في
الإثنين 2 ربيع الأول 1439 / 20 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

23-شوال-1437 11:21 AM





يتشدق الغلاة بأن الجهاد هو سبيلهم، والموت في سبيل الله غايتهم، وأن الحديث النبوي الصحيح أخبر بأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة(1).

فهل جهادهم المزعوم هو الجهاد الشرعي الذي ورد مدحه والقائمين به في الكتاب والسنَّة؟

لنرى ذلك فيما يلي:

أولًا: لا خلاف بين المسلمين على أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وأنه من أفضل الأعمال، وأجَلّ الطاعات، وأن المجاهدين الحقيقيين هم أفضل من القاعدين؛ إذ فضلهم الله عليهم، فهو بهذا عبادة عظيمة من أحب العبادات إلى الله، والعبادة كما هو معلوم لكل ذي بصيرة وعلم في الشريعة مَنُوطَة بأحكامها وشروطها وأركانها وسننها، وأن أي عبادة لا بد من توفر الشرطين الأساسيين فيها، وهما:

إخلاص القصد لله تعالى فيها.
وأن تكون العبادة موافقة للشريعة وعلى منهاج النبوة.

فهذه العبادة العظيمة غير خارجة عن نصوص الشريعة التي وردت في ضبطها وإحكامها، وليست كَلَأً مباحًا يتزعمه كل من أراد أن يرفع عَقيرته بأنه مجاهد، أو يصف فعله بأنه من الجهاد، فمنذ بدأ علماء الإسلام في التصنيف والتأليف وهم يذكرون أحكام الجهاد وشروطه وسننه، وكل من أراد التلبس بهذه العبادة العظيمة فهو تحت تلك القيود الشرعية التي بيَّنها علماء الإسلام لتكون هذه العبادة على الوجه الصحيح الذي شرعه الله عز وجل.

والعجيب أن تجد من يتلبس بهذه العبادة العظيمة يسأل العلماء عن أحكام الطهارة والصلاة، ولا يسأل أو يهتم بسؤال أهل العلم عن أحكام هذه العبادة، وربما يصل لمرحلة أن يجيز لنفسه الفتيا فيها، وما علم بأن أحكام الطهارة والصلاة وغيرها من أحكام الشريعة لا تقل خطورة عن معرفة أحكام الجهاد، بل ربما تكون معرفته لها أوجب عليه لكون الجهاد يتعلق بالدماء وحقوق العباد.

فالجهاد مرتبط بمعرفة أحكامه وحدوده حتى يكون صحيحًا، وليس موكولًا للمجاهدين أنفسهم؛ لأن تجاوزهم للحدود الشرعية وارد، ولا مصحح لتصرفاتهم إلا بالرجوع لعلماء الشريعة، والجاهل يفسد أكثر مما يُصْلِح، وكم من مريد للخير حالَ جهلُه بينه وبين إدراكه.

قال شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة رحمه الله: «الواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح، الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يُؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا»(2).

وقال الشيخ صالح الفوزان حفِظه الله: «والجهاد له باب عظيم في مؤلفات أهل العلم يُرجع إليها، وتُستقرى هذه الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويسأل عنها أهل العلم وأهل البصيرة؛ لأن الجهاد أمره عظيم، إذا نُظِّم وصار على ما رسمه الله -عز وجل- صار جهادًا نافعًا للأُمة، أما إذا كان فوضى وبغير بصيرة وبغير علم فإنه يُصبِح نكسة للأمة وعلى المسلمين، فكم يقتل من المسلمين بسبب مغامرة جاهل أغضب الكفار -وهم أقوى منه- فانقضوا على المسلمين تقتيلًا وتشريدًا وخرابًا، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، ويسمون هذه المغامرة بالجهاد، وهذا ليس من الجهاد؛ لأنه لم تتوفر شروطه، ولم تتحقق أركانه، فهو ليس جهادًا، إنما هو عدوان لا يأمر الله -عز وجل- به»(3).

ثانيًا: أن كون الجهاد ماضيًا إلى قيام الساعة لا يعني عدم ترك الجهاد إذا لم تتوفر شروطه؛ لأن كل عبادة إذا لم يستطع المكلَّف القيام بها سقطت عنه بإجماع المسلمين، فالتكليف بكل ما أوجبه الله تعالى من طاعته وتقواه مشروط بالقدرة، كما قال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286 ]، والقدرة في باب الجهاد قدرتان:

قدرة خاصة بالأفراد؛ إذ من كان عاجزًا لم يجب عليه الجهاد، وإن كان واجبًا على بقية مجموع الأمة حتى يقوم به بعضهم، كما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [الفتح: 17].
قدرة متعلقة بمجموع الأمة، بحيث لا يجوز لآحاد القادرين إقحامها في قتال وهي غير قادرة عليه، ومنع النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه الكرام من الجهاد في العهد المكي نتيجة ضعفهم ومحدودية قدرتهم خير شاهد على وجوب مراعاة ذلك، وتعليق الجهاد بسبب النوع من العجز ليس من إبطال الجهاد في شيء كما يدعيه بعض من قلّ فقهه، لكنه تُرك للعمل به عند تعذُّر تحقيق غاياته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعَف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين»(4).

وقال الشيخ عبد الرحمن السِّعدي رحمه الله: فليعلم هؤلاء ومن يستجيب لهم أن الله لم يكلف الناس إلّا وسعهم وطاقتهم، وأن للمؤمنين برسول الله –صلى الله عليه وسلم- أُسوة حسنة، فقد كان له -صلى الله عليه وسلم- حالان في الدعوة والجهاد، أُمِر في كل حال بما يليق بها ويناسبها:

أُمِر في حال ضعف المسلمين وتسلط الأعداء بالمدافعة والاقتصار على الدعوة إلى الدين، وأن يكف عن قتال اليد؛ لِما في ذلك من الضرر المربي على المصلحة.

وأُمِر في الحالة الأخرى أن يستدفع شرور الأعداء بكل أنواع القوة، وأن يسالم من تقتضي المصلحة مسالمته، ويقاوم المعتدين الذين تقتضي المصلحة -بل الضرورة- محاربتهم.

فعلى المسلمين الاقتداء بنبيهم في ذلك، وهو عين الصلاح والفلاح.

ثالثًا: أن اتخاذ قرار الجهاد مرهون بإمام المسلمين، كما ثبت في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ»(5).

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: «يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلَّا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس… ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجُمَع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا رُوي أَنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللهِ فِي الأَرْضِ. ويُقال: «سِتُّونَ سَنَةً مِنْ إِمَامٍ جَائِرٍ أَصْلَحُ مِنْ لَيْلَةٍ بِلَا سُلْطَانٍ». والتجرِبة تبيِّن ذلك»… فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يُتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القُرُبات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها»(6).

وقال الإمام القرافي: «إن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق، وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل الطغاة، وتوطين العباد في البلاد، إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس»(7).

وقال الإمام ابن قُدامة: «وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك»(8).

وقال الإمام محمد بن عبد الوهَّاب رحمه الله: «وأمر الجهاد موكول إلى الإمام، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه»(9).

فالجهاد ليس متروكًا لآحاد الناس متى ما أراد دعا الناس للجهاد، ولو كان بيد كل أحد لكان ذلك بوابة للاختلاف، وسلمًا للفتنة، ولعمّت بذلك الفوضى، وظهرت الفُرقة، وقيدت الأمة – كما هو الحال في عصرنا – إلى ما لا يُحمد من إضعاف المسلمين، وتسليط أعدائهم عليهم، وتشويه جمال الإسلام، وإعاقة مسيرة الدعوة الإسلامية.

رابعًا: أن الجهاد بريء براءة الذئب من دم يوسف فيما يفعله الغلاة من قتلهم للمسلمين واستحلال أعراضهم، فالجهاد إنما شُرع لحماية المسلمين من كيد الأعداء، وحماية بَيْضَتِهِم؛ وإرهاب أعداء الله من الكافرين، فكيف يعقل أو يستسيغ مسلم أن يرجع المجاهد زورًا إلى المسلمين ويعمل فيهم بالسيف، ويفجر ويقتل، ويدعي أنه مجاهد في سبيل الله.

ألا ساء ما يحكمون.

__________________________

(1) أخرجه أبو داود (3/ 18، رقم 2532)، ولفظه: «…وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ…»،

(2) الفتاوى الكبرى (5/ 529).

(3) الجهاد وأنواعه وأحكامه (24، 25).

(4) الصارم المسلول صـ221.

(5) أخرجه البخاري (4/ 50، رقم 2957)، ومسلم (3/ 1471، رقم 1841).

(6) مجموع الفتاوى (28/ 391).

(7) الأحكام صـ93.

(8) المغني (9/ 202).

(9) مجموع مؤلفاته (2/ ٣٦٠).



خدمات المحتوى
    زيارات 427


السكينة
تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري