في
الثلاثاء 28 ذو الحجة 1438 / 19 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

11-جمادى الأول-1431 02:57 PM

لا مناص من الإقرار بأن هنالك معارضة سياسية داخل ليبيا وخارجها، فلنقر بذلك! لأنه سيكون من الإجحاف إنكارها .. ولنتناول القضية بوازع واحد فقط ، مصلحة الوطن وساكنيه..

المعارضة في ليبيا، قبل الشروع في تناولها تحليلا، هي من طبيعة البشر، في كل مكان وزمان، فهي من طبائع الأمم، ومقتضاها عدم القبول برأي أو سلوك ما، وهي، عند القبول والاعتراف بها، عامل صحي، تنبّه أولي الأمر لما قد يكون معيبا، وتطرح رؤى أخرى، قد يكون فيها صلاح. ولا تثمر المعارضة إلا حين يتم الإقرار بها منذ البدء، ومن خلال ضبط وسائل تعبيرها ومقابلتها بحجج أخرى، والمستفيد الأول سيكون الوطن، وكذلك أولو الأمر والمواطنون. وفي النهاية المعارضة حق طبيعي لا يجب غمطه، وفي سبيل التوصل إلى أرجح الآراء لاتخاذ القرار..



أما في الداخل وصورها

المعارضة تتخذ صوراً شتى، فهي أحيانا الاعتراض على تصرفات وقرارات ومفاهيم وأنماط سلوك وأداء، يعبر عنها المواطن الساكن في وطنه بالقدر المتاح، سواء في جلسات المؤتمرات الشعبية الأساسية، وإن كان الحضور فيها لم يعد بالمستوى المفترض، وربما كان العزوف مرده قناعات تكونت لدى الناس بعدم جدوى القول في الشأن العام، أو في جلسات المرابيع والمسامرة، أو حتى في ردود أفعال أو عدمها في مواجهات الحياة اليومية، إلا أن الحيز أتيح مؤخرا بسعة أكبر عن طريق صحافة الغد وقنواتها الإعلامية، بل وحتى في ندوات تنظم من حين لآخر، تطرح فيها العديد من القضايا، ويتكلم فيها الناس بما لم يكونوا يحلمون بالمجاهرة به.



ما سلف نستطيع توصيفه بالمعارضة السلمية أو حتى السلبية (عندما يكون التعبير بواسطة العزوف عن متابعة الشأن العام أصلا، والانشغال بالأمور الخاصة كيفما كان أو وفقا لمنظور \'نفسي نفسي\')



ولكن ظهرت في ليبيا أيضا صور أخرى للمعارضة المباشرة، التي تستهدف الوضع السياسي القائم، سواء عن طريق تنظيمات سياسية سرية، تعددت مناهجها وبرامجها، أو تنظيمات بتخريج ديني، اتخذ بعضها المقاومة المسلحة، ووصلت إلى درجة المواجهة مع قوات الأمن والتقتيل المتبادل.



أما عن معارضة الخارج

ولعل التعبير الصحيح هو \'المعارضة من الخارج\'، حيث أن من يعارض هناك هم من أهل الداخل أصلا، غادروا الوطن لعدم تمكنهم من العيش فيه بالطريقة التي يرونها صحيحة، أو هروبا من اضطهاد أو ظلم حاق بهم، أو لمجرد الخوف من كل ذلك وفق تقديرهم. وأنا هنا لن أدخل في مجادلة عن صحة رأيهم من عدمها، ولكني لن أستطيع أبدا أن أغمط حق أحد في رأيه، وهذا الموقف نابع من قناعتي بأن أهل المعارضة في الخارج لا يمكن تصنفيهم ضمن أعداء الوطن أو عملاء للآخر، كما أحسب، فوازعهم في معارضتهم، ولدى الأغلبية الساحقة منهم، هو حب الوطن. نختلف معهم ونتفق، في أمر أو أمور، ولكنهم يظلون من طينتنا، فلنا فيهم أقارب وأصهار وأصدقاء وزملاء دراسة وعمل وجيران، ونعرفهم، فبلادنا، وإن كانت كبيرة حجماً ومساحة، إلا أن سكانها ليسوا كذلك، وعندما أتحدث عن جيلي، أكاد أقول بأني أعرف الجميع، ومن لا أعرفه أعرف من قد يعرفه، ومن ثم فإني لن أستطيع أبدا أن أغض الطرف عمّن أعرف، مهما كنت مختلفا معه في الرأي والرؤية.



وبحكم خروج هؤلاء من البلاد وحملهم هموم الوطن، فلا نعجب من أنهم رأوا الانتظام في تشكيلات لممارسة المعارضة، وفقا لما يرونه، واتخذت هذه المعارضة أشكالا شتى هي الأخرى، فمن النشاط الإعلامي إلى التنظيمي والحشدي إلى العنف. وبحكم تواجدهم في الخارج، كانوا ضمن منظار الدول والأنظمة المناهضة لنظام الحكم في ليبيا، لاختلافات ونزاعات سياسية وإيديولوجية دولية أو عربية محضة، وكما هي عادة أجهزة الاستخبارات في العالم، نٌظر لفصائل المعارضة الليبية بالخارج كحليف محتمل، يمكن استغلاله لتحقيق المآرب الآنية، وبعض هذه الفصائل رأت إمكانية الاستفادة من وضع كهذا، ربما استناداً إلى قناعة بأن خصم خصمهم قد يكون صديقهم – وما له أن يكون، في اعتقادي، بل إن هي إلا \'انتهازية\' سياسية من الطرفين- للتحصل على ميزة ما بغض النظر عن وازعها.



بالطبع أستطيع القول بأنه ما كان يجدر بهم ذلك، فالأحرى أن نحل خلافاتنا بأنفسنا، وبنهج سلمي، وأكاد أسمع ردهم بأنهم لم يكن في إمكانهم غير ذلك، وهنا أقول بإننا في داخل الوطن عارضنا ونعارض أي تدخل أجنبي في شؤوننا، واللجوء إلى العنف المسلح – كما حدث بسنة 1984- تضررنا منه داخل الوطن كمواطنين وكوطن، وأدى إلى سيطرة مفهوم المعالجة الأمنية المباشرة لأي وجه من وجوه الاعتراض، بل أذهب إلى القول بأن أقسى ما عانيناه في مجال حرية الرأي والتعبير والمسائلة يرجع السبب فيه لأحداث تلك السنة، وما تلاها من تجاوزات قانونية وقضائية خارجة عن القضاء المعتاد.



كانت تلك الأحداث إيذانا بانتهاء \'المعارضة العاملة على الساحة الخارجية بفاعليات غير سلمية، وتحولت معظم الفصائل إلى المعارضة السياسية السلمية، بمنهاج إعلامي بالدرجة الأولى، ثم في عقد المؤتمرات والندوات وبعض التظاهرات والمواقع على الشبكة الدولية، بل وجنح العديد من فصائل أو شخصيات تلك المعارضة إلى جانب الحوار مع أولي الأمر في البلاد. وكان من حسن حظنا نحن في داخل البلاد أن توافق ذلك مع التوجه المحمود إلى ما صار يعرف اليوم بتيار الإصلاح، والدعوة للحوار والتصالح، وتدارك ما فات البلاد من إسهامات المثقفين المستقلين عن تيار السياسة السائد سابقا، و التي تميزت بالإقصاء لكل من يخالفها في الرأي، أو لمجرد تصنيفه كذلك. وقد ولىّ ذلك العهد. وها نحن وقد سمح لنا بالتعبير وإبداء الرأي، نلج الباب آملين في نجاح هذا التوجه، عسى أن يؤدي إلى إصلاح حال لا رجعة عنه.



وقد صار من المناسب، إن لم يكن من الضروري، أن نتطرق من حين لآخر لأحداث مضت، لعلنا نستخلص منها عبرة، تقينا الوقوع في مزالق نحن لسنا في بابها. ونختتم الفقرة بالإشارة إلى أهم \'نجاح\' حققته مواقع الانترنيت، ألا وهو استطاعتها جذب أعداد هائلة من المتصفحين داخل الوطن، بحثا عن أخبار (احيانا حتى أخبار الوفيات) أو آراء أو تحليلات أو استعراض لتاريخ، بل وحتى على نصوص أدبية وشعرية وفكرية، واستطاعت بتنوعها وتعدد مشاربها القيام بدور صحافة بديلة، بل وحتى دور نشر سياسية وتاريخية مجانية، لها وعليها، فما كان يطلق عليه اسم الصحافة في بلادنا في معظمه لم يكن سوى وريقات دعاية وإعلان، سيئة الإعداد، عتيقة التحرير، بل أذهب إلى القول بأن المواقع الليبية الخارجية، وبحكم تواصل الداخل معها، قراءة ونشرا، غيرت من مفهوم الإعلام السائد، وتوافق ذلك تماما مع توجهات تيار الإصلاح ودعوته لإعلام حر، فكان رفع الحجب عن المواقع الخارجية، وأنشئت مواقع محلية صارت تنافس الخارج مادة وتنوعا، تحليلا ونقدا.. ولعمري تلك خطوة شجاعة وجريئة تستحق الإشادة، ونشير إلى أن فتح الباب على الرأي الآخر لم ينتج عنه شيء يضر الوطن. صحيح أنه قد يضرّ بمن أضر الوطن، عندما خان أمانته، وسلب بعض أمواله، وتجاوز في بعض الصلاحيات التي أنيطت به، إلا أن الأمور تقاس بخواتيمها، والخاتمة نراها خيرا بإذنه تعالي.

ولمن لا يعلم، ليبيا اليوم أصبحت تقريبا الدولة العربية الوحيدة التي تسمح بالدخول لكافة المواقع الخارجية، بدون قيد، ففي بعض بلدان العرب يكاد يكون مستحيلا الولوج لمواقع معارضة خارحية.



عن واعز الحوار وضوابط الرشد

لما صار الأمر كذلك، وصار \'الإصلاح\' حقيقة لا تنكر، وإن تباطأ أحيانا، إلا أنه من الواضح البيّن أن حرية الرأي أخذت تنمو وتترعر، وقبلها سكان الوطن بكل فرح وحبور، ونتج عنها حوار حقيقي لأول مرة منذ سنين، بل وقد استخدم أصحاب التيار السائد السابق المنابر المتاحة للإعراب عن آرائهم ورؤاهم، وأخذوا يتحاورون، وغيروا من منهاجهم الذي كان في معظم الأحوال يقتصر على الإملاء والمونولج الذاتي الذي لا ينتهي. هكذا تطورت قضية الرأي والتعبير، وأخذ الحوار نسقا حضاريا، إلا أن ذلك لم يكن بالعمومية المطلوبة، من حيث مستوى الأداء الخطابي ومفرداته، ومن ذلك نلاحظ:



بعض النواهي و المآخذ بقصد جميع الأطراف



إلى جانب اللياقة والأدب والتحفظ في إطلاق النعوت، هنالك جانب آخر – لدى فئات المتحاورين الافتراضيين- لا يزال يصر على غير ذلك. وقد يستهجن المرء ذلك من حيث أننا، وقد وقفنا على عتبة التحاور الحضاري، فمن الأجدر على جميع الأطراف مراعاة الحدود المتعارف عليها في مجتمعنا، فالقبول بالرأي الآخر لن ينقص من قيمة من يقول، وإن كان اختلاف، فليكن بالمقابلة ومقارعة الحجة بالحجة، والابتداء من حيث الاتفاق على المصطلحات والمفردات والتوصيفات التي لا تؤجج البغض والكراهية.
كل صاحب رأي يجب أن يحمل القناعة بأن رأيه يحتمل الصواب وكذلك الخطأ، وهنا المقصود ليس الرأي فقط بل \'الرؤية\' لأحداث ماضية ولت، وليحاول الجميع الاتفاق، عبر الحوار والتساجل السلمي، على تقييم معين وطرح مبرراته، عوضا عن اللجوء إلى الأسلوب الأسهل، ألا وهو إطلاق الشنيع من الصفات أو الثمين منها جزافا، حقيقة كانت أم مشتبهاً فيها، يجب أن يكون الرشد هو الأساس، والرشد هنا هو العقل، الذي يرى ويتصور ويخرج الطرح، والكلام المستند على \'عقل\' تكون له الحجة الأقوى عند المقابلة، ونسلم هنا بصعوبة ذلك، ولكننا نشير إلى أنه من السهل جدا ترك العقل جانبا واللجوء إلى أسلوب التنابز، فماذا ستكون النتيجة إذن؟ ... لنا فيما مضى عبرة وأيما عبرة!
لعل العنصر الأول في أي حوار حضاري نطمح إليه هو عنصر \'الاحترام\'، الذي يجب أن يكون متبادلا بين جميع الأطراف، بالاحترام يستطيع المرء أن يقول ما يشاء بدون حرج، والاحترام ينتج ملكة أخرى تتولد مع توالي استخدامه، ألا وهي تنمية الذات المتكلمة التي تريد أن تـٌسمع، ففي نهاية المطاف، إذا كنت تتكلم، ولا يسمعك أحد، فهنالك خلل ما. وينطبق هذا على كل المتخاطبين، فلكي تسمعني يجب علي أن أحترمك، وكذلك الأمر إذا أردت أنت أن أسمعك أنا، هذه معادلة بديهية طبيعية قديمة قدم الزمن. وفيما عدا ذلك فلن يتعدى الأمر خطب الإملاء والإنشاء في غير محل بلا جدوى ولا ثمرة.
وقد يسأل سائل، وهل نتكلم في كل ما يعنّ لنا؟ أم هنالك واعز وإيعاز؟، هنا أرى الإجابة سهلة، يجب علينا، أولا وآخرا، أن نضع الوطن نصب أعيننا في كل حوار، وإذا أردنا صلاح حال الوطن فلنؤمن مسبقا بأن هنالك من يرى غير رأينا، ومن هنا يجب علينا سماعه وإسماعه، بالاحترام الواجب، مع الاستعداد لمواصلة التحاور والبحث، عندما يكون الوطن هو الهاجس الأول، فلا خوف مطلقا من تبادل الآراء، وإذا كان لأي كلام من تأثير، فيجب أن يبتعد عن استعمال قبيح اللفظ وفظ الوصف، فهذا، وإن أرضى البعض أو شفى غليله، فلن يحدث التأثير الإيجابي المنشود، ليس هناك أسهل من تبادل الشتائم.
في بلادنا، كما في كثير من بلدان العالم، سيئات حدثت من جهات ما، أو فلنقل، باسم جهات ما، وهنا يجب علينا الابتعاد عن التعميم بإطلاقه، ففي كل \'جهة\' صالحون وطالحون، وحتى إن كان هنالك طالح – بمعنى غير صالح – فلعل الفعل كان بدواع ومبررات كانت لديه، وقد نستطيع بالتحاور التوصل معه إلى أقرب ما يمكن لتوافق الرؤية، ولكن إذا كان عدم الصلاح ناتجاً عن استغلال منصب أو موقع لمآرب شخصية، معنوية كانت أو مادية، فيجب في هذه الحالة السؤال والبحث وعدم توجيه الاتهام بدون قرائن ودلائل، ويجب أن يظل حق الرد مكفولا، فقد ينتج عن الرد، بينات أخرى يهم الوطن معرفتها.
من الجميل جدا، استخدام أداوات الاحتمال مثل: قد، ربما، لعل، يبدو أن، وهكذا..، إذ إن الجزم المطلق مدعاة في ذاته إلى اتخاذ مواقف التصلب والتشدد، ومن ثم رفض الآخر في نهاية الأمر، ويجب علينا أن لا ننسى أن العلم كله لا يعلمه إلا الله، وما نحن إلا عبيد من عباده، ومن يدعي صفته تعالى في \'الكمال\' فقد تجاوز حده، وتطاول على خالقه، ولقد فعل ذلك الآلاف المؤلفة من البشر، فأين هم الآن؟
هنالك من يقول بأنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، وهذه مقولة في ظاهرها صحيحة، فما حدث حدث، ولم يعد ممكنا استدعاء الماضي والعودة من جديد لفعل غيره، أما ما تحمله هذه المقولة في باطنها فهو جد مهين، فإذا كنا لا نستطيع أن نستعيد الماضي، نستطيع حتما، وقد صار لدينا حوار، أن نفعل أبدع مما فعلنا، بالنظر والتحليل لما حدث، ولكن هذه المرة في سبيل الاستافدة وتحقيق غد أفضل وأبدع ، وبالتالي الحديث والتباحث فيما مضى لن يضير الوطن في شيء، الوطن يريد منا أن نتجب تكرار الخطأ، ويريد منا أن نستفيد مما سلف، تقليدا إن كان المؤدى خيرا، واستبعادا إن كان المؤدى غير ذلك، وباختصار من لم يتعلم من خطئه، فسيخطئ من جديد.


وأخيرا يا أهل الرأي والرأي الآخر، إذا كنتم تبغون سماعا وصلاحا، فاخطبوا بدون فجاجة وتعميم وتجنٍّ، وأحسنوا القول حتى يصار إلى سماعكم، وتذكروا دائما أن الكمال لله، وأن من يتقيه يجعل له مخرجا، وأرى المقام مناسبا للتذكير بأن البارئ يدعونا إلى كلمة سواء بيننا، فهلمو جميعا نبحث عن أرضية مشتركة، الوطن للجميع يا سادتي..




خدمات المحتوى
    زيارات 1773


رمضان جربوع
تقييم
1.13/10 (5 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري