في
الجمعة 10 رمضان 1439 / 25 مايو 2018

جديد الأخبار والمقالات

18-ذو الحجة-1430 11:46 AM




أطلقت الجماعة الإسلامية في مصر موقعها الإلكتروني (الرسمي)، والذي يحمل شعارا وخطابا مغايرين تماما لشعارها وخطابها السابق الذي اشتهرت به منذ نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، وحتى عام 1997م، الذي أعلنت فيه الجماعة مبادرة وقف العنف.

فقد غاب عن الموقع الرسمي للجماعة الشعار السابق الذي كان يتضمن السيف والمصحف والآية الكريمة: (وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) وحضر الشعار الجديد الذي يظهر فيه المصحف تحيطه الآية الكريمة: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ). كما غابت الأدبيات السابقة التي ظهرت في فترة الصدام مع الدولة، وارتكزت على البحث عن الأدلة الشرعية التي تؤيد رؤية الجماعة -وقتذاك- في (تكفير) بعض المؤسسات والشخصيات داخل النظام السياسي، واعتبار المواطنين الأقباط (محاربين) وتبرير استعمال العنف كآلية للتغيير.

ليست توبة ولا صفقة!
ويؤكد أحد أبواب الموقع أن مبادرة وقف العنف لم تكن (صفقة) أو (توبة) بقدر ما كانت نقطة انطلاق لإتمام واجب المراجعة لمسار العمل الإسلامي للجماعة خلال العقدين الماضيين، وذلك بعد تعاظم التحديات الداخلية والخارجية ومنها: هيمنة النموذج الغربي، وحصار الظاهرة الإسلامية بذريعة الأعمال الإرهابية، والصراع الإسلامي - العلماني في البلاد، والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية... إلخ.

وبعد الإعلان عن المبادرة ظهرت كتب المراجعات الأربع عام 2002م، وهى: (مبادرة وقف العنف)، من تأليف عاصم عبد الماجد وأسامة حافظ، و(تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء) من تأليف علي الشريف وحمدي عبد الرحمن، و(النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين)، من تأليف علي الشريف وأسامة حافظ، و(حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين)، من تأليف علي الشريف والدكتور ناجح إبراهيم.

وتلاها ثلاث كتب أخرى هي: (نهر الذكريات)، من تأليف الدكتور ناجح إبراهيم وأسامة حافظ، و(تفجيرات الرياض)، من تأليف الدكتور ناجح إبراهيم، و(إستراتيجية وتفجيرات القاعدة)، من تأليف الدكتور عصام دربالة.

ثم سلسلة جديدة من سبعة كتب، من تأليف الدكتور ناجح إبراهيم، تحت عنوان: (الإسلام وتحديات القرن العشرين).

والواضح من هذه المراجعات أن الجماعة قد نبذت العنف الذي كانت مسئولة وحدها عن حوالي 90% من أحداثه التي وقعت في مصر خلال عقد التسعينيات، بدءا من اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب المصري السابق 1990م، وانتهاء بمذبحة الدير البحري الدامية في الأقصر في نوفمبر عام 1997م، وعادت إلى المهمة التي تأسست من أجلها، وهي الدعوة، وذلك انطلاقًا من فهم منهج الإسلام أولاً، وفهم ظروف الواقع ثانيًا، وفهم طبيعة الحركة الإسلامية نفسها ثالثًا، وليس فقط من أجل الخروج من دائرة الحصار والضربات الاستئصالية تجاهها.

قضايا لم تحسم بعد
ومن المفارقة أن الجماعة لم تحسم حتى الآن قضية كانت (تفصِّل) لها الأدلة الشرعية من أجل رفضها، وهي المشاركة في الانتخابات النيابية، كما لم تحسم أمر العمل السياسي، والذي يرتبط في فكر الجماعة بالسياسة الشرعية وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الوقت الذي أصدرت فيه العديد من البيانات تجاه العديد من القضايا والأحداث السياسية.

وعموما فإن جميع هذه الكتب يعبر عن (مرحلة انتقالية) تعيشها الجماعة الإسلامية نظرت فيها الجماعة إلى الماضي، وراجعت فكرها ومنهجها التغييري، مما أحدث ذلك التحول الجذري في الشعار والخطاب، الذي أعادها إلى مهمتها الأولى كجماعة دعوية إصلاحية تسعى إلى تعبيد الناس لربهم.

وبالتالي فالجماعة لم تنظر نحو المستقبل حتى الآن من أجل استشراف موقعها وتكوين رؤية إستراتيجية خاصة بها، مما يطرح تساؤلا حول مغزى هذا التحول الجذري في الشعار والخطاب في هذه المرحلة، والمتوقع من الجماعة أن تقدمه لوطنها وأمتها في المرحلة القادمة.

أبواب الموقع الجديد
إضافة إلى الخدمات الإلكترونية المعروفة مثل: المشاركات، والمنتديات، والبريد الإلكتروني، والإعلانات، والرد على الاستفسارات والأسئلة الفقهية والدعوية، يحتوي الموقع أيضا على بيانات صادرة عن الجماعة تعكس موقفها من الأحداث الجارية داخليا وخارجيا، مثل: العمليات الإرهابية في دهب والجورة، وأحداث طابا، والإساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وغرق العبارة السلام 98، إضافة إلى العديد من الأبواب الأدبية والفقهية والاجتماعية، التي تعبر عن التوجه الدعوى الجديد، وتتناول على سبيل المثال علوم القرآن والحديث، والأسرة المسلمة، والدفاع عن الإسلام، ودروس في الدعوة.

كما توجد أبواب أخرى تهدف إلى التركيز على المراجعات، وأهمها باب المبادرة والحوارات والمقالات، من خلال إثبات شرعية هذه المراجعات و(جدواها) الواقعية، والحديث عن إرهاصاتها داخل السجون، ودوافع التفكير فيها من جانب قادة الجماعة، فضلاً عن الرد على الشبهات والتساؤلات الشرعية المختلفة التي نتجت عنها.

القادة يقاطعون الإعلام!
حاول موقع إسلام أون لاين التواصل مع بعض قادة الجماعة الإسلامية بمصر، للحوار حول الموقع الجديد وما يقدمه من خطاب ورؤى، لكن المهندس أسامة حافظ - عضو مجلس شورى الجماعة، وأحد مستشاري التحرير بالموقع الجديد - قال: \"ليس مسموحا لنا بأن نتحرك في اتجاه الإعلام، ولا نريد ذلك في الوقت الحالي؛ لأن هناك إخوة لنا لم يخرجوا من السجون بعد، ولا نريد (الشوشرة)... وهذا موقف جميع القادة وهيئة تحرير الموقع\".

أما منظِّر الجماعة، الدكتور ناجح إبراهيم -رئيس تحرير الموقع- فقد أكد أن هدف الموقع هو الدعوة إلى الإسلام، وأن الخطاب الجديد للجماعة يمكن التعرف عليه من خلال أبواب (من نحن) و(المبادرة)، أما الأسئلة الخاصة بمغزى التحول الفكري ومستقبل الجماعة فتم تأجيل الإجابة عنها لأسباب شخصية، على حد قوله.

الجماعة تم استئناسها
أما ممدوح إسماعيل – المحامي، والناشط الإسلامي المقرب من الجماعة – فقال: \"إنه منذ إصدار كتب المراجعات الأربعة أصبحت الجماعة الإسلامية بمصر مستأنسة وخاضعة للقبضة الأمنية، والمثال الواضح على ذلك خطابها الإعلامي الذي ابتعد عن نقد السياسات الحكومية الداخلية والخارجية، واقترب في الوقت نفسه من الموقف الحكومي في بعض الأحداث. أما المثال الأوضح فيتمثل في الانقلاب في الشعار الذي يعبر عن رغبة لدى قادة الجماعة في تغيير الصورة الذهنية التي تكونت عنها في فترة الصدام مع الدولة\".

ويرى إسماعيل أنه ربما يجد البعض عذرًا للجماعة في تغيير الشعار أو غياب المواد المكتوبة التي تعبر عن الموقف عن الأحداث الساخنة، لكنهم -من وجهة نظره- لن يجدوا عذرا لنشرهم مقالات بعض الكتاب الرسميين على الموقع، أو ربط الموقع بمواقع حكومية، على اعتبار أن هناك حدودًا إستراتيجية يجب ألا تتخطاها الجماعة.

وأكد إسماعيل على أن انطلاق موقع الجماعة ليس سوى محاولة للتواجد بصورة ضعيفة في ظل الهيمنة الأمنية عليها، على أساس أن التواجد على الساحة السياسية يستدعي أن يكون ذلك الموقع في سياق تحرك إعلامي متكامل، أما الإعلان الخاص بأن الجماعة مهمتها الدعوة والإصلاح فهذا يتطلب بدوره طلب الحصول على ترخيص من وزارة الشئون الاجتماعية، مثل جماعة أنصار السنة المحمدية، والجمعية الشرعية، وهذا ما لم تذكره الجماعة في كتابات القادة أو في الموقع الإلكتروني، بما يعني أن الجماعة لم تحسم المستقبل بعد.

الإخوان يرحبون

على صعيد الفصائل الإسلامية الأخرى، رحب الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح – نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين – بالتحول الفكري للجماعة الإسلامية، معتبرا أن الساحة تتسع لكل التيارات العاملة للإسلام التي تتعدد فكريا وتنظيميا، ولكن تجمعها أصول وأهداف مشتركة، وأهمها: الشريعة، الحريات، العدالة الاجتماعية، التعددية، والعمل السلمي.

ورغم ذلك الترحيب من أبو الفتوح، إلا أنه حذَّر من وقوع أي تيار داخل الحركة الإسلامية في شراك التبعية لأية قوى أخرى، تدفعه للتحرك ضد غيره من تيارات الحركة الأخرى، معربًا عن أمله في أن تعمل الجماعة الإسلامية في المستقبل بدافع من الضمير والاستقلالية من أجل خدمة الدعوة الإسلامية.

وردًّا على سؤال حول إمكانية أن يراجع الإخوان شعارهم (السيفان والمصحف) مثلما فعلت الجماعة الإسلامية، التي تخلصت من السيف (رمز العنف) في شعارها، على اعتبار أن الإخوان أولى بهذا التغيير لتبنيهم الخط السلمي في الدعوة، دافع أبو الفتوح بشدة عن شعار جماعته، رافضا تغييره، على أساس أن المصحف يشير إلى صون كرامة الإنسان وحريته، والسيفان يرمزان إلى الجهاد بالسلاح ضد القوى الأجنبية الساعية إلى احتلال الوطن، مؤكدًا أن استعمال العنف ورفع السلاح ضد أبناء الوطن لم يكن من توجهات الجماعة منذ أول يوم تأسست فيه.

افتقاد الرؤية المستقبلية

جمال سلطان -رئيس تحرير مجلة المنار الجديد- والذي سعى في السابق لتأسيس حزب سياسي تحت اسم (حزب الإصلاح) أكد على أن توجه الجماعة الإسلامية لتغيير الشعار كان ضروريًّا من أجل التوافق مع الفكر الجديد لها، قائلاً: \"هذا ليس أمرًا منكرًا، فالأحزاب السياسية والدول نفسها تغير شعاراتها حسب تطورها الفكري والسياسي والاقتصادي. ومن الأمثلة على ذلك أن علم مصر تغير ثلاث مرات، وبالتالي فإن تغيير الجماعة الإسلامية لشعارها ليس سوى ترجمة للتحول الفكري والأفكار التي حملتها كتب المراجعات وتمحورت حول تجاوز فكرة العمل المسلح لفرض التغيير، والتحول للعمل السلمي والدعوي\".

وحذَّر سلطان من الخلط بين المراجعات وبين مواقف الجماعة تجاه الأحداث المختلفة التي يغيب عنها التقدير السليم أحيانًا، نظرا لعدم الإلمام بخلفيات هذه الأحداث؛ وهو مما يؤدي إلى الوقوع في الخطأ، ويرى أهمية عدم تحميل مثل هذه الأخطاء على المنهج الفكري الجديد؛ لأن لكل حركة اجتهادها ورؤيتها وأخطاءها!.

وقال سلطان: \"إن توجيه الجماعة لجهدها في مراجعة منهجها التغييري وأحداث فترة الصدام مع الدولة، لا يعني سوى عدم الاهتمام بالمستقبل، وأنها تتحفظ على تكوين رؤية مستقبلية!. ولا بد أن نلتمس لها العذر في ذلك على اعتبار أن الظروف لم تنضج بعد، إضافة إلى وجود بعض الأطراف التي قد تندفع نحو التصادم مع الجماعة من جديد في حال نظرت الجماعة بعينيها نحو المستقبل، وهي لا تحتمل مثل هذا الآن\".

وأكد سلطان على أن الرأي النهائي بخصوص هذه المسألة ليس بيد الجماعة بمفردها، قائلاً: \"لا بد أن ننظر بعين الاعتبار إلى المؤسسة الأمنية التي تملك الكثير من الأوراق، فضلاً عن القرار السياسي الذي قد يلغي أية ترتيبات يراها في غير صالحه، مما يعنى تأجيل أية رؤية مستقبلية للجماعة لمشروعها الدعوي أو الاجتماعي\".

خطوة تحتاج إلى دعم

ضياء رشوان -الخبير في شئون الحركات الإسلامية- رفض القول بأن الخطاب الجديد للجماعة غير متجانس ومتأثر بالضغوط الأمنية؛ نظرًا لأن هذه الضغوط -على حد قوله- تعرقل أو تُضعِف، لكنها لا تلغي جماعات حقيقية، قائلاً: \"الجماعة الإسلامية جماعة حقيقية تقدم نفسها في الوقت الراهن كجماعة سلمية ذات طابع دعوي، ساعية إلى التواصل مع كل الأمة من أجل نشر الدعوة الإسلامية\".

ودعا رشوان إلى دعم التحول الفكري لدى الجماعة الإسلامية، والصبر لحين حدوث التحول النهائي، قائلاً: \"إن عدم تقدم قادتها بالحصول على ترخيص بالعمل القانوني ربما يكون في خلفيته أن جماعة الإخوان المسلمين -وهي الجماعة الأكبر والأقدم- محرومة من المشروعية القانونية، فضلاً عن أن النظام السياسي يقوم بالتضييق على جميع القوى السياسية المعارضة لتوجهاته في الوقت الراهن، فهل يسمح للجماعة الإسلامية التي خرجت لتوها من معمعة العنف بذلك؟!\".

الجماعة إلى أين؟
الدكتور رفيق حبيب -الناشط المدني القبطي، والخبير في شئون الحركات الإسلامية- اتفق مع الرأي السابق، بالقول إن هناك تحول حقيقي لدى الجماعة لنبذ العنف، ونقد ما جرى من أخطاء في الماضي، ويرى أن ظهور الموقع الجديد يعني محاولة من الجماعة لاستعادة وجودها ودورها وتأثيرها، ولكن برؤى جديدة فقهيًّا وسياسيًّا، قائلاً: \"إن الأدبيات الجديدة في الموقع تعكس تحولات فكرية تتمثل في رؤية ساعية لإصلاح المجتمع، دون الدخول في مخاصمة معه، وتغيير النظام السياسي دون الصدام العنيف مع الدولة، وبالتالي أصبحت الجماعة أكثر واقعية في الجانب السياسي، وأكثر مرونة في الجانب الفقهي\".

وأكد حبيب على أن البعد عن التكفير واستعمال العنف كآلية للتغيير سيدفع الجماعة الإسلامية إلى إعادة إنتاج رؤيتها للمجتمع ومكوناته -بما في ذلك الأقباط- على أسس التعايش والتغيير، من خلال الدعوة والفكر. ولكنه طرح سؤالاً محوريًّا، هو: \"هل ستنجح الجماعة في تكوين رؤية جدية وتحشد أتباعها حول هذه الرؤية؟\"، وأجاب حبيب عن سؤاله قائلاً: \"إن الجماعة لديها الرغبة في ذلك، لكنها ستصطدم بموقف الدولة الذي لا يرحب بالعمل السلمي للحركة الإسلامية، وموقفها من الإخوان واضح، وإذا كانت رحبت بالمراجعات فذلك لأنها راهنت على تفكك التنظيم، وعدم دخوله الساحة السياسية\".

واختتم حبيب بالقول: \"إن الجماعة الإسلامية أمامها تحدٍّ يتمثل في تقديم نفسها بصورة جديدة، ومواجهة منع الدولة للأنشطة السياسية الإسلامية، حتى تقترب من موضع الإخوان المسلمين فيما يخص منهج التغيير والرؤية السياسية الديمقراطية، والموقف من الأقباط\".

شارك في ساحة الحوار:

مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية.. إعادة فهم.. أم بديل حكومي؟؟


خدمات المحتوى
    زيارات 2448


حمدي عبد العزيز
تقييم
1.77/10 (8 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري