في
الثلاثاء 7 رمضان 1439 / 22 مايو 2018

جديد الأخبار والمقالات

07-شوال-1437 11:06 AM




بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي أنزل عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين ، أما بعد . .
فأكرر الحمد والشكر لله سبحانه وتعالى على ما مَنَّ به علينا من هذا اللقاء المبارك الذي أسال الله سبحانه وتعالى أن يكون روضة من رياض الجنة .
ثم إنني أقول : إن القرآن الكريم آخر رسالات السماء إلى الأرض ، أكْمَلَ اللهُ به الدين ، وأتم به النعمة على البشرية جمعاء ، ولذا فإن الله تكفّل بحفظه في نفس لغةِ وحيِهِ ، فحفظه حفظًا كاملًا ، فقال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر : 9] .
ولقد جاء القرآن الكريم وعاءً لكل شيء ، وصِيغَ صياغةً معجزة بحيث يجد فيه كلُّ عصرٍ ومِصرٍ غايتَه وبُغيته ، ففيه الحلول لكل ما استجدّ من المشكلات إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها ، ومن هنا نجد القرآن الكريم قد حوى من الموضوعات ما يُقيم الدين والدنيا معًا على المنهج السليم القويم ، ويحقق الاستخلاف في الأرض الذي أراده الله تعالى من خلق الإنسان في قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } [البقرة : 30] . الآية ، وقوله : { هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } [هود : 61] .
فالمحتوى القرآني صالح لكل زمان ومكان ، ومن هنا رأينا القرآن الكريم يركز على أربعة محاور أساسية ، وهي : العقيدة ، والعبادات ، والأخلاق ، والمعاملات .
وعلى هذه المحاور الأربعة تدور ركائز الدنيا والدين .
موضوع العقيدة هو أكبر الموضوعات التي عُنِيَ بها القرآن ، فهذا الموضوع متشعّب في جُلّ سور القرآن الكريم ، وذلك لأن عليه مدار الرسالات السماوية كلها ، قال الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [الأنبياء : 25-29] .
واليوم نتحدث عن التوحيد وأثره في تحقيق الأمن ، وذلك نظراتٌ في قول الله سبحانه وتعالى : { الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [الأنعام : 82] .
وسوف أحاول قدر الإمكان التعرضَ لمفهوم الأمن وعلاقته بالتوحيد ، وكيف يكون الأمن تامًّا أو منقوصًا ، وما هي الأسباب التي تؤدي إلى استمراره ، والموانع التي تكون سببًا في عدم إحرازه ، وذلك من خلال عدد من العناصر .
فالآية الكريمة : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } : اللبسُ : من لَبْس الثوب . يقال : لَبِس الثوب : استتر به وألبسه غيرَه ، ومنه قوله سبحانه وتعالى : { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا } [الكهف : 31] .
والإيمان في اللغة الإقرار الذي يتضمن تصديق القلب وانقياده ، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن تَفْسِير الإيمان بِلَفْظِ الْإِقْرَارِ أَقْرَب مِنْ تَفْسِيرِهِ بِلَفْظِ التَّصْدِيقِ ، وأن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق ، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق ، وعمل القلب الذي هو الانقياد .
وفي الشرع : الإيمان هو إقرار باللسان ، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالأركان ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .
هذا التعريف هو ما يُطلق عليه مسمَّى الإيمان عند أهل السنة ، كما دلّت على ذلك النصوص الشرعية ، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أو بضع وستون شُعْبَةً ، فأفضلها قَوْلُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ ، والحياء شعبة من الإيمان » . حيث شَملت الشعبُ المذكورة في الحديث القول والاعتقاد والعمل .
ونقل الإمام الشافعي وغيره الإجماع على ذلك ، يقول رحمه الله : وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ومن أدركنا يقولون : الإيمان قول وعمل ونية ، لا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر ، وإذا اقترن لفظ الإيمان بالإسلام في نصٍّ من الكتاب أو السنة ، فيُقصد بالإيمان الأعمال الباطنة ، وبالإسلام الأعمال الظاهرة ، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى : { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } [الحجرات : 14] .
وكما في حديث جبريل حين سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإسلام حين ذكر الأركان الخمسة ، وهي أعمال ظاهرة ، وحين سأله عن الإيمان ذكر أصوله الستة ، وهي أعمال باطنة .
أما إذا لم يقترن لفظُ الإيمان بالإسلام في نص فيكون كل واحد منهما بمعنى الآخر ، فالإسلام هو الإيمان ، والعكس كذلك ، ومن أوضح الأدلة من السُّنّة على ذلك حديث وفد عبد القيس ، قال صلى الله عليه وسلم : « آمركم بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : تشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وتقيموا الصلاة ، وتؤتوا الزكاة ، وتصوموا رمضان ، وتُعطوا من المغنم الخمس » .
وهذا هو معنى ما ذكره أهل التحقيق في المسألة؛ لأن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا تفرَّقَا ، وإذا افترقَا اجتمعَا .
أما الظلم المذكور في الآية ، فالظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء : وضعُ الشيء في غير موضعه المختص به ، إما بنقصان أو بزيادة ، وإما بعدول عن وقته ومكانه ، ومن هذا يقال : ظَلَمت السقاء ، إذا تناولتَه في غير وقته ، وظلمتُ الأرض ، أي : حفرتُها ولم تكن موضعًا للحفر ، وتلك الأرض يقال لها : المظلومة ، والترابُ الذي يخرج منها : ظليم ، والظُّلم يقال في مجاوزة الحد الذي يجري مَجرى نقطة الدائرة ، ويقال فيما يكثُر وفيما يَقِل من التجاوز ، ولهذا يُستعمل في الذنب الكبير وفي الذنب الصغير ، ولذلك قيل لآدم في تعديه : ظالم ، وفي إبليس : ظالم ، وإن كان بين الظُّلمين بَوْن بعيد .
أما الأمن الذي ورد في الآية ، فأصل الأمن : طمأنينة النفس وزوال الخوف ، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر ، ويُجعل الأمان تارة اسمًا للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن ، وتارة اسمًا لما يؤمَّن عليه الإنسان ، نحو قول الله سبحانه وتعالى : { وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ } [الأنفال : 27] . أي : ما ائتمنتم عليه ، وقوله : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [الأحزاب : 72] ، قيل : هي كلمة التوحيد ، وقيل : هي العدالة .
وفي قوله : { مهتدون } : الهدى خلاف الضلالة ، تقول : هديتُه هُدًى ، ويقال : أقبلَت هوادي الخيل : أعناقَها ، ويقال : هاديها أولُ رعيل منها؛ لأنه المتقدم ، والهادية العصا؛ لأنها تتقدم مُمْسِكها كأنها ترشده ، ومن أسماء الله سبحانه وتعالى : الهادي ، قال ابن الأثير : هو الذي بصّر عباده وعرّفهم طريق معرفته حتى أقروا بربوبيته ، وهدى كلَّ مخلوق إلى ما لابُدّ له منه في بقائه ودوام وجوده .
وهداية الله سبحانه وتعالى للإنسان على أربعة أوجه :
الأول : الهداية التي عَمّ بجنسها كل مكلف؛ من العقل والفطنة والمعارف الضرورية التي عم منها كلَّ شيء بقدرٍ فيه حسب احتماله كما قال تعالى : { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه : 50] .
الوجه الثاني : الهداية التي جَعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء والمرسلين ، وإنزال القرآن ، ونحو ذلك ، وهو المقصود بقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } [السجدة : 24] .
الوجه الثالث : التوفيق الذي يختص به من اهتدى ، وهو المعنيّ بقوله تعالى : { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى } [محمد : 17] ، وقوله : { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } [التغابن : 11] ، وقوله : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } [يونس : 9] ، والآيات في هذا كثيرة .
الوجه الرابع : الهداية في الآخرة إلى الجنة ، وذلك المعنيّ بقوله تعالى : { سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } [محمد : 5] .
أما الآية وفق سياقها فكما تعلمون أن الآية تفسَّر وفق السياق الذي أتت به ، وهذا من الأمور المهمة التي لا يمكن تفسيرُ الآية بمعزل عنها ، يقول ابن دقيق العيد رحمه الله : السياق والقرائن يدلان على مراد المتكلم من كلامه ، وهي المرشدة إلى بيان المُجْمَلات وتعيين المحتَمَلات ، فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى . انتهى كلامه رحمه الله .
والوقوف على مراد كلام المتكلم ومقصده يحتّم الوقوف على السياق ، من هنا وجب علينا إيراد الآية الكريمة في سياقها ، فالآية واردة في إطار محاجّة إبراهيم عليه السلام قومَه ، فقد ذكر الله تبارك وتعالى قبل هذه الآية قول إبراهيم : { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [الأنعام : 79] ، إذ وجه إبراهيم الخليل وجهه لله الذي فطر السماوات والأرض ، والذي خلق الشمس والقمر والكواكب ، وخلق العباد هؤلاء ، وخلق المعبودات المنحوتات ، قال : { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) } [الصافات : 95 ، 96] ، كيف تنحته بيدك وتعبده!! والله خلقك وخلق هذا الصنم المنحوت المعبود ، فقد أعلن إبراهيم عليه السلام عبوديته لله ، فقال : { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض } ، ووجه وجهَه وتوجه بوجهه ، وهو تعبير عن الاتجاه الكلي ، فهو لا يلتفت إلى غير الله ، فالشرك التفات إلى غير الله ، وإنما يوجه وجهه إلى الله بالتوحيد الخالص ، إذن فالاتجاه إلى الله وتوحيد الله ، هذا هو ما فطن إليه إبراهيم عليه السلام وألزم به قومَه .
{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } [الأنعام :80] ، فلم يُسْلِم له قومه بل جادلوه فيما قال ، ولابُدّ من المحاجّة والمجادلة ، { قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } [الأنعام :80] . أي أتحاجوني في الله ، وهذه المجادلة والمحاجّة في الله سبحانه وتعالى وقد هداني وعرفتُ التوحيد وعرفتُ أنه الواحد الأحد سبحانه وتعالى ، وأنه المستحق للعبادة ، { وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنعام :80 ، 81] .
فوصل الجدال والنقاش بين إبراهيم وقومه إلى هذه النقطة ، حيث خوّفوه بالآلهة أنها سوف تنتقم منه؛ إذ كيف يكفر بمعبوداتهم ، فإبراهيم يقول : أنا أخاف وأنتم لا تخافون أنكم أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ عليكم بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
فهنا فريقان كل منهما يدعي أنه على الحق ، وأن الآخر يجب أن يخاف من معبوده؛ إبراهيم عليه السلام يقول : أنا على الحق وربي الله ويجب أن تخافوا من الله تبارك وتعالى؛ لأنكم مشركون ، وقومُه يزعمون أنهم على الحق ، وأن آلهتهم هي الآلهة المعبودة ، ويخوّفون إبراهيم عليه السلام بهذه الآلهة ، فأي الفريقين أحق بالأمن؟ قال الله تعالى : { الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) } [الأنعام :82 ، 83] .
فهذه فصل من الله سبحانه وتعالى بين الفريقين ، فمن هو الآمن إذن؟ الإجابة صريحة من الله سبحانه وتعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } .
وقد أبان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معنى هذه الآية ، فحينما نزلت وقرأها على الصحابة رضي الله عنهم شقّ عليهم ذلك ، قالوا : يا رسول الله ، أيُّنا لم يظلم نفسه؟ وكيف ننال الأمن ، وكيف ننال الهداية ونحن ظالمون لأنفسنا؟ فخافوا ، وشقّ ذلك عليهم . فبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم معنى الظلم في قوله تعالى : { وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } ، فقال كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي في الصحيح : « ليس بذاك » ، أي ليس المقصود بالظلم في الآية الذنب ، وكلنا مذنبون ، وكل بني آدم خطاء ، ولو لم نذنب ونستغفر الله لجاء الله سبحانه وتعالى بقوم غيرنا فيذنبون ويستغفرون ، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى ، ثم قال : « ألم تسمع إلى قول العبد الصالح : يا بنيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » ، وهذا العبد الصالح هو لقمان الذي ذكره الله تعالى في سورة لقمان .
فتبين إذن بهذا أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم خافوا ، وظنوا أنه لا أمن ولا هداية إلا لمن يجتنب الذنوب ، وقالوا : لا يمكن لإنسان أن لا تقع منه ذنوب ، فطمْأَنَهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن قال : إن هذا الظلم هو الشرك .
{ ولم يلبسوا } ، معناها أي : لم يخلِطوا ، لم يشوبوا إيمانهم وتوحيدهم وإخلاصهم بظلم .
إذن المؤمنون الموحِّدون الذين لم يخلطوا هذا التوحيد والإيمان والإخلاص لله سبحانه وتعالى بشرك ، { أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ، فلهم الأمن ولهم الاهتداء ، فاطمأنت نفوس الصحابة رضي الله عنهم بهذا .
وهذا المعنى ما أكدت عليه كتبُ التفاسير المعتمدة؛ لأن البيان إذا كان واردًا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فليس لأحد أن يتقدم عليه أو أن يتأخر .
أما الإطار التفصيلي في كلامنا هذه الليلة ، فكما سلف وأن قلت في مقدمة هذه النظرات في هذه الآية أنها آية جامعة ، وهي تمثّل منهج حياة للنجاة في الدنيا والآخرة ، وهي تُبيّن كيف يصل الإنسان إلى الأمن والهداية التامّيْن ، فالأمن نعمة كبرى امتنّ الله بها على عباده المؤمنين من أهل التوحيد ، فهو الذي يدفع الإنسان نحو الإعمار وتحقيق الاستخلاف الذي أراده الله تعالى للإنسان في هذه الأرض ، وهي – الآية- تعرض لأثر الظلم على تحقيق الأمن التام الذي وعد الله به عباده من أهل التوحيد؛ ولذا وجدت من الضروري أن أتكلم عن أنواع الظلم .
فالآية الكريمة تحدثت عن الإيمان الذي لم يلابسه ظلم ، والظلم أنواع ، فأيّ ظلم يترتب على عدم الأمن؟
أقول : إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد جلّى هذا الأمر بصورة واضحة لا لَبْس فيها ، فهو يرى أن الظلم نوعان : مطلق ، ومقيَّد ، يقول : فالظالم المطلق الذي جَعل لله نِدًّا ، وهذا ما له من شفيع يُطاع ، والموحِّد لم يكن ظالمًا مطلقًا ، بل هو موحِّد مع ظلمه لنفسه ، وهذا إنما نفعه في الحقيقة إخلاصُه لله ، وأن أحدا لا يعبد إلا الله ولا يدعو غيره ، ولا يسأل غيره ، ولا يتوكل على غيره ، لا في شفاعة ولا في غيرها ، موحِّد خالص .
فالموحد ليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه ، وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب ، كذلك ليس له أن يتوكل على غير الله في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة ، وإن كان الله يغفر له ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها ، وتلك قد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص ، فهي من التوحيد ، ومستحِقّها أهل التوحيد . انتهى كلامه .
وهذا الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو الشرك الأكبر؛ شرك العقيدة ، والذي يتخذ فيه الإنسان نِدًّا لله وهو خالقه ، ويعتقد فيه النفع والضر ، وهذا ظلم عظيم ، وتعدٍّ وتجاوز في حق الله تعالى في كونه المستحق وحده للوحدانية ، قال تعالى على لسان لقمان : { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان : 13] ، هذا الظلم المطلق .
أما الظلم المقيَّد فقد يختص بظلم الإنسان نفسَه ، وظلم الناس بعضهم بعضًا ، كقول آدم عليه السلام وحواء : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } [الأعراف : 23] ، وقول موسى : { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } [النمل : 44] ، وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } [آل عمران : 135] ، لكن قول آدم وموسى إخبار عن واقع لا عموم فيه ، وذلك قد عُرِفَ – ولله الحمد- أنه ليس كفرًا .
وأما قوله : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ، فهو نكرة في سياق الشرط ، يَعُمّ كلَّ ما فيه ظلم الإنسان نفسه ، وهو إذا أشرك ثم تاب تاب الله عليه ، وظلم الإنسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب؛ كبير أو صغير مع الإطلاق ، قال تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } [فاطر : 32] ، فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره ، فلا يدخل فيه الشرك الأكبر .
وقد ثبت ما روي في الصحيحين عن ابن مسعود ، أنه لما نزلت هذه الآية { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } ، شق ذلك على الصحابة ، وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما هو الشرك ، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » .
والذين شق ذلك عليهم أنهم ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسَه ، وأنه لا يكون الأمن والاهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه ، فشقّ ذلك عليهم ، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم لهم ما دلّهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله تعالى ، وحينئذ فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يُلْبِس إيمانه بهذا الظلم ، ومن لم يُلْبِس إيمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء ، كما كان من أهل الاصطفاء في قوله : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفين من عبادنا } ، إلى قوله : { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } [الرعد : 23] ، وهذا لا ينفي أن يؤاخَذ أحدُهم بظلم نفسه إذا لم يتب كما قال تعالى : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة : 7 ، 8] ، وقال تعالى : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } [النساء/123] .
وقد سأل أبو بكر النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : يا رسول الله ، وأيُّنا لم يعمل سوءا؟ فقال : « يا أبا يكر أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ فذلك مَا تُجْزَوْنَ بِهِ » .
فبيّن أن المؤمن الذي إذا تاب دخل الجنة قد يُجْزَى بسيئاته في الدنيا بالمصائب التي تصيبه ، كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَثَلُ المُؤْمِنِ كمثل الخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ ، تُفَيِّئُهَا الرياح ، تُقوِّمها تارة ، وتميلها أخرى ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ كمثل شجرة الأَرْزَةِ ، لاَ تَزَالُ ثابتة على أصلها حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً » . أخرجه البخاري .
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ ، وَلَا نَصَبٍ ، وَلَا هَمّ ، وَلَا حَزَنٍ ، ولا غَمّ ، ولا أذى ، حَتَّى الشوكة يشاكها إلا كَفِّرَ بِها مِنْ خطاياه » .
فالشرك وفق ما ذكره شيخ الإسلام هو الظلم المطلق الذي لا تكون معه شفاعة النبي ولا غيره ، وأما ظلم أهل التوحيد بالمعاصي ، وهو الظلم المقيد ، فتكون معه الشفاعة والمغفرة من الله ، وليس كون أهل التوحيد يتعرضون للأذى ، ويصيبهم الحزن أنهم غير آمنين ، فما كان ذلك إلا لتطهيرهم من الذنوب والمعاصي كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث السالفة الذكر .
أما النتيجة المترتبة على عدم الظلم ، فإن من سلم من أدناس الظلم الثلاثة : الظلم المطلق وهو الشرك بالله ، والمقيد؛ ظلمُ النفس وظلم الغير ، كان له الأمن التام والاهتداء التام .
من لم يسلم من ظلم نفسَه كان له الأمن والاهتداء مطلقًا ، بمعنى أنه يدخل الجنة كما وعد ذلك في الآية : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } .
وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله : ويحصل من نقص الأمن والاهتداء بحسب من نقص من إيمانه بظلمه نفسَه .
وليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « إنما هو الشرك » ، أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام ، فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبيّن أن أهل الكبائر معرَّضون للخوف ، ولم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم ، بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ، ومعهم أصل نعمة الله عليهم ، ولابُدّ لهم من دخول الجنة .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما هو الشرك » ، إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن مَن لم يكن من أهله فهو آمِنٌ مما وُعِدَ به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة ، وهو مهتدٍ إلى ذلك ، وإن كان مراده جنس الشرك ، فيقال : ظلم العبد نفسَه ، كبخله لحب المال ببعض الواجب هو شرك أصغر ، وحبه مما يبغضه الله حتى يكون يقدّم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك ، فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ، ولهذا كان السلف يُدخِلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار .
الشرك أعظم الفساد ، كما أن التوحيد أعظم الصلاح ؛ ولهذا قال تعالى : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } [القصص : 4] . إلى أن ختم السورة بقوله : { تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا } [القصص : 83] ، وقال : { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) } [الإسراء : 4] ، وقال : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } [المائدة : 32] .
فأصل الصلاح التوحيد والإيمان ، وأصل الفساد الشرك والكفر ، كما قال عن المنافقين : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) } [البقرة : 11 ، 12] ، وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بخير يحصل له ، وبه المقصود الذي يُراد منه؛ ولذا يقول الفقهاء : العقد الصحيح ما ترتّب عليه أثرُه ، وحصل به مقصودُه ، والفاسد ما لم يترتب عليه أثرُه ، ولم يحصل به مقصوده . والصحيح المقابل للفاسد في اصطلاحهم هو الصالح ، وكان يكثُر في كلام السلف : هذا لا يصلح ، أو هذا يصلح ، كما كثُر في كلام المتأخرين : يصح ولا يصح .
فالله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته ، وبدنه تبعٌ لقلبه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : « ألا إن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب » .
وصلاح القلب في أن يحصل له وبه المقصود الذي خُلِقَ له من معرفة الله ومحبته وتعظيمه ، وفسادُه في ضد ذلك ، فلا صلاحَ للقلوب في ضد ذلك قط ، والقلب له قوتان : العلم ، والقصد ، كما أن للبدن الحس والحركة الإرادية ، فكما أنه متى خرجت قوى الحس والحركة عن الحال الفطري الطبيعي فسد ، فإذا خرج القلب عن الحالة الفطرية التي يُولَد عليها كل مولود ، وهي أن يكون مُقِرًّا لربه مُريدًا له ، ويكون هو منتهى قصده وإرادته ، وذلك هي العبادة ، ففي العبادة كمالُ الحب بكمال الذل ، فمتى لم تكن حركة القلب ووجه وإرادته لله كان فاسدًا ، إما بأن يكون معرضًا عن الله وعن ذِكْرِه غافلا عن ذلك ، مع تكذيب أو بدون تكذيب ، أو بأن يكون له ذِكْر وشعور ، ولكن قصده وإرادته غيره ، لكون الذكر ضعيفا لم يجتذب القلب إلى إرادة الله ومحبته وعبادته ، وإلا فمتى قوي عِلْمُ القلب وذِكره أوجب قصده وعلمه ، قال تعالى : { فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } [النجم : 29 ، 30] ، فأمَرَ نبيَّه بأن يعرض عن من كان معرضًا عن ذكر الله ولم يكن له مراد إلا ما يكون في هذه الحياة الدنيا ، وهذه حال مَن فسد قلبه ولم يذكر ربه ، ولم يتُب إليه ، فيريد وجهَه ويخلص له الدين ، ثم قال : { ذلك مبلغهم من العلم }, فأخبر أنهم لم يحصل لهم علم فوق ما يكون في الدنيا ، فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم ، وأما المؤمن فأكبر همه هو الله ، وإليه انتهى علمُه وذِكْرُه ، وهذا الآن باب واسع عظيم .
وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس ، والإشراكُ أصل فسادهم ، والفسق مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل ، وإرادةُ العلو في الأرض مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم ، فهذا مع هذا ، وهذا مع هذا ، فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل ، ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات ، وهو البَرّ وهو العدل ، والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ لهذا سُمِّي قُطّاع الطريق مفسدين .
والذي يريد العلو على أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليًا عليه بأولى من كونه عاليًا عليك ، وكلاكما من جنس واحد ، فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة ، كما وصف الله المؤمنين بذلك ، والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل ، ولهذا قال تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } [آل عمران : 64] .
ولهذا كان تخصيصه بالذكر في مثل قوله : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [الأعراف : 29] ، لا يمنع أن يكون داخلا في القسط ، كما أن ذِكر العمل الصالح بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلا في الإيمان ، والمقصود أن كل خير فهو داخل في القسط والعدل ، وكل شر فهو داخل في الظلم ، وإذا كان العدل أمرًا واجبًا في كل شيء وعلى كل أحد ، والظلم محرمًا في كل شيء ولكل أحد ، فلا يحِلّ ظلم أحد أصلًا ، سواء كان مسلمًا أو كافرًا ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [المائدة : 8] ، وقال : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [البقرة : 194] ، وقال : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } [النحل : 126] ، وقال : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } [الشورى : 40] .
وقد دلّ على هذا قوله في الحديث : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا » ، فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحد أحدا ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : وَأَمْرُ الْعَالِمِ فِي الشَّرِيعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ الْعَدْلُ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَنْسَابِ وَالْأَعْرَاضِ ، وَلِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ ، وَمُقَابَلَةُ الْعَادِي بِمِثْلِ فِعْلِهِ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمُثْلَى لَمَّا كَانَ أَمْثَلَ بِمَا هُوَ الْعَدْلُ والحق . انتهى كلامه .
ومما ينبغي أن يُعْلَم أن كثيرًا من الناس لا يعلمون كونَ الشرك من الظلم ، وأنهم يرون أن لا ظلم إلا ظلم القوي القادر على الضعيف العاجز ، أو ظلم العبد نفسَه ، وإن علموا كون الظلم شركًا علموا ذلك من جهة الاتباع والتقليد للكتاب والسنة والإجماع ، ولم يفهموا وجهَ ذلك ، ولذلك لم يسبق ذلك إلى ذهن جماعة من الصحابة لما سمعوا قوله : { الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } [الأنعام : 82] ، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود ، أنهم قالوا : أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم ، كما مرّ معنا .
وذلك أنهم ظنّوا أن الظلم هو إضرار غير مستحق ، ولا يرون الظلم إلا ما فيه إضرار بالمظلوم ، إلا أن ضرر دين الله وضرر المؤمنين بالشرك والمعاصي أبلغ وأبلغ ، ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى لا يضره عبادُه ، ولا ينفعونه ، إنما يضرون أنفسَهم ، ولهذا قال : { وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ } [آل عمران : 176] .
فأخبر أن الكافر الذي كفر بربه ، وترك حقَّه وأشرك به ، وعبَدَ غيره وتعدى حدوده وانتهك محارمه لا يضره شيئا كما يضر المخلوق من السادة ونحوهم مما يجحدُ حقوقهم ويكفرُ نعمهم ويعتدي عليهم .
فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ، ولا تُضرب له الأمثال ، ولهذا قال تعالى في الحديث الصحيح عن أبي ذر ، وهو أشرف حديث رواه أهل الشام كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : « يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا » ، الحديث ، إلى قوله : « يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي ، فَتَنْفَعُونِي » ، إلى قوله : « فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ » .
وكذلك أخبر في القرآن أنه غني عن خلقه ، لن يبلغوا نفعه فينفعوه ، كما يبلغ بعضُهم نفع بعض ، قال تعالى : { وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } [آل عمران : 97] ، والآيات في هذا كثيرة .
وقال عن بني إسرائيل : { وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [البقرة : 57] ، فهذا نصٌّ في أنهم لم يظلموا الله وإنما ظلموا أنفسهم .
ولكن عبادته وحده حق استحقه عليهم لذاته ، { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } [الذاريات : 56-58] .
فأخبر أنه إنما خلق الخلق لعبادته ، وأخبر أن الذي خلقهم له ، وأمرهم به ، ورضيه وأحبه وأراده بأمره منهم هو عبادته ، ولم يُرد منهم رزقًا ، ولا يطعموه ، والرزق يعم كل ما ينتفع به الحي ظاهرًا وباطنًا ، فلم يُرد منهم ما يريده السادة والمخلوقون من عبّادهم من جَلْب المنفعة إليهم التي هي الرزق ، قال تعالى : { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [القصص/62] ، { وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } [القصص : 75] .
فأخبر تعالى أنهم علموا يومئذ أن الحق لله ، وأن أولئك الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله لم يكن لهم في ذلك الحق شيء ، بل كان دعواهم أن لهم حقًّا ، افتراءً افتروه ، فضل عنهم وقت الحقيقة ما افتروه ، وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا » ، وذكر الحديث .
ولهذا يكثُر من ذِكر الشرك والكفر أنواع في القرآن ، ويُخبر بأنه ظلم ، وأنه من أعظم الظلم ، كقوله : { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [البقرة : 254] ، { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ } [الفرقان : 27] ، إلى قوله : { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا } [الفرقان : 29] .
وقد أخبر النبي عليه السلام أن العبادة ليست بحق للمخلوق ، وإنما هي حق للخالق ، { قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } [المائدة : 116] ، وفي الحديث الصحيح : « ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي » ، وقال : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ } [الأنعام : 93] ، والآيات في ذلك كثيرة .
يقول شيخ الإسلام : وهؤلاء الذين قالوا : إن الظلم إضرار غير مستحق ، قصدوا بذلك الظلم المعروف بينهم ، وهو ظلم العباد الذين يتضررون بالظلم في حقوقهم ، وأما الظلم في حق الله تعالى فلم يستشعروه ولم يقصدوه ، ولعلهم لا يعدُّونه ظلمًا ، كما هو في أكثر النفوس العامية ، بناءً على أن الله غني لا يلحقه ضرر ، ومعلومٌ أن تركَ الحق الواجب ظلمٌ .
وللشرك صور عديدة : منها دعاء الأموات ، والاستغاثة بهم ، وطلب الحوائج منهم ، ومن صور الشرك رجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله .
أما الأمن المترتب على عدم الظلم فيمكن أن نتكلم في ذلك من خلال عنصرين :
العنصر الأول : الأمن التام ، فلما كان الأمن هو النتيجة الطبيعية لعدم الظلم كما ورد في الآية الكريمة التي نحن بصددها : { الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [الأنعام : 82] ، رأيتُ أن أُفرده بالحديث ، فمما يثير الانتباه في كتاب الله عز وجل أن هذا اللفظ – أي الأمن- لم يَرِد إلا في خمسة مواضع ، ثلاثة منها ورد معرفًا في الصورة المطلقة ، وذلك في قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء : 83] ، وقوله : { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [الأنعام : 80- 82] .
وورد مرتين مُنَكَّرًا ، منها قوله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } [النور : 55] .
وورد على غير الصورة الاسمية أضعاف ذلك ، سواء في صيغة الماضي ، أو صيغة المضارع ، أو صيغة المشتق كاسم الفاعل المفرد أو الجمع ، وقد ورد اللفظ بعدة أشكال ، لكنه لم يرد مقيدًا بشيء ، لا بوصف ولا بإضافة .
ومعنى ذلك أنه غير قابل للتبعيض ، فالأمن شيء كلي شامل ، لا يقبل التبعيض ، وهذه مسألة مهمة ، وهي أن الأمن نعمة يتنعم بها الناس ، إما أن تكون ، أو لا تكون ، ولا يمكن أن تكون مُبَعَّضَة ، بمعنى : ينعمون بنوع من الأمن ولا ينعمون بأنواع أخرى ، ولا سيما بالنسبة لأهل الإيمان ؛ لأن المنطق الذي يحكم دائرة الإيمان هي دائرة التكليف ، ودائرة الشهادة على الناس .
بينما الدائرة الأخرى ، وهي دائرة الكفر ، ليست مكلَّفة ، ولذلك إذا تمت الاستجابة للتكليف من أهل الإيمان تكون النتائج ، وتكون الآثار الطيبة ، وتكون الثمرات ، وتكون الخيرات ، وإذا لم تتم الاستجابة تكون العقوبات .
بينما في دائرة الكفر قد يتم التنعيم الدنيوي حتى يرتحل الناس ، ولا يكون إشكال في أنهم ليسوا مكلَّفين بهذه الأمانة ، والأمر واضح ، فلا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، وأمته من بعده هي حاملة للأمانة ، ولذلك إذا لم تحاسَب على ذلك أفرادا وأمة ، تحاسَب على ذلك حسابًا عسيرًا في الدنيا والآخرة .
والفساد الذي يحدث في غير المسلمين هو في الحقيقة بسبب تقصير المسلمين ، فأمة الإسلام يقع على عاتقها دلالة الناس ، وإرشادهم ، هذا موقعها لا واقعها ، ولكنها للأسف لم ترتقِ الآن إلى الموقع ، وهي الآن في واقع نعرفه جميعًا ، فلذلك إن مفهوم الأمن بالنسبة لهذه الأمة لا يتبعض ؛ لأن مقره القلب ، والأمن الذي يتحقق بعد الإيمان الخالص والقيام بشروطه هو الأمن التام في الدنيا والآخرة .
العنصر الثاني : الأمن الداخلي ، إذا تتبّعنا مفهوم الأمن نصل إلى حقيقة مفادها أنه مستقرّ في القلب ، ومدار مادة الأمن في اللسان العربي على سكينة يطمئن إليها القلب بعد اضطراب ، وأعيدُ هنا ما ذكرتُه في البداية قول الراغب الأصفهاني ، فإنه يكاد يكون جامعًا لما في غيره مع تدقيق ، يقول رحمه الله : أصل الأمن طمأنينة النّفس وزوال الخوف ، وآمِن إنما يقال على وجهين ، أحدهما متعدٍّ بنفسه ، يقال : آمَنْتُه : أي جعلت له الأمن ، ومنه قيل لله:مؤمن ، والثاني غير متعدٍّ ، ومعناه : صار ذا أمن ، والإيمان هو التصديق الذي معه أمن .
كأن الإمام الراغب رحمه الله لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن ، أي سكينة واطمئنان ، أي : استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ، ولا قلقَ ولا حيرة ؛ لأنه مطمئن إلى ربه ، { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } [الرعد : 28] ، { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } [الفتح : 4] .
فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادّة ، سواء في صورة أمن ، أو آمن ، المتعدي واللازم ، والمدار على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب ، وتأتي بعد قدر من الخوف ، وهذا الخوف عُبِّر عنه بالخوف نفسه ، وعُبِّر عنه بالبأس ، وعُبِّر عنه بالفزع ، { وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ } [النمل : 89] ، وعُبِّر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ ، ولكن مؤداها جميعا هي أنها تُحدِث لدى الإنسان ضربًا من الخوف ، فإذا جاء الأمن أزال ذلك الخوف .
هذا الأصل ، وهذا المدار الذي تدور عليه المادّة يجعلنا نتّجه إلى أن المعني الذي للأمن هو حالة قلبية تجعل المتصف بها في الدنيا يرتاح ويطمئن ، والموصوف بها في الآخرة يسعد ، وتحصل له السعادة الأبدية .
هذه الحال هي نعمة من الله عز وجل ، وإذا ربطنا الكلام ببعضه ، فإننا نجد من أسماء الله الحسنى المؤمن ، وقد فهم الراغب كما مرّ في نصه السابق أن معنى اسم الله المؤمن : الذي يمنح الأمن ويُعطيه ، فهذه الحال التي هي نعمة من الله هو الذي يعطيها ، { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) } [قريش :1-4] .
ومعنى { آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } : أي أعطاهم الأمن ، وللمكان طبيعته الخاصة وسرُّه الخاص ، وقد وصف القرآن ذلك المكان في مواطن متعددة بأنه آمن : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا } [البقرة : 126] ، { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا } [العنكبوت : 67] ، ذلك سر جعله الله في ذلك المكان تفضلًا منه سبحانه وتعالى .
وإنا لنرى ذلك حتى الساعة ؛ إذ كيف نفسر – على سبيل المثال – اكتساح موجة الاستعمار الغربي على جميع ديار الإسلام في القرون الماضية تقريبًا ، ولكن لم يحدث هذا الأمر بالنسبة للبلد الحرام ، لا لأن تلك المنطقة كانت قوية فعثر على المستعمر أن يحتلها ، ولكنه أمن من الله عز وجل ، فجعله آمنًا ، { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا } [آل عمران : 97] .
هذا شيء نراه عبر التاريخ ، وهذه الملحوظة بالتحديد تلفت النظر بقوة ، فالجزيرة العربية احتُلّت من أطرافها ، وشواطئها الشرقية ، وبعض شواطئها الجنوبية وجزء من غربها وشمالها ، وبقي وسطُها ، والأمر كذلك بالنسبة للفرس والروم زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وقبله ، فالمكان له وضعيتُه وله حال خاصة ، هبةٌ من الله لا تزال مستمرة .
ولكن بالنسبة للإنسان حصول تلك الحال في نفسه مرتبط بأسباب وشروط ، وهو ما سوف نتحدث عنها فيما يلي إن أسعفنا الوقت .
فأسباب وجود الأمن وشروط استمراره :
أولا : الإيمان وأداء الأمانة ، فالسبب الأول لوجود الأمن في هذه الأمة – مع أنه سبب إلا أنه شرط في نفس الوقت – هو الإيمان ، والأمر في غاية الوضوح ، هناك علاقة بين الإيمان والأمانة والأمن ، وهذه الألفاظ الثلاثة تنتمي لنفس المادة ، والأصل الذي يتفرع منه كل شيء هو الإيمان ، والإيمان يعطي الأمانة ، ويعطي أداء الأمانة ، ولا إيمان لمن لا أمانة له ، والله أمر بأداء الأمانات ، وحرّم خيانة الأمانات : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنفال : 27] .
وكل المسؤوليات أمانات ، فما نسميه اليوم بالمسؤولية هو أمانة ، وهناك الأمانة العظمى التي أشارت إليها الآية الكريمة بالنسبة لآدم وبنيه أي الإنسان : { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } [الأحزاب : 72] . هذه أمانة الاستخلاف العامة .
فالأمانة العامة هكذا على إطلاقها هي أمانة الاستخلاف في الأرض ، فبنو آدم غيرُهم مُسَخَّرٌ لهم ، وكل ما سواهم يخدمهم ، وهم عليهم أن يخدموا الله عز وجل ، وأن يعبدوا الله جل جلاله .
هذه الأمانة أمانة الاستخلاف تليها أمانة أخرى أعظم منها ، وهي أمانة الشهادة على الناس بالنسبة لهذه الأمة خاصة ؛ لأن الأمم السابقة ما حُمِّلَت تبليغ فيه فرضًا ، نعم كان نفلًا ، وكان مطلوبًا من المسلمين قبل مجيء الرسول الخاتم ؛ لأن جميع مَن مضى مِن المؤمنين كانوا مسلمين أنبياء وغير أنبياء ، لكن لم يكونوا مكلَّفين فرضًا بالتبليغ إلا في هذه الأمة ، وقد انتهى إرسال الرسل ، وقد انتهت النبوات ، وصارت الأمة مكلَّفة بما كان مكلفًا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك جعلها الله في مستوى معين ، { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة : 143] .
هذه الأمانة إلى جانب الأمانة الأخرى أمانة الاستخلاف كلها إنما تُؤَدَّى على حقيقتها بالإيمان ، إذا وُجِد الإيمان أُدِّيَت ، وإذا لم يوجد لا تؤدَّى هذه الأمانات .
وهذه الأمانة على عمومها تحتها أمانات كثيرة ، فالصلاة أمانة ، والزكاة أمانة ، وتربية الأولاد أمانة ، كل تكليف من تكاليف الشرع أمانة من الأمانات ، والله يأمر بأداء الأمانات بصفة عامة ، وكلها مسئوليات يجب أن تؤدَّى ، إنما تؤدَّى على وجهها الصحيح بسبب الإيمان ، فالهدف من الإيمان أن تؤدى الأمانات على أحسن وجه ، وفي الحديث : « لا إيمان لمن لا أمانة له » .
وعندما يوجد الإيمان وتؤدى الأمانة يأتي الأمر الثاني بصورة طبيعية ، وهو حال يجد المؤمنون أنفسهم فيها ، قلبًا وقالبًا ، قلبًا من حيث يشعرون به هم من طمأنينة وسكينة وراحة بال ، ويشعرون بالراحة الكاملة نتيجة الإيمان ، ونتيجة أداء الأمانة ، أو بالتعبير الآخر نتيجة الإيمان والعمل الصالح .
ومن حيث القالَب يجدون ما يسمَّى بالسلم ، وهو نوع من الأمن ، إذن عندما يوجد الإيمان والأمانة ، أو الإيمان والعمل الصالح يوجد الأمن ، فالأمن محله القلب أساسًا ، والصورة التي ينتجها ما في القلب من الخارج هي السلام ، فالأمن إذن نتيجة وليست فعلا يمكن أن نفعله ، إنما هو نتيجة طبيعية ، ونعمة من الله سبحانه وتعالى يتفضل بها علينا إذا آمنّا ، وهو الشرط الأول .
الشرط الثاني : العمل الصالح ، وهو سبب أيضًا ، فإذا عملنا الصالحات ، وهو الشرط الثاني ، وذلك ما نص عليه الوعد السماوي : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } [النور : 55] .
فيأتي الأمن نتيجة ما سبق ، ويأتي نتيجة أسباب معينة ، ويأتي نتيجة حصول شروط معينة ، على رأس هذه الشروط الإيمان الصحيح ، والعمل الصالح ، فإذا وُجِد هذا بالنسبة للفرد وبالنسبة للجماعة ، جاءت هذه النتيجة ، وإلا اختفت .
ولا بأس من الإشارة في هذا المقام إلى سبب آخر من أسباب الاستمرار تشير إليه الآية الأخرى في سورة النحل ، يقول الله عز وجل : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) } [النحل : 112] .
أقول : لا بأس من الإشارة في هذا المقام إلى سبب آخر من أسباب ديمومة الأمن واستمراره ، تشير إليه الآية الأخرى في سورة النحل ، يقول الله سبحانه وتعالى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [النحل : 112] .
حين اختفى الإيمان ، واختفى العمل الصالح ، واختفى الشكر ، وحل محله شيء آخر سمّاه القرآن { كفرت بأنعم الله } ، فكفران النعمة يسلب نعمة الأمن ، فالله عز وجل يعطي الأمن ، لكن عندما لا يقع الشكر على هذه النعمة فإنها تنقطع .
فالأمن يأتي بشروط محددة تفضلًا من الله سبحانه وتعالى على كل حال ، ويأتي بالإيمان وبالعمل الصالح ، ولكن هل يستمر أو لا يستمر ؟
الجواب عن ذلك هو أن الأمن يستمر بشكر النعمة ، وينقطع بكفران النعمة ، وهنا نأتي إلى النظرة الأخرى التي هي في موانع الأمن ، فما الذي يمنع الأمن أن يكون في القلوب؟ وما الذي يمنع الأمن أن يكون حالة عامة في البلاد والعباد وفي الأمة عامة ؟
في الحقيقة يمكن أن نتلمس ثلاثة موانع للأمن ، ففي آية سورة الحجرات عندما يقول عز وجل : { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } [الحجرات : 7] ، فهذه الأنواع الثلاثة : الكفر ، والفسوق ، والعصيان ، كلها كفران لأنعم الله على رتب متفاوتة .
الرتبة الأولى والخطيرة هي رتبة الكفر الصُّراح ، وتأتي بعدها رتبة ثانية خطيرة أيضًا لكنها دون الأولى ، وهي الخرق المستمر للطاعة ، ورفض الامتثال مطلقًا ، ليس إنكارًا لله ، فهناك إيمان واعتراف بوجوده ، ولكن صاحب هذا النوع يرفض طاعته نهائيًّا ، ولو تأملنا حال كفر إبليس ، وإلى أي نوع من أنواع الكفر ينتمي يتبيّن أنه من هذا النوع ، قال ، يقول الله سبحانه وتعالى : { كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [الكهف : 50] ، أي رفض أن يطيع .
لكن معصية آدم عليه السلام قبل أن يتوب الله عليه كانت من نوع آخر ، قال عز وجل : { وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) } [طه : 121 ، 122] ، فمعصيته نتيجة خطأ ، ونتيجة ذلل ، وكانت معصية عارضة فقط ، ليس معها إصرار على رفض الطاعة مطلقًا ، بينما معصية إبليس معها رفض لأصل الطاعة مطلقًا ، فهي فسق ، والفسوق درجة عليا في المعصية ، ولم يكن إبليس ينكر وجود الله ، بل على العكس كان يعتبره ربَّه ويدعوه ، ويرجوه أن يُنظره إلى يوم البعث ، ولكنه رفض مبدأ الطاعة ، وطعن في نفس الأمر ، وأنه ليست فيه حكمة ، { قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } [الأعراف : 12] .
الأمر الآخر : معيّات الأمن ، إنه حين يوجد الأمن توجد أشياء أخرى كثيرة معه ، ترافقه خيرات وبركات ، ونجد آيات تتحدث عن هذا المعنى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } [النحل : 112] ، وقوله عز وجل : { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) } [القصص : 57] .
فمع وجود الأمن في قلوب الأفراد وفي المجتمع تأتي الخيرات ، يقع ازدهار اقتصادي ، تكون حركة نشيطة في التجارة ، واليوم نرى على سبيل المثال أن الأماكن والمناطق التي يضطرب فيها الأمن يفر المستثمرون الكبار بأموالهم منها ، ولا يستثمرون فيها ، بينما إذا حدث العكس فإنهم يطمئنّون على أموالهم ويتحركون بأمان .
فهذا الازدهار الاقتصادي والراحة النفسية التي تكون للناس تجعلهم يمارسون حياتهم باطمئنان كامل ، آمنين على أموالهم وعلى أعراضهم وعلى أنفسهم ، ويقع السلم الاجتماعي العام .
إذن هذه النعمة التي اسمها الأمن نعمة مشروط وجودها بوجود الإيمان ، وبوجود العمل الصالح ، وترتفع تلقائيًّا إذا وجد العكس في القلب ، وحينما نقول : في القلب ، فهو تلقائيًّا يمتد إلى باقي الجوارح وإلى جميع الجسد ، على القاعدة المشهورة التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم : « ألا إن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » .
وما حدث في زماننا هذا عن الحديث عن أنواع كثيرة من الأمن جعله الله عز وجل حالة واحدة إما أن تكون ، وإما أن يكون عكسها وهو الخوف ، وهو الفزع ، وهو القلق ، والاضطراب ، والحيرة ، والبأس ، وغيرها مما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه .
فيمكن إذن أن نخلص إلى أمر هام مهم ، وهو أن هذه النعمة العظيمة التي هي الأمن إذا أردنا أن نَنْعَم بها حقيقةً فإن علينا أن نتوب توبة نصوحًا أفرادًا وجماعات ، في مختلف أقطار الأمة ، أن نعود إلى القرآن ، وأن نتوب إلى الله عز وجل ، ونشتغل بما كان يشتغل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن نمارس حياتنا في إطار شرع الله عز وجل ، إذا كان ذلك كذلك جاءت العزة بالاستخلاف في الأرض ، وجاء ما يعقبها من التمكين في الأرض ، وجاءت النعمة الكبيرة الأخيرة ثالثة ، وهي التي تبديل الخوف القائم الآن في بعض أنحاء الأمة الإسلامية ، تبديل ذلك أمنًا .
أكتفي بهذا القدر ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
———————————————–
معالي الشيخ الدكتور توفيق بن عبدالعزيز السديري
نائب وزير الشؤون الإسلامية

موقع السكينة


خدمات المحتوى
    زيارات 678


معالي الشيخ الدكتور توفيق بن عبدالعزيز السديري
تقييم
1.00/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري