل .

يقول السائل : هل يجوز السلام على الرافضة بقول : وعليكم . اعتقادًا بكفرهم ؟

الإجابة : هذا لا يقال إلا مع اليهود ، الذين نحن على يقين من كفرهم ، أما غيرهم فرد عليهم السلام إذا سلموا عليك .

يقول السائل : هل هناك قول آخر لأهل السنة في أن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه تبعًا للشرك الأكبر ، أخذًا بظاهر النصوص ؟

الإجابة : نعم قال به بعضهم ، فقالوا : الأصل أن الشرك الأصغر يخلد في النار ، والأصغر قد يعذب صاحبه ، وأن الشرك الأصغر لا تقوى على تكفيره الأعمال الصالحة ، ومنهم من يدخله في عموم المشيئة .

***************************************************************************************************

( 1) أخرجه البخاري (3/1331 ، رقم 3442) ، ومسلم (3/1524 ، رقم 1037) .

(2 ) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/608-607) .

(3 ) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/9) .

( 4) مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/10) .

( 5) مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/57) .

( 6) أخرجه أحمد

( 7) أخرجه أحمد (5/382 ، رقم 23293) ، والترمذي (5/609 ، رقم 3662) وحسنه ، وابن ماجه (1/37 ، رقم 97) ، والبزار (7/248 ، رقم 2827) ، والطبراني في الأوسط (4/140 ، رقم 3816) ، والحاكم (3/79 ، رقم 4454) ، والبيهقي (5/212 ، رقم 9836) ، وابن عساكر (5/14) . وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير (1/243) .

( 8) أخرجه أحمد (4/126 ، رقم 17184) ، وأبو داود (4/200 ، رقم 4607) ، والترمذي (5/44 ، رقم 2676) وقال : حسن صحيح . وابن ماجه (1/15 ، رقم 42) ، والحاكم (1/174 ، رقم 329) وقال : صحيح ليس له علة . والبيهقي (10/114 ، رقم 20125) ، وابن حبان (1/178 ، رقم 5) ، والدارمي (1/57 ، رقم 95) . وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (2/610) .

( 9) أخرجه البخاري (5/2265 ، رقم 5757) ، ومسلم (3/1267 ، رقم 1646) .

( 10) أخرجه البزار (ص 169) ، والطبراني في الكبير أخرجه الطبراني (18/162 ، رقم 355) . قال الهيثمي (5/103) : فيه إسحاق بن الربيع العطار ، وثقه أبو حاتم ، وضعفه عمرو بن على ، وبقية رجاله ثقات . وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (5/228) .

( 11) أخرجه البخاري (3/1409 ، رقم 3671) ، ومسلم (1/54 ، رقم 24) .

( 12) الاستقامة لابن تيمية (1/434) .

( 13) مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/170) .

( 14) الاستقامة لابن تيمية (1/38) .

( 15) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/339) .

( 16) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/340) .

( 17) أخرجه الطيالسي (ص 2 57 ، رقم 1896) ، وأحمد (2/125 ، رقم 6072) ، والترمذي (4/110 ، رقم 1535) وقال : حسن . والحاكم (1/65 ، رقم 45) وقال : صحيح على شرط الشيخين . والبيهقي (10/29 ، رقم 19614) ، والضياء (1/313 ، رقم 205) . وأخرجه أيضًا : أبو داود (3/223 ، رقم 3251) ، وأبو عوانة (4/44 ، رقم 5967) ، وابن حبان (10/199 ، رقم 4358) ، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (3/76) .

(18 ) أخرجه الحاكم (1/117 ، رقم 167) ، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (5/70) .

( 19) أخرجه البخاري (5/2265 ، رقم 5757) ، ومسلم (3/1267 ، رقم 1646) .

————————————————————————————

المحاضر :معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ

-- للشيخ د. يوسف بن محمد السعيد



خدمات المحتوى
    زيارات 386


المحاضر :معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري