في
الثلاثاء 7 رمضان 1439 / 22 مايو 2018

جديد الأخبار والمقالات

23-شوال-1437 11:22 AM





كتب: أحمد الخطيب

يواصل الشيخ سيد إمام، مفتي ومؤسس تنظيم الجهاد في مصر انتقاداتِه للدكتور أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، مؤكدًا جهله بالشريعة الإسلامية، وأنه يعتمد في معلوماته الشرعية على «الموسوعة البريطانية».

يقول إمام في الحلقة الخامسة من وثيقة «التعرية لكتاب التبرئة» أو المراجعات الثانية لتنظيم الجهاد: إن ما يراه الظواهري من أن تأشيرة دخول المسلم بلاد الكفار ليست عقد أمان شرعيًّا لهم مقرونًا باحترام الدم والمال، فِسقٌ ونفاق وكبيرة من الكبائر.

ويرى إمام أن جرائم أمريكا في حق المسلمين لا يختلف عليها اثنان من العقلاء، لكنها ليست مِظَلَّة لتمرير تحريف الدين، كما أنه لا يجوز شرعًا اتخاذ نقض الأمان حيلة أو خدعة لقتل الكافر، والقياس على مقتل كعب بن الأشرف هو قياس فاسد؛ لأن ابن الأشرف قتل لأنه نقض العهد، كما أن محمد بن مسلمة لم يعطه شبهة أمان.

ويتحدث الشيخ سيد أيضًا عن أسباب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، موضحًا أن أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة أدرك أن قتل أكبر عدد ممكن من الأمريكيين لن يتحقق إلا بالعمليات داخل الأراضي الأمريكية، لذلك جاءت التفجيرات التي لم يعلم أيمن الظواهري بها إلا قبل تنفيذها بــ 24 ساعة فقط…

وإلى التفاصيل:

يبدأ إمام هذه الحلقة من مراجعة قولهم: «إن تأشيرة دخول المسلم بلاد الكفار ليست عقد أمان»:

في صداماته معهم قبل عام 2001م لم يتمكن ابن لادن من قتل أكبر عدد ممكن من الأمريكان، وأدرك أن هذا الهدف لن يتحقق إلا بالعمليات القتالية داخل أمريكا، فنشأت فكرة تفجيرات 11/9/2001، وكانت لها أخوات ستتبعها.

ولم يكن أحد من أتباعه في أفغانستان على علم بتفاصيل ما سيقع قبل 11/9 إلا خالد شيخ وأبو حفص المصري وشخص ثالث -ليس هو الظواهري- تم إخباره قبلها بأربع وعشرين ساعة فقط.

إلا أن بقية أتباع ابن لادن كانوا على علمٍ بعملية كبرى ضد أمريكا منذ 6/2001 بدون معرفة مكانها أو تفاصيلها، واعترضت لجنته الشرعية على بعض المخالفات الفقهية؛ كوجوب استئذان أميرهم الملا محمد عُمر ومسألة التترس، إلا أنهم لم يناقشوا (مسألة الغدر بالعدو -أمريكا- بعد دخول داره بالتأشيرة)؛ لأنهم لم يعلموا أن العملية ستكون كذلك.
وبعد وقوع تفجيرات 11/9 وتبيّن أن المنفذين دخلوا أمريكا بتأشيرة، نبه البعض إلى أن التأشيرة عقد أمان وأن هذه العمليات نقض له، فهي غدر بالعدو، وقام آخرون في محاولة لنفي تهمة الغدر ونقض العهود عن ابن لادن وأتباعه فقالوا: إن التأشيرة ليست عقد أمان، وكان الظواهري ممن تجرأ على هذا القول في صفحة 97 وما بعدها من كتابه (التبرئة)، واعتمد في قوله ذلك على القواميس والقوانين الأجنبية، فخالف بذلك فقهاء المسلمين، وهذا مثال آخر لفقه التبرير الذي تفاقم شرّه في هذا الزمان؛ ارتكاب الحماقة بل الكبائر والفسق والنفاق ثم تبريرها والتملص منها.

وقد رددتُ على هذه الشبهة في البند الثامن بالوثيقة فليراجع هناك، أما هنا فأوجز الرد بأننا عند الحكم على الأمور المستحدثة كالتأشيرة والديمقراطية والاشتراكية وغيرها فإننا لا نبني الحكم على تعريفها في قوانين أهلها الأجانب، بل لا بد بعد ذلك من التوصيف الفقهي لهذا التعريف لمعرفة حقيقتها الشرعية، وهو ما يُعرَف في القياس بـ(تخريج المناط) أي استخراج الوصف المتعلق به الحكم الشرعي في الشيء المسئول عنه، ثم نطرح عنه الأوصاف غير المناسبة لتعليل الحكم، وهذا هو (تنقيح المناط).

فإذا وجدنا أن المناط المخرّج المنقّح (وهو علة الحكم) موجود في أمر (أصل) معلوم حكمه لنا، فإن الفرع (المسئول عنه) يأخذ نفس حكم الأصل، وهذه هي المرحلة الثالثة والأخيرة في القياس، وهي (تحقيق المناط). وقد حاولت تبسيط الأمر هنا للقارئ غير المتخصص.

وبعيدًا عن تعريف التأشيرة في القاموس والقانون فإن حقيقتها الشرعية أنها (إذن دخول للبلد مقرون باحترام الدم والمال)، وهذا هو الوصف (المناط) الذى يُبنى عليه حكمها، وهو نفس حقيقة عقد الأمان، فهي عقد أمان ولا شك، وإن لم ينصوا على ذلك صراحة في قوانينهم أو في خاتم التأشيرة على جواز السفر، وفي بيان ذلك قال ابن قُدَامَة رحمه الله: «مسألة: من دخل إلى أرض العدو بأمان لم يخنهم في مالهم ولم يعاملهم بالربا» وذكر عموم أدلة تحريم الربا، ثم قال: «وأما خيانتهم فمحرَّمة؛ لأنهم إنما أعطَوه الأمان مشروطًا بتركه خيانتَهم وأمنه إياهم من نفسه، وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللفظ فهو معلوم في المعنى»(1).

يقول ابن قدامة: إن الأمان المتبادل بين المسلم والعدو واجب عليه بدخوله أرضهم بإذنهم، وإن لم يشترطوا عليه ذلك، وتأمل قول ابن قدامة في ذلك: «وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللفظ فهو معلوم في المعنى» اهـ. لتعلم أن العبرة في الأحكام الشرعية بالمعاني والحقائق لا بمجرد الألفاظ كما يفعل الظواهري الذي يستقي معلوماته من (الموسوعة البريطانية) و(موسوعة إنكارتا).

ثم يقول: «وبهذا يتبين من تعريف التأشيرة ومن معناها أنها لا تتضمن أي إشارة لأمان» في صـ98 من كتابه (التبرئة)، مع أن ما نقله فيه أن التأشيرة إذن بدخول البلد.

والغريب أن الظواهري أخذ بقول الشيخ ناصر الفهد في (إطلاق المعاملة بالمثل) ولم يأخذ بقوله: «إن التأشيرة أمان»، فهو يختار من الأقوال ما يحلو له بغير حجة شرعية لتأليف مذهبهم الإجرامي. وسيأتي في المسألة التالية كلام الفهد وما أفسده به.

وبمثل كلام ابن قدامة السابق قال الشافعي رحمه الله أيضًا: «فإن أمّنوه أو بعضهم وأدخلوه في بلادهم بمعروفٍ عندهم في أمانهم إياه، وهم قادرون عليه، فإنه يَلْزَمُه لهم أن يكونوا منه آمنينَ، وإن لم يُقل ذلك» إلى قوله: «فأمانهم إياه أمان لهم منه، فليس له أن يغتالهم ولا يخونهم»(2)، فتأمل قول ابن قدامة: «وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللفظ» وقول الشافعي: «وإن لم يُقل ذلك».

وقارن ذلك بقول الظواهري: إن اللفظ المذكور في الموسوعة لا ينص على أن التأشيرة أمان، لتعرف مبلغ الرجل من العلم وكيف حَمَله جهله بالشريعة على معارضة أحكامها المستقرة لتبرير غدر شيخه ابن لادن، رغم عدم ثقته به، حتى إنه لم يخبره بعمليات الغدر (11/9) قبل وقوعها.

بقي أن تعلم أن الشافعي كرر كلامه السابق ثم أعقبه بقوله. «ولا نعرف شيئًا يُروى خلاف هذا» (3).

ولقد بلغ الاحتراز من الغدر بالعدو بفقهاء المسلمين مبلغًا حتى قالوا: إن من دخل بلادهم بخديعة انطلت عليهم وصدقوه يجب عليه ألا يخونهم، فقال الإمام السرخسي: «لأنه لا طريق لهم -أي العدو- إلى الوقوف على ما في باطن الداخلين حقيقة، وإنما يُبنى الحكم على ما يُظهرون؛ لوجوب التحرز عن الغدر، وهذا لما بيّنا أن أمر الأمان شديد والقليل منه يكفي» (4).

فالسرخسي رحمه الله يقول: الأمان شديد والقليل منه يكفي، والظواهري يقول: إنهم لم يكتبوا ذلك في الموسوعة الأجنبية! مع العلم بأن الموسوعة التي نقل عنها تنص على أن (التأشيرة تأذن للمسافر أن يبقى في بلدٍ مدة معينة) هذا ترجمة النص الإنجليزي الذي ذكره برقم 136 في هامش صفحة 98 من كتابه (التبرئة)، أي أن التأشيرة إذنٌ بدخول البلد، وهذا أمان عند الفقهاء كما قال الشيباني: «ولو أن رهطًا من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب فقالوا: نحن رسل الخليفة، وأخرجوا كتابًا يشبه كتاب الخليفة، أو لم يخرجوا، وكان ذلك خديعة منهم للمشركين، فقالوا لهم: ادخلوا، فدخلوا دار الحرب، فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم» (5).

فجعل الشيباني مجرد قول أهل الحرب للمسلمين: (ادخلوا) أي إذن بالدخول؛ جعل هذا عقد أمان، وكذلك جعل ابن عبد البر مجرد الإذن أمانًا فقال: «كل ما اعتبره الحربي أمانًا من كلام أو إشارة أو إذن فهو أمان يجب على جميع المسلمين الوفاء به» (6).

وقد سبق قول ابن قُدَامة والشافعي أن أهل الحرب إذا أدخلوا المسلم بلدهم، وهو في أمن منهم، فيجب أن يؤمنهم ولا يخونهم، وإن لم يشترطوا ذلك عليه قولًا أو كتابةً.

فتأمل قول علماء المسلمين رغم اختلاف بلدانهم وأزمانهم، وتأمل تفلت الظواهري من أحكام الشريعة، وهو يزعم أنه يدعو إلى تطبيق أحكام الشريعة، وتأمل كيف ألجأه فقه تبرير عمليات الخيانة والغدر في 11/9 وأخواتها إلى أن يضرب عُرْض الحائط بأقوال فقهاء المسلمين ويلوذ بقوانين الكفار وقواميسهم.

والشيباني من أهل العراق، وهو تلميذ أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك، وهو مدوِّن مذهب الأحناف، وتوفي 189هـ، والشافعي إمام المذهب توفي بمصر في 204 هـ، وأبو عُمر ابن عبد البَرّ من أئمة المذهب المالكي، فقيه أندلسي، توفي 478 هـ، وموفَّق الدين ابن قُدامة من كبار أئمة الحنابلة، ومن أهل الشام، وهو مؤلف الموسوعة الفقهية (المغني)، تُوفي 620 هـ، رحمة الله عليهم أجمعين، اختلفت مذاهبهم وبلدانهم وأزمانهم وقولهم واحد؛ لأنه وكما قال الشافعي: «ولا نعرف شيئًا يُروى خلاف هذا» (7).

يترك الظواهري فقهاء المسلمين ويُفتي بالموسوعة البريطانية، وهذا مثال لمن ذكرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»(8).

وقد سبق هذا كله مع الرد على بقية شبهاتهم في البند الثامن (بالوثيقة)، وهناك ذكرتُ الأدلة على أن الغدر ولو مع الكفار كبيرة وفسق ونفاق، وانظروا كيف ألجأ فقه التبرير الظواهري إلى أن أكلمهم عن الشافعي والسَّرَخْسِيّ وابن قدامة فيكلمني عن الموسوعة البريطانية!

ولما أعيته الحيلة قال: إنها مسألة اجتهادية (كتابه التبرئة صـ97) أي أنه يجوز لهم الأخذ بأي قول فيها، وقد كذب؛ فهي ليست اجتهادية، فقد قال الشافعي منذ أكثر من ألف ومائتي سنة: «ولا نعرف شيئًا يُروى خلاف هذا» (9).

هذا فضلًا عن أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد في الدين، بل أهل كذب وغدر وبدعة.

قال: «حتى ولو كانت التأشيرة أمانًا فيجوز نقضه»:

وهذا ركن آخر من أركان مذهب (القتل بالجملة) الذي هو بدعة من بدع تنظيم القاعدة.

يا معشر المسلمين، جرائم أمريكا في حق المسلمين وغيرهم لا يختلف عليها اثنان من العقلاء، ولكن لا ينبغي أن تتخذ هذه الجرائم مظلة لتمرير تحريف الدين تحتها، حتى إذا جاء من ينكر تحريف الدين قالوا: إنه يخدم المصالح الأمريكية واليهودية. والجهاد حق ولكنه إذا تفلت من الضوابط الشرعية يصير حربًا لا أخلاقية.

ولما كان القول بأن التأشيرة ليست أمانًا لم يقل به أحد إلا الظواهري، وهو ليس من أهل العلم، بل خالف في ذلك قول جماهير علماء السلف، أراد الظواهري أن يتدارك أمره، فقال: حتى ولو كانت التأشيرة أمانًا يجوز نقضه، واستقوى بشيخهم ناصر الفهد الذي ذكرت له من قبل قبيحة (إطلاق المعاملة بالمثل المؤدية لقتل عشرة ملايين أمريكي في ضربة واحدة بمن فيهم من المسلمين والنساء والأطفال والشيوخ والعمال…)، فأتى ناصر الفهد هنا بقبائح أخرى خالف فيها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فبعد إقراره بأن التأشيرة أمان قال: إنه يجوز نقضها لسببين: الأول من باب الحيلة، والثاني لأن أمريكا هي التي نقضت عهودها مع المسلمين. وهذا كلامه مع الرد عليه.

السبب الأول الذي أجاز به ناصر الفهد نقض أمان التأشيرة: الحيلة والخداع. قال الفهد: «والمقصود هنا أن هناك قسمًا من المحاربين ممن هم على شاكلة كعب بن الأشرف يجوز الاحتيال عليهم ولو بإعطائهم الأمان كما فعل الصحابة معه، وكما فعل المجاهدون في أحداث سبتمبر» صفحة 111 من كتاب (التبرئة)، وهذا الكلام باطل من ثلاثة وجوه:

الوجه الأول: أنه بنى حكمه على خطأ، حتى وإن نسبه لابن تَيْمِيَّة فهو خطأ، وقد ردّ الصحابة أقوال عُمر بن الخطاب وعثمان بن عفان المخالفة للسنة كما ذكره ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) (10). أما الخطأ هنا فهو قوله: إن الصحابة أمّنوا كعبًا ثم قتلوه، وكان أمانهم له حيلة لقتله، ومنه أجاز ما فعله منفذو 11/9. وهذا فاسد مبني على فاسد.

والقصة هي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة عقد معاهدة مع يهود المدينة، ومنهم كعب بن الأشرف، على المسالمة، ثم بعد غزوة بدر أخذ كعب يحرض على المسلمين ويتغزل في نسائهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟». فقال محمد بن مَسْلَمَة: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: «نَعَمْ». قال ابن مسلمة: فَأْذَنْ لي أن أقول شيئًا. قال: «قُلْ». فأتاه ابن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صَدَقة، وإنه قد عنّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك. الحديث(11). ومعنى (عنّانا) أي (أرهقنا بما يطلبه من الصدقة). وهذا هو الكلام الذي استأذن ابن مسلمة فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في حقه.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أمر بقتله لأنه نقض عهده معه بما فعله، وليس في كلام ابن مسلمة ولا فِعله مع كعب لا أمان ولا شبهة تأمين له، بل إن كلام ابن مسلمة نفسه صريح في ذلك، وهو الكلام الذي لم يورده لا الفهد ولا الظواهري، مع أنه موجود في نفس الكتاب الذي نقلا منه القصة، وهو (الصارم المسلول) لابن تيمية، قال ابن تيمية نقلا عن ابن وهب: «ذُكر قتل ابن الأشرف عند معاوية فقال ابن يامين: كان قتله غدرًا. فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية، أيُغدَّر عندك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لا تنكر؟! والله لا يُظِلني وإياك سقف بيت أبدًا، ولا يخلو لي دم هذا إلا قتلتُه»(12).

لأن هذا الرجل نسب إجازة الغدر للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا تنقُّص وسبّ له، وكون ابن مسلمة -وهو صاحب القصة- قد غضِب لهذا فيُعلم من هذا أن القصة كلها لم يكن فيها غدر، لا في أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتله، ولا في كلام ابن مسلمة أو فعله مع كعب. ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وبهذا تعلم أن كلام الفهد: (إن الصحابة أمّنوا كعبًا ثم قتلوه) هو كلام باطل، و(المبني على الفاسد فاسد). وتأمل كيف ألجأهم فقه التبرير إلى أن نسبوا الغدر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

الوجه الثاني: أنه لا يجوز أن يتخذ نقض الأمان حيلة أو خدعة لقتل الكافر كما أراد أن يؤسس لهذا الظواهري مستقويًا بالفهد، بخلاف ما قرره علماء المسلمين، ففي شرح حديث «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ»(13) قال ابن حجر: «قال النووي: اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز» (14). وهذا كلام واضح صريح مفصّل لا يحتاج إلى شرح.

الوجه الثالث: أنهم لجئوا إلى التلبيس، فأرادوا أن يستدلوا بمسألة على أخرى، فمسألة كعب بن الأشرف هي (حكم الكافر المستأمن في دار الإسلام)، أما مسألتنا مثل منفذي 11/9 فهي (حكم المسلم المستأمن في دار الكفر)، وبينهما فروق مذكورة في كتب الفقه، فتأمل تلبيسهم وتخليطهم، بل تأمل جهلهم.

وأما السبب الثاني الذي أجاز به ناصر الفهد نقض أمان التأشيرة؛ فملخصه أنه حتى لو كان الأمريكان معاهدين لنا فقد نقضوا هم العهد بعدوانهم على المسلمين، وبذلك يحل لمن كان معاهدًا لهم (ومنه أمان التأشيرة) أن يقتلهم، وخلص من ذلك إلى أن ما فعله منفذو 11/9 صحيح. وهذا كلامه مختصرًا:

في صفحة 150 من كتاب (التبرئة) قال الفهد: «إن مدار شبهة من حرّم قتالهم وقتلهم في غير البلاد التي يقاتلون فيها على أمرين: الأمر الأول: شبهة العهد، فيقول: إنهم معاهدون و«مَن قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ»(15) كما ثبت في الحديث. والأمر الثاني: شبهة المصالح والمفاسد فيقول: إن قتالهم يجر على الأمة من البلاء ما لا تُطِيقه.

فيُقال في الجواب: أما العهد فلا والله، ليس بيننا وبينهم عهد، بل هم حربيون أينما حلوا وأقاموا، ولو تعلقوا بأستار الكعبة، فليس العهد الذي قامت به الحكومات مع هؤلاء الصليبيين شرعيًّا، بل هو بناء على مواثيق الأمم المتحدة الطاغوتية… وحتى لو كان العهد شرعيًّا فإن نواقض هذا العهد لا تعد بالعشرات، بل بالمئات، فمن قتالهم لنا في الدين وإعلانهم الحملة الصليبية إلى إخراجهم المسلمين من ديارهم.. وإذا كان العهد الذي بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وقريش نقضه لما أعانت قريش بكرًا على خزاعة سِرًّا ولمرة واحدة، فكيف بأفاعيل أمريكا التي لا تُعد ولا تحصى في هذا الزمن».

========================

(1) المغني مع الشرح الكبير (12/ 587) ط دار الحديث.

(2) الأم (4/164).

(3) الأم (4/ 188).

(4) السير الكبير وشرحه (2/67)، ط دار الكتب العلمية.

(5) السير الكبير (2/66-67).

(6) الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار (5/ 35).

(7) الأم (4/ 188).

(8) أخرجه البخاري (1/ 31، رقم 100)، ومسلم (4/ 2058، رقم 2673).

(9) الأم (4/88).

(10) (2/78-92).

(11) أخرجه البخاري (5/ 90، رقم 4037)، ومسلم (3/ 1425، رقم 1801).

(12) الصارم المسلول (1/ 90).

(13) أخرجه البخاري (4/ 64، رقم 3029)، ومسلم (3/ 1361، رقم 1739).

(14) فتح الباري (6/183).

(15) أخرجه البخاري (4/ 99، رقم 3166).

-- الشيخ سيد إمام



خدمات المحتوى
    زيارات 537


-- الشيخ سيد إمام
تقييم
1.00/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري