في
الثلاثاء 28 ذو الحجة 1438 / 19 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

11-جمادى الأول-1431 02:56 PM

- حول مراجعات الجماعات الإسلامية بشكل عام -



تغيير وتطوير الرأي بل والفتوى مع تغير وتبدل الأحوال أمر مفهوم ومعلوم وموجود في الفقه والحياة بوجه عام .. وتبديل أو تعديل الآراء والمواقف قد يكون شيئا محمودا ً وقد لا يكون! .. ويكون محمودا ً كلما كان أقرب للتقوى والعدل والاعتدال .. فبعض الناس يغيرون مواقفهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والعكس صحيح ثم ينقلبون من الضد إلى الضد مرة أخرى حسب المصالح الشخصية أو المخاوف الآنية لا حسب الأحكام الشرعية أو التقديرات العقلانية العادلة التي ترجح كفة الخير العام .. والتقلب والتذبذب أمر غير محمود بلا شك .. أما الرجوع للعدل والاعتدال فهو أمر محمود ومطلوب .



وهذه القاعدة - قاعدة تغيير أو تطوير أو تعديل أو تبديل الفكر والرأي والموقف - كما تنطبق على الأفراد فهي تنطبق على الجماعات أيضا ً .. فالتجربة وإخضاع الأفكار والمعتقدات للتجريب العملي بلا شك تنضج العقل والفكر والفهم بما فيها فهم مقاصد وأحكام الدين .. وبلا شك فإن الجماعات الإسلامية السياسية بكل توجهاتها مرت بتجارب كثيرة وكبيرة ومريرة ومن ثم شاهدنا هذا التطور في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر خصوصا ً فيما يتعلق بمسألة الجهاد المسلح وشهر السلاح في وجه السلطان الظالم أو المنحرف أو حتى من يعتقد البعض في كفره وردته! .. حتى جماعة الإخوان المسلمين - أم الجماعات السياسية الإسلامية المعاصرة - مرت في مصر وسوريا والسودان بتجارب بهذا الخصوص – أي تجربة العمل المسلح ومحاولة التغيير بالقوة – ولكنها أجرت مراجعات واستخلصت نتائج هي نفسها تقريبا ً التي وصلت إليها الجماعة الإسلامية المصرية وأعتقد أنها هي نفسها التي وصلت إليها الجماعة المقاتلة اليوم بل هي نفس النتائج التي استقر عليها الرأي عند جمهور أهل السنة والجماعة في ما يخص مسألة الخروج المسلح على الحاكم المسلم الجائر بعد تجارب الفتنة الكبرى وخروج سيدنا الحسين – حفيد النبي – على السلطة والذي انتهى بطريقة مأساوية أدمى ضمير الأمة ..



فالنتائج العملية المتشابهة والإخفاقات المتشابهة تؤدي في معظم الحالات إلى استخلاصات واستنتاجات عقلية واحدة ونتائج فكرية متشابهة إلى حد بعيد .. والاستفادة من التجارب الكثيرة بل والإخفاقات الكبيرة وحتى الانكسارات المريرة أمر محمود وهو من طباع العقلاء والحكماء .. كل هذا أمر جميل نؤكد عليه وندعمه ولكن الشيء الذي أتخوف منه هنا - ليس فيما يخص الجماعة المقاتلة فقط بل بكل المراجعات الإسلامية - هو أن تحاول النظم الحاكمة المستبدة في عالمنا العربي الموبوء بالاستبداد والفساد الاستفادة من مثل هذه المراجعات والتراجعات لصالح ترسيخ الاستبداد والاستئثار بالسلطة وإضفاء شيء من المشروعية لصالحها ومحاولة إظهار هذه المراجعات والتراجعات على أنه انتصار لها وتأكيد لصحة وجهة نظرها وموقفها من هذه الجماعات في السابق وأنها هي من كان على الحق وهؤلاء الذين راجعوا وتراجعوا هم من كان على الباطل !!! وهنا تكمن الخطورة !! .



فإن الحق والعدل والاعتدال يتطلب توضيح الحقيقة التاريخية والشرعية والتي مفادها أن الاعتراف بأن هذه الجماعات الإسلامية المناوئة للسلطة التي ربما في فورة الشباب وثورة الغضب وفي غمرة الصراع ومعاناة الاستبداد والاضطهاد وقعت في أخطاء وانحرافات فكرية و ارتكبت أخطاءا ً وتجاوزات عملية لا يعني هذا أن السلطة كانت بريئة براءة الذئب من دم يعقوب !!! .. ولا يعني هذا أن السلطة لا تتحمل جزءا ً كبيرا من المسؤولية في خلق الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شجعت وولدت التطرف والعنف في المجتمع! .. فالسلطة أيضا كانت منحرفة وظالمة ومستبدة وتجاوزت حقوق المعقول وتغولت على المجتمع بل وساهم أسلوبها الأمني والقمعي وخطابها المنحرف والمتشنج والمعتدي وعدم المبالي بالحساسيات الدينية وبالثقافة التقليدية للمجتمع في خلق حالة من الغضب العارم الذي ساهم بشكل كبير في خلق حالة التطرف والعنف ومن ثم يجب على هذه السلطة أن تعترف هي أيضا ً بأخطائها بكل شجاعة ووضوح وتعلن توبتها وتعلن مراجعاتها وتراجعاتها عن أخطاءها الفكرية والسياسية العملية وكذلك يجب على كل الجماعات التابعة للسلطة كجماعة اللجان الثورية مثلا ً إعلان توبتها ومراجعاتها بشكل علني وشجاع ! .



فالحقيقة ومقتضيات العدالة والاتزان تتطلب منا أن نعرض المشهد كاملا ً بشكل عادل وموضوعي .. ومن الظلم بل ومن العار السماح للسلطة (السياسية والأمنية) الظالمة أن تحاول استثمار مراجعات وتراجعات الجماعات الإسلامية وتحويلها إلى نصر دعائي لصالحها ولترسيخ استبدادها ومحاولة إصباغ الشرعية على ذاتها والمشروعية على تصرفاتها في الماضي! .. فالعدل يقتضي قول الحقيقة كاملة وإظهار المشهد كله كما هو وكما كان فالسلطة تورطت في تجاوزت كثيرة وممارسات ظالمة وعدوانية ضد المجتمع ككل لا ضد المجموعات الإسلامية وحدها كما أن الجماعات الإسلامية – في معمعة الشعور بالخوف والاضطهاد وانعدام الشعور بالأمن والاستقرار - وقعت بلا شك في تجاوزات أيضا ً .. وللسلطة أخطائها وانحرافاتها الفكرية والعملية أيضا كما لهذه الجماعات .. لذلك لابد من ذكر الحقيقة كاملة وعرض المشاهد شاملة لكل اللقطات ولكل جوانب المشكلة وإلا نكون كمن قال (ولا تقربوا الصلاة ...) ثم سكت !!.



أما النقطة الثانية والمهمة هنا والتي يجب الانتباه إليها والتفكر فيها فإن مثل هذه المراجعات التي تجريها الجماعات الإسلامية في فكرها العقدي ومنهجها العملي يجب أن لا تنتهي إلى حالة من الركون إلى الظلم والاستبداد ومهادنة الطغاة والاستسلام للأمر الواقع إما بدعوى الاستضعاف أو بدعوى إطاعة ولي الأمر (المسلم) حتى لو كان جائرا ً وفاسقا ً وإن جلد ظهرك أو أخذ مالك (!!!) أو بدعوى المحافظة على السلم والاستقرار في المجتمع المسلم بل لابد هنا إذ وضعت السيوف في أغمادها من تفعيل فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه تغيير المنكر في المجال السياسي وإيجاد أساليب فردية وجماعية جديدة ومشروعة لتغيير المنكر ورفع الظلم عن الناس وإيقاف الحكام والقادة المنحرفين والطاغيين عند حدهم وإيقافهم عن العبث بالمال العام وبمصير الأمة على أهوائهم فالساكت هنا عن الظلم العام شيطان أخرس ! .



ويبدأ هذا التغيير من وجهة نظري بالانطلاق من نقطة تغيير (المفاهيم السياسية) السائدة في المجتمع لدى العوام والخواص ولدى (ولاة الأمر) بشكل خاص .. وأول هذه المفاهيم لابد من تغيير مفهومنا ونظرتنا لولي الأمر في الدولة المسلمة! .. فمفهوم (القائد أو الحاكم أو الإمام أو الرئيس أو الخليفة ) في الإسلام يعني - في حقيقة الفهم الصحيح للنظرية السياسية الإسلامية المستلهمة من النصوص وتجارب الخلفاء الراشدين – (الخادم العام) للأمة بل الخادم الأجير ولابد من نشر هذا الفهم الإسلامي لدى عوام المسلمين ليصبح ثقافة سياسية وشعبية سائدة .. فالقائد أو ولي الأمر في الدولة المسلمة هو خادم الأمة وخادم المسلمين لا هو بحاكم مطلق الصلاحيات ولا هو إله ولا معصوم ولا ملك الملوك !!! .. ولا يمكن للقيادة السياسية في دولة مسلمة تحتكم للشرع أو للمنطق والعقل أن تكون مصانة غير مسؤولة وفوق المعارضة والنقد والمحاسبة ! .



لابد من ترسيخ هذا المفهوم الإسلامي والحضاري للسلطة السياسية والسلطان في المجتمع كما ينبغي أن نرسخ مفهوم أن الحاكم الحقيقي والفعلي ينبغى أن يكون الله تعالى من خلال تحكيم الشريعة وسيادة القوانين المستنبطة والمسنونة وفق هذه الشريعة .. فنشر هذا المفهوم الإسلامي للحكم أمر أساسي جدا ً فضلا ً عن نشر ثقافة الشورى في مجال التغيير السياسي .. ولابد أن تكون لهذه الأمة مؤسسات وجماعات رقابة ومحاسبة وحسبة عامة تراقب هذا (الخادم العام) (ولي الأمر) وتنصحه وتحاسبه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر بل وتمارس الضغوطات الشعبية عليه كي يعمل ويخدم الأمة بالشكل الصحيح والمفيد والعادل والرشيد في إطار حكم الشريعة ومصلحة الأمة .. فهو بالنهاية (موظف عام ) يتلقى أجرا ً وراتبا ً شهريا ً من مال الجماعة !.

والشاهد هنا أنه إذا ما رأت الجماعات الإسلامية أن شهر السلاح لم ولن يحقق الهدف المرجو من تحرير الأمة من الاستبداد والطغيان السياسي وإقامة الشريعة وتحقيق العدالة أو أن ضرر هذه الوسيلة بات أكبر من نفعها في واقع الممارسة فلابد – إذن - أن تجد وتستنبط الوسائل السلمية المشروعة والفعاله لتغيير المنكر ورفع الظلم عن الأمة واستعادة حقوق المسلمين السياسية والاقتصادية ومنها حقهم في إختيار قيادتهم السياسية وحقهم في مراقبتها وحقهم في محاسبتها بل وحقهم في عزلها إذا اقتضى الأمر أي إذا ما جارت واستبدت وانحرفت وأفسدت الحياة العامة وعم ظلمها وطم وتسببت في الإضرار الكبير بمصالح الأمة ومصالح الأجيال.. ولله عاقبة الأمور



خدمات المحتوى
    زيارات 1907


سليم نصر الرقعي
تقييم
1.13/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري