في
الإثنين 10 جمادى الثاني 1439 / 26 فبراير 2018

جديد الأخبار والمقالات

22-رمضان-1431 11:50 AM

الشيخ محمد بن عثيمين ـ رحمه الله ـ


السؤال :
ما هو ردكم على من يقول: أكثر الشر في بلد التوحيد مصدره الحكومة، وأن الولاة ليسوا بأئمة سلفيين ؟

الجواب :
ردنا على هؤلاء هو : أنهم كالذين قالوا للنبي  أنه مجنون وشاعر، وكما يقال : لا يضر السحاب نبح الكلاب ، لا يوجد – والحمد لله – مثل بلادنا اليوم في التوحيد وتحكيم الشريعة، وهي لا تخلو من الشر كسائر بلاد العالم، بل حتى المدينة النبوية في عهد النبي  وجد من بعض الناس شر . لقد حصلت السرقة وحصل الزنا .
وقال رحمه الله -: ومن حقوق الرعاة على رعيتهم : أن يناصحوهم ويرشدوهم ، وأن لا يجعلوا من خطأهم إذا أخطأوا سلماً للقدح فيهم ، ونشر عيوبهم بين الناس ، فإن ذلك يوجب التنفير منهم ، وكراهيتهم ، وكراهية ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقاً ويوجب عدم السمع والطاعة لهم .
وإن من الواجب على كل ناصح ، وخصوصاً من ينصح ولاة الأمر أن يستعمل معهم الحكمة في نصيحته ، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة .
وقال رحمه الله : ولقد أبتلي بعض الناس بغية صنفين من الأمة وهما: ولاة الأمور فيها من العلماء والحكام، حيث كانوا يسلطون ألسنتهم في الجالس على العلماء وعلى الدعاة وعلى الأمراء وعلى الحكام الذين فوق الأمراء وأن غيبة مثل هؤلاء أشد إثماً،

وأقبح عاقبة، وأعظم أثراً لتفريق الأمة.. أيها الأخوة إن غيبة ولاة الأمور من أمراء أو علماء ليست غيبة لهؤلاء بأشخاصهم ، ولكنها غيبة وتدمير لما يحملونه من المسئولية ، فإن الناس إذا اغتابوا العلماء قل قدر العلماء في أعين الناس، وبالتالي يقل ميزان ما يقولونه من شريعة الله وحينئذ يقل العمل بالشريعة، بناء على هذه الغيبة .
فيكون في ذلك إضعاف لدين الله تعالى في نفوس العامة، وأن الذين يغتابون ولاة الأمور من الأمراء والحكام، إنهم ليسيئون إلى المجتمع كله . لا يسيئون إلى الحكام فحسب، ولكنهم يسيئون إلى كل المجتمع ، إلى الإخلال بأمنه ، واتزانه وانتظامه ، ذلك لأن ولاة الأمور من الأمراء والحكام إذا انتهك الناس أعراضهم قل قدرهم في نفوس العامة وتمردوا عليهم، فلم ينصاعوا لأوامرهم ولم ينتهوا عما نهوا عنه، وحينئذ تحل الفوضى في المجتمع، ويصير كل واحد من الناس أميراً على نفسه وحينئذ تفسد الأمور، ويصبح الناس فوضى لا سراة لهم، وإن الغيبة من كبائر الذنوب، ليست بالأمر الهين .


السؤال : فضيلة الشيخ ! هناك من يحاول أن يشكك في أمر البيعة لولاة أمرنا بأمور منها : أن البيعة لا تكون إلا للإمام الأعظم ، أو بقوله : أنا لم أبايع ، أو بقوله : أن البيعة فقط للملِك وليس لإخوته، فما قولك ؟


الجواب :
لا شك أن هذا خاطئ ، وإذا مات فإنه يموت ميتة جاهلية ، لأنه سيموت وليس في رقبته بيعة لأحد، والقواعد العامة في الشريعة الإسلامية أن الله يقول :
 ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ   فإذا لم يوجد خليفةٌ للمسلمين عمومًا فمن كان ولي أمر في منطقة فهو ولي أمرها ، وإلا لو قلنا بهذا الرأي الضال ، لكان الناس الآن ليس لهم خليفة ، ولكان كل الناس يموتون ميتة جاهلية ، ومن يقول بهذا ؟
الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة ، تعلمون أن عبد الله بن الزبير في مكة ، وبنو أمية في الشام ، وكذلك في اليمن أناس ، وفي مصر أناس ، وما زال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هو فيه ويبايعونه ويدعونه بأمير المؤمنين ، ولا أحد ينكر ذلك، فهذا شاق لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة ، ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم والرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول :  اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبدٌ حبشي هذه واحدة .
الثانية : يقول : إنه لم يبايع ، وهذه في الحقيقة دعوة جاهل من أجهل عباد الله ، الصحابة - رضي الله عنهم - لما بايعوا أبا بكر ، هل كل عجوز وكل شيخ وكل يافع جاء وبايع ، أم بايعه أهل الحل والعقد ؟
بايعه أهل الحل والعقد، هل ذهب الناس يبايعون صغارهم وكبارهم وذكورهم وإناثهم ؟ فإذا بايع أهل الحل والعقد لأمير على البلاد فقد تمت البيعة ، وصار أميرًا تجب طاعته .
والثالث : أنهم ما بايعوا للملِك ، ما الذي أدراهم أنهم ما بايعوا للملك ، الناس بايعوا للملك ، أنا حضرتُ البيعة لخالد - رحمة الله عليه - ، وللملك فهد
- حفظه الله - صحيح ما جاء كل صغير وكبير يبايعونه ، إنما بايع أهل الحل والعقد فقط .
ثم إنه إذا بويع الإنسان بالإمرة على بلد من البلاد ، ثم جعل له ولي عهد ، فهو ولي عهدٍ مِن بعدِه ، إذا انتهت ولاية الأول صار هذا الثاني ولي أمر بدون مبايعة ، ولا يصلح الناس إلا هذا .
لو قلنا : إن ولي العهد ليس له ولاية عهد حتى يبايَع من جديد ، صار فوضى ، لكن مثل هذه الآراء يلقيها الشيطان في قلوب بعض الناس من أجل أن يفرق جماعة المسلمين ، ويحصل التحريش الذي بيَّنه الرسول - عليه الصلاة والسلام - في قاله :  إن الشيطان قد أَيِسَ أن يُعْبَد في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم  فبلِّغ نصيحتي إياه : أن يتقي الله - عز وجل - وأن يعتقد أنه الآن في ظل أميرٍ ذي ولاية عليه ، لا يموت بعد ذلك وهو يموت ميتة جاهلية .

السؤال : هل أوامر ولاة الأمر كلها للوجوب أم أن منها ما هو للوجوب ومنها ما هو للاستحباب ، وكيف يمكن معرفة ذلك أثابكم الله تعالى ؟
الجواب :
الاوامر لولاة الأمر تنقسم على أقسام :
القسم الأول : ما لا يجوز طاعته وذلك إذا أمر بمعصية الله ، مثل أن يأمر بحلق اللحية أو أن يأمر بأشياء منكرة ، فهذا لا يجوز طاعته فيه ، لأن الله تعالى قال :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ  (النساء : 59) ، فعطف طاعة أولي الأمر على طاعة

الله ورسوله بدون إعادة العامل مما يدل على أن طاعة أولي الأمر على سبيل التبع ، ولأن النبي  قال :  إنما الطاعة بالمعروف  - أي فيما ليس بمنكر ـ ولأن النبي  بعث رجلاً على سرية ، وأمرهم بطاعته ، وفي يوم من الايام أغضبوه ، فأمرهم أن يجمعوا خطباً ، ثم أمرهم أن يشعلوا فيه النار فأشعلوا فيه النار ، ثم أمرهم أن يلقوا انفسهم فيها ، فتوقفوا ، وقالوا : إننا لم نتبع الرسول  إلا خوفاً من النار ، وأبوا أن يدخلوا النار ، فلما رجعوا للنبي  وأخبروه ، قال :  إنهم لو دخلوها ما خروا منها ، إنما الطاعة في المعروف  ، هذا واحد .
القسم الثاني : أن يأمر بما أمر به الله ورسوله ،أن يأمر ولي الأمر بما أمر الله به ورسوله من العبادات ، فهذا تجب فيه طاعته ، مثل أن يأمر بصلاة الجماعة ويتفقد الناس عليها ، فطاعته هنا واجبة من وجهين :
الوجه الأول : أنها واجبة في اشرع بدون أمر ولي الأمر .
الوجه الثاني : تزداد تأكيداً إذا أمر بها ولي الأمر .
القسم الثالث: أن يأمر بعبادة غير واجبة ولكنها مشروعة ، مثل أن يأمر الناس بالصيام ، يقول : أيها الناس صوموا غداً ، فإننا سوف نجر إلى الاستسقاء ، نستسقي ، ودعاء الصائم مستجاب فصوموا غداً ، فهذا لا تلزم طاعته ، لأن هذه عبادة بين العبد وبين ربه . فلا تلزم طاعته .
القسم الرابع : أن يأمر بما فيه حفظ الأمن وصلاح المجتمع ، فهذا تجب طاعته فيه ، وإن لم يأمر به الله ورسوله ما لم يكن في معصية ، كالأموامر الآن في النظم التي قرر وهي

لا تخالف الشرع ، فإن طاعة ولي الأمر فيها واجب ومن عصى وخالف ، فهو آثم ، هذا ما يحضرني الآن من أقسام طاعة ولاة الأمور .
ولكن هناك مسألة ، وهي أن بعض الناس لغيرته على دين الله عز وجل ، إذا رأى بعض المنكرات المتفشية في الناس مما يوجد في الصحف مما يسمع في بعض الإذاعات أو يشاهد عن طريق الدشوش مثلاً ، فيغار ، ويرى أن الحكومة مقصرة في هذا لاشيء ، ثم يذهب يشيع مساوئ الحكومة بين الناس ويوغر الصدور عليها ؛ ويلزم من عمله هذا أن يكره الناس ولاة أمورهم ، والحقيقة أن هذه جادة خاطئة جداً ، ومخالفة للشرع وخطيرة على المجتمع وسببٌ للفتن ، ولو أنه سعى في إصلاح المجتمع نفسه ، لكان خيراً له ، فعليه ـ فمثلاً ـ تجاه مايبث في الإعلام ، من مقروء ومسموع ومنظور ، بأن يحذر الناس منه ، يقول : أحذروا ـ مثلاً ـ من هذه المجلات ، احذروا من مشاهدة الأشياء الضارة في الدين والدنيا ، احذروا من كذا ومن كذا ، احذروا من الربا مثلاً ، والمجتمع إذا صلح ، فإن ولاة الأمر جزء من المجتمع لا بد أن يصلح ، إما اختيراً وإما اضطراراً لابد أن يصلح ، وأما أن يصب جام غيرته على ولاة الأمر من أجل أن يوغر صدور الناس عليهم ، فيحصل بذلك الشر والفساد ؛ فهذه لاشك أنه خلاف الصواب ، وحيدة عن الجادة السليمة ، ولا يخفى عليكم جميعاً ما حصل من الفتن العظيمة من زمن علي ـ رضي الله عنه ـ ، بل من زمن عثمان ـ رضي الله عنه ـ فيما حصل من الشر والفساد واستحلال النفوس والأموال ، بسبب هذا ، لأن مستعظم النار من مستصغر الشرر ، فلذلك نحن نرى أن مثل هذا المسلك ، مسلك خاطئ ومحرم ولا يجوز ، إذا كانت للإنسان غيرة حقيقة ، فليوجه الشعب إلى الخير ، والعجب أن بعض الناس تجده يصب جام غيرته على ولاة أموره ، وهو يجد من في شعبهمن يشرك بالله ـ عز وجل ـ ، ولا يتكلم ، والشرك أعظم مما حصل من المعاصي من ولاة الأمر ، أو أن يذهب فيحاول أن ينزل
الآيات على ما يهواه هو من المعاني ، فيقول مثلاً :  وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ   (المائدة: 44) . ثم يقول : كل نظام أو كل قانون يخالف الشرع فهو كفر ، وهذا أيضاً من الخطأ ، وإذا فرضنا على التقدير البعيد أو ولي الأمر كافر ، فهل يعني ذلك أن نغور الناس عليه ؟ حتى يحصل التمرد والفوضى والقتال!! لاشك أنه خطأ ، المصلحة التي تحصل غير مرجوة في هذا الطريق ، المصلحة التي يريدها هذا ، لا يمكن أن تحصل بهذا الطريق ، بل يحصل في ذلك مفاسد عظيمة ؛ لأنه مثلاً إذا قام طائفة من الناس على ولي الأمر في البلاد ، وعند الأمر من القوة والسلطة ما ليس عند هذا ، ما الذي يكون ؟ هل تغلب هذه الفئة القليل ؟ لا تغلب !! بل بالعكس يحصل الشر والفوضى والفساد ولا تستقيم الأمور ، والإنسان يجب عليه أن ينظر أولاً بعين الشرع ، ولا ينظر أيضاً إلى الشرع بعين عوراء ، ينظر إلى النصوص من جهة دون الجهة الأخرى ، بل يجب أن يجمع بين النصوص.
ثانياً : ينظر أيضاً بعين العقل والحكمة ، ما الذي يترتب على هذا الشيء ؟ لذلك نحن نرى أن مثل هذا المسلك ، مسلكٌ خاطئ جداًً وخطير ، ولا يجوز للإنسان أن يؤيد من سلكه ، بل يرفض هذا رفضاً باتاً ، ونحن لا نتكلم على حكومة بعينها ، ولكن نتكلم على سبيل العموم .
أما فيما يتعلق بهذه الحكومة ـ ولله الحمد ـ ، فالبلاد كما تعلمون ، بلاد تحكم بالشريعة الإسلامية ، والقضاة لا يحكمون إلا بالشريعة الإسلامية ، والصيام قائم ، والحج قائم ، والدروس في المساجد قائمة ، إلا من حصل منه مخالفة أو خشي منه فتنه ، فهذا لابد أن يمنع حتى لا يؤدي إلى شر أو وقوع أسباب الشر ، ثم إذا نظرنا ـ ولله الحمد ـ إلى بلادنا ، وإذا هو ليس به بناء على القبور ولا طواف بالقبور ولا بدع صوفية أو غيرها ظاهرة ، قد يكون عند بعض الناس صوفية أو ما أشبه ذلك خفية ، وكل مجتمع لابد أن يكون فيه شيء من الفساد ، إذا نظرنا إلى هذا وقارنا ـ والحمد لله ـ بين هذه المملكة وبالبلاد الأخرى القريبة منا ، لوجدنا فرقناً عظيماً ، يوجد في البلاد القريبة منا جرار الخمر علناً في الأسواق تباع ، والمطاعم تفتح في نهار رمضان ، يأكل الإنسان ويشرب مما يريد ، بل يوجد البغايا علناً ، حتى حدثني بعض الناس أن الذين يأتون إلى بعض البلاد للسياحة عندما ينزل من المطار ، يجد عندهم فتيات ، وفتيان ـ والعياذ بالله ـ ، يقولون : ماذا تختار ، أفتى أم فتاة ؟ علناً سبحان الله !!! . الإنسان يجب أن ينظر إلى واقع حكومته وواقع بلاده ، ولا يذهب ينشر المساوئ التي قد يكون فيها الحاكم معذوراً ، لسبب أو لغيره، ثم يعمى عن المصالح والمنافع عماية تامة ، ولا كأن الحكومة عندها شيء مثلاً من الخير إطلاقاً ، هذا ليس من العدل يقول الله عزل وجل :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ   (المائدة : 8) . فإذا قال قائل : ما الذي يجعل هذا واقعاً ؟ نقول :
أولاً : الغيرة التي لا حدود لها لا تفيد بشرع ولا تعقل ، وهذا يعود إلى الجهل.
ثانيا : الهوى ، فهذا سببه أمران :
إما الجهل بالشرع أو بالحكمة ، وإما الهوى ، فالإنسان يعرف أن هذا غلط ، ولكن لشيء في نفسه على ولاة الأمور يريد أن ينفس عن نفسه بنشر مثل هذه الأشياء التي توجب أن ينفر الناس من ولاة أمورهم ، وأن يوغر صدورهم عليهم .


خدمات المحتوى
    زيارات 2109


الشيخ محمد بن عثيمين ـ رحمه الله ـ
تقييم
1.33/10 (8 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري