في
الثلاثاء 28 ذو الحجة 1438 / 19 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

11-جمادى الأول-1431 03:55 PM

القضايا التي تطرحها مراجعات الجهاديين أهم بكثير من المحتوى الذي قدمته، الأمر الذي يدعونا بدورنا إلى مراجعة الكثير من مواقفنا وحساباتنا.



(1)



في منتصف الخمسينات حين كان الشيخ محمد أبو زهرة يلقي علينا محاضراته في الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق، سألنا ذات مرة عن الفرق بين المسلم الكيِّس الفَطِن، والمسلم كيس القطن. ولم ينتظر منا إجابة لأنه أجاب قائلاً إن الفرق بين الاثنين هو ذاته الفرق بين المسلم الذكي والمسلم الغبي. وقد تطرق إلى الموضوع حين استطرد ذات مرة ليشرح لنا مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال إن المسلم “الغشيم” هو الذي يندفع إلى محاولة التغيير باليد لشيء لا يقدر عليه، أو ينهى الناس عن أمر فيتحولون الى ما أسوأ منه. وروى لنا في هذه المناسبة قصة ابن تيمية في الشام، حين مر على قوم من التتار كانوا قد شربوا حتى سكروا، فقال له أحد أصحابه لماذا لا تنههم عن شرب الخمر، فرد عليه قائلاً: دعهم كما هم، لأنهم إذا أفاقوا عاثوا في الأرض فساداً. وخلص من القصة إلى أن ابن تيمية استخدم عقله في تعامله مع الواقعة، حين وازن بين المصلحة والمفسدة، وبين الضرر الأدنى والضرر الأكبر، وعلم من حوله أن المسلم الكيّس والرشيد هو من يملك عقلاً يمكنه من حسن التعامل مع الواقع من خلال ضبط الموازنات وتحديد الأولويات، ومراعاة المقاصد والمصالح في نهاية المطاف. أما الذي يحفظ النصوص ويتعامى عن الواقع فهو المسلم الغبي، الذي لا يختلف في شيء عن كيس القطن.



هذا الكلام قرأته في كتابات آخرين من الأساتذة والشيوخ من امثال عبد الوهاب الخلاف وسلام مدكور ومحمد مصطفى شلبي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي، الذي كان أكثر من فصل في الموضوع وأصل لفقه الأولويات والموازنات. وحين كنت أقلب في كتب الأقدمين كنت أجده مبثوثاً في جنباتها بصياغات مختلفة، خصوصاً في مؤلفات ابن القيم وابن تيمية وأبي حامد الغزالي والإمام الجويني وآخرين.



ولازلت احتفظ بكتاب صغير كنت قد قرأته في أوائل الخمسينات (اشتريته بخمسة عشر قرشا) حول حق مقاومة الحكومات الجائرة في المسيحية والإسلام، لمؤلفه الدكتور محمد طه بدوي، الذي كان حينذاك أستاذاً مساعداً بكلية التجارة في جامعة فاروق الأول (الإسكندرية لاحقاً) وتحدث عن موقف فقهاء المسلمين من أنظمة الحكم وانحياز أغلبهم إلى موقف درء الفتنة، اهتداء بمبدأ ترجيح المصلحة على المفسدة.



هذه الخلفية استعنت بها فيما كتبته لاحقا (قبل ربع قرن) عن فقه التغيير والإنكار وهي المقالة التي أصبحت فصلاً في كتاب صدر لي في عام 1986 تحت عنوان “التدين المنقوص”.



(2)



ما دعاني إلى استحضار ذلك التاريخ أنني حين اطلعت على “وثيقة ترشيد العمل الجهادي” التي شغلت الرأي العام خلال الأسابيع الأخيرة، وكتبها منظر الحركة الدكتور سيد إمام الشريف، الذي اشتهر بأسماء أخرى، وجدت أن الكلام المنشور ليس جديداً عليّ، وانتبهت إلى أن ما اعتبرته وسائل الإعلام فتوحات فكرية هو جزء من المعارف التي حصلها أمثالي من الشباب الذين انشغلوا بالشأن الإسلامي منذ نصف قرن على الأقل. بل كان جزءا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية التقليدية لدى أهل السنة والجماعة.



لم أفاجأ مثلاً بالتنويه الى أن التكليف منوط بالعقل والعلم والقدرة، لا بالنهي عن استخدام العنف في مواجهة الحكام ببلاد المسلمين، أو بالنهي عن قتل المدنيين المسلمين أو التعرض بالأذى للأجانب السائحين. ولم أجد إضافة إلى معلوماتي في شأن تكفير المسلمين أو ضوابط وأسس التعامل مع غير المسلمين، التي ألفت فيها قبل عشرين عاماً كتابي “مواطنون لا ذميون”. وهذه كلها عناوين أساسية في الوثيقة، تخلى فيها كاتبها عن الأفكار التي تبنتها مجموعات الجهاد الإسلامي في مشروعها. وحين قلت إنها لم تضف إلى معلوماتي شيئاً فإنني لا أتحدث عن أمر يخصني وحدي، وإنما قصدت أنها لا تضيف شيئاً إلى معارف الباحثين المسلمين العاديين، ممن نهلوا من منابع ومراجع مدرسة الوسطية الإسلامية التي ينتمي إليها غالبية أهل السنة والجماعة.



ولا أريد أن أقلل من شأن الوثيقة، لأنها تمثل انقلاباً في أساسيات مشروع جماعات الجهاد، وانتقالا به من فكر الفرقة إلى فقه الأمة. وهي من هذه الزاوية مهمة للغاية لكافة الفصائل التي انخرطت في المشروع وانطلقت من تعاليمه. ولا تقل في أهميتها عن مراجعات الجماعة الإسلامية التي صدرت قبل عشر سنوات. وكلها تهدر فكرة العنف وترفض التكفير، وتتحرى سبلاً جديدة للتصالح مع المجتمع، تتوافق مع ما اصطلحت عليه الأمة وتعايشت في ظله منذ قرون. إلى جانب ذلك فمن الإنصاف أن نشيد بشجاعة الرجل الذي تبنى هذه المراجعات، ولم يتردد في نقد الأفكار التي سبق أن تبناها، مؤثراً العودة إلى الحق الذي أدركه، بدلاً من المضي في العوج الذي بدأه.



(3)



لماذا كان العوج؟ ولماذا كانت المراجعات؟ شغلتني إجابة السؤالين بأكثر مما شغلني محتوى الوثيقة رغم أهميته. وقد وقعت على إجابة السؤال الأول في ثنايا دراسة مهمة تضمنها كتاب دليل الحركات الإسلامية، الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام في العام الماضي (2006). والدراسة عن منظر حركة الجهاد وصاحب المراجعات التي بين أيدينا الدكتور سيد إمام، ونبهت إلى انطلاقه من فكر المدرسة السلفية التي تركز على مفهوم العقيدة، ويسيطر عليها تمثل نموذج الفرقة الناجية. وهذه المدرسة حين حصرت نفسها في ذلك الإطار فإنها انفصلت عن الواقع وميزت نفسها عنه، ومن ثم فإنها نفرت من المجتمع واشتبكت معه، فجرحت عقيدته وكان التكفير سبيلها إلى ذلك. ولأنها الفرقة الناجية، ولأن المجتمع في نظرها أصبح مرتداً وفاسد العقيدة، والكفر سمة أساسية لكل فئاته ومؤسساته وجماعاته حتى الإسلامية منها فإن مقاتلته وتقويض أركانه غدت رسالة الفرقة الناجية لتطهيره من الضلال الذي وقع فيه.



هذه هي الفكرة الجوهرية التي سيطرت على أهم كتاب للدكتور سيد إمام، الذي خرج في جزأين (ألف صفحة) تحت عنوان “الجامع في طلب العلم الشريف”، تولى فيه تأصيل تكفير المجتمع والخروج على حكامه ومقاتلتهم.



حدثتنا الدراسة عن أزمتين عانى منهما منظر الجهاديين، أولاهما أزمة في الفكر تمثلت في استغراقه في مدرسة السلف، واستسلامه لشعار الفرقة الناجية التي استعلت على كل ما حولها، والثانية أزمة لدى الشخص الذي استقال غاضباً من قيادة تنظيم الجهاد في عام ،1993 فأوغل في تكفير الآخرين وتشدد في ضوابط تطهير المسلم مما يشوب عقيدته، لكي يصبح مؤهلاً للانضمام إلى الفرقة الناجية.



إذا حاولنا أن نجيب عن السؤال لماذا كانت المراجعات، فسنجد أن السبب الرئيسي لذلك أن الرجل رأى بأم عينيه أن مشروعه حقق فشلاً ذريعاً، وأنه كلف الأمة ثمناً باهظاً من دماء وأرواح أبنائها وعرض مجتمعاتها لويلات وأحزان كانت في غنى عنها. وهو ما صدمه وجعله يفتح عينيه على الدائرة الأوسع، متجاوزاً بذلك الفرقة الاستثنائية التي تقوقع في داخلها. وحين خرج من النصوص إلى الواقع، ومن ضيق الفرقة إلى سعة الأمة، فإنه رأى المشهد من زاوية مغايرة تماماً. وكانت النتيجة انه قرأ النصوص التي انطلق منها من منظور مغاير رأى فيه الواقع بمتغيراته والتكاليف بأولوياتها وموازناتها، والمدارس الفكرية بثرائها وتعدد اجتهاداتها، وهو ما أوصله إلى مشارف فقه الأمة، الذي بدأ فيه فقه الفرقة مجرد نقطة في بحر كبير بلا شطآن.



(4)



هذا التحليل يستدعي بقوة سؤالاً لم نطرحه على أنفسنا هو: لماذا استسلم قادة الجماعات الجهادية لتعاليم الفكر السلفي وفكرة الفرقة الناجية طوال تلك السنين، ولم يكتشفوا فقه الأمة إلا متأخراً جداً؟



في تتبعي لمسار قادة التيار الجهادي لاحظت عدة أمور أحسب أنها تساعدنا في الإجابة عن السؤال. منها مثلاً أن هذه المجموعات بدأت تتوالد في أواخر الستينات، في أعتاب الصدام الثاني بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين، الذي ترتب عليه اعتقال أعداد كبيرة منهم، الأمر الذي أخلى الساحة من أي وعاء يمكن أن يستوعب الشباب المتدين، الذي اتسعت دوائره في المناخ الذي أعقب هزيمة 67. وكانت تلك هي الأجواء التي تمدد فيها الفكر السلفي في أنحاء مصر ليملأ الفراغ المخيم على ساحتها، ملبياً أشواق أجيال من الشباب المتدين التي كانت تبحث عمن يأخذ بيدها.



لاحظت أيضاً أن أغلب مؤسسي المجموعات الجهادية والجماعة الإسلامية كانوا من النابهين في الكليات العملية (عدد غير قليل منهم كانوا من صعيد مصر الذي يعد أحد منابع الغلو). فسيد إمام صاحب المراجعات وأيمن الظواهري وناجح إبراهيم تخرجوا في كلية الطب. وعبد السلام فرج كان مهندساً وكذلك صفوت عبدالغني. وأسامة رشدي تخرج في الصيدلة. وشكري مصطفى تخرج في الزراعة. وكرم زهدي درس التعاون الزراعي، وعصام القمري كان ضابطاً وكذلك عبود الزمر.. وهكذا. هؤلاء جميعاً اتصلوا بالعلوم الشرعية إما أثناء دراستهم في الجامعات أو بعد تخرجهم، ولأنه لم يتوفر لهم نصيب من الثقافة الإسلامية الوسطية، التي صاغها فقه الأمة ولأن الفكر السلفي المعني بشؤون العقيدة وسلوك الناس والمتشدد في التعلق بالنصوص، هو الذي توفر لهم في الساحة التي غابت عنها أوعية مدارس الوسطية، فقد كان طبيعياً أن ينجذب أمثالهم من الشباب إلى ذلك الفكر ويوغلوا فيه، إلى الحد الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه.



هذا التحليل إذا صح، فإنه يقودنا إلى خلاصة مهمة تتمثل في أننا حين لم نوفر للشباب سبل تحصيل حد معقول من الثقافة الإسلامية، فإننا دفعناهم دفعاً إلى الارتماء في أحضان الفكر السلفي. كما أنه ينبهنا الى فشل بل خطورة فكرة “تجفيف الينابيع” التي تبنتها بعض الأطراف المشتبكة مع التيار الإسلامي، حيث أثبتت التجربة التي نحن بصددها أن ذلك التجفيف من أهم العوامل التي تشجع على التطرف والإرهاب، في حين أن التدين الرشيد هو الذي يقوي مناعة الشباب ويحصنهم ضدهما.



ثمة خلاصة أخرى يتعين الانتباه إليها، وهي أن هذا الجيل من الشباب العربي الذي كان يحلم بالمجتمع المثالي، واندفع في طريق العنف ليحقق التغيير الذي ينشده، حين يكتشف خطأ الطريق الذي تنكبه، فإننا ينبغي ألا نكتفي بذلك، وإنما يجب أن نوفر له طريقاً بديلاً يعطيه أملاً في إمكانية إحداث التغيير المرجو بالطرق السلمية، لأن تيسير الحلال هو أنجع الأساليب لقطع دابر الحرام.


خدمات المحتوى
    زيارات 2004


المنارة – 11/12/2007
تقييم
1.77/10 (8 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري