في
الأربعاء 9 شعبان 1439 / 25 أبريل 2018

جديد الأخبار والمقالات

26-ذو القعدة-1430 02:31 PM


كان كتاب «حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين» هو الحلقة الرابعة في سلسلة مراجعات الجماعة الإسلامية وتصحيح الأخطاء ، وقام بتأليف هذا الكتاب وإعداده الدكتور ناجح إبراهيم عبد الله، والشيخ علي محمد علي الشريف، وقد أقره وراجعه بقية أعضاء مجلس شورى الجماعة الإسلامية المعروفين.
قامت بطبع هذا الكتاب فى البداية مكتبة التراث الإسلامي, ثم مكتبة العبيكان السعودية الشهيرة .. وقد تمت طباعة هذا الكتاب في 199 صفحة من القطع المتوسط.
وقد افتتح الكتاب بمقدمة بعنوان: نشأة التكفير .. لمحة تاريخية ، يقول المؤلفان فيها: لم تعانِ أمة الاسلام من آفة نزلت بها مثل معاناتها مع آفة تكفير المسلمين التي عشعشت في عقول نفر من ابنائها ، وجعلتهم يكفرون المسلمين بغير مقتضى شرعي . ومن ثم أهدروا دماءهم واستحلو أموالهم ، دون أن يكون معهم دليل من الشرع ، أو حجة من الدين أو برهان من أقوال السلف ، ولم يكونوا في الوقت نفسه مؤهلين للخوض في هذه اللجة العميقة ، والسباحة في هذا البحر العميق الذي لا يجيد السباحة فيه سوى العلماء الثقات الأثبات الصادقين الذين تسلحوا بالعلم وتجردوا عن الهوى .
ويحدد المؤلفان مفهوم الغلو بالقول أن الغلو في اللغة هو الزيادة عن الحد ، وشرعا هو مجاوزة الحد المطلوب شرعاً من العبد إلى ماهو أبعد منه فلا يكتفى بطلب الشارع ، بل يشعر بأن ماطلبه الشارع قليل ولا يكفي فيغالي ويزيد من عنده على ما أمر به الشارع ، اعتقادا بان ذلك محبوب شرعا ، وهذا ايضا هو تعريف التشدد والتنطع والتطرف.
وبعد أن يسوق الكاتبان رؤية الدين للغلو والنهي عنه وأسباب ذلك يضيف المؤلفان أن الغلو في الدين لا يخلو من جور على حقوق أخرى يجب أن تراعى وواجبات يجب أن تؤدى وما أصدق ما قاله الحكماء: (ما رايت اسرافا الا وبجانبه حق مضيع) وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعبدالله بن عمر حين بلغه انهماكه في العبادة انهماكه أنساه حق أهله عليه ، قال : (ياعبدالله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل) فقال : قلت بلى يارسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : (فلا تفعل ، صم وأفطر وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لعينيك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك عليك حقا).
من مظاهر الغلو في الدين:
1- التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر.
2- إلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم الله به.
3- التشدد في غير موضعه .
4- الغلظة والخشونة .
5- سوء الظن بالناس .
6- النظرة المثالية للمجتمع .
ويأتي المؤلفان الى عصرنا الحديث ويقولان ان ما وقع لطائفة الخوارج قديما وقع لجماعة (التكفير والهجرة) حديثا فهم يكفرون كل من ارتكب معصية ويكفرون الحكام والمحكومين والعلماء والناس وكل من خالفهم بل انهم يكفرون كل من لم يقبل فكرهم ولم يدخل في جماعتهم ويبايع امامهم ، ودخل في جماعتهم تم تراءى له لسبب أو لآخر أن يتركها .فهو مرتد حلال الدم ، وهكذا أسرف هؤلاء في التكفير ، فكفروا الناس أحياءً وأمواتا ، وقد حذر الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الاتهام بالكفر ، ففي الحديث الصحيح (من قال لأخيه : ياكافر فقد باء بها أحدهما) أي فيما لم يكن الآخر كافراً بيقين فقد ترد التهمة على من قالها ويبوء بها فهذا خطر جسيم ص 52.

الاسلام بين الغلو والتقصير
يتساءل المؤلفان عن قضية المسلمين الثانية ما يرونها وهي التقصير من جانب المسلمين الذي يتجلى في تفريط المسلمين في دينهم وضياع مقدساتهم وتنازعهم على الجاه والسلطان . ويقولان : ان الغلو والتقصير وجهان لعملة واحدة ، والافراط والتفريط صورتان لشئ واحد ، وكلاهما خطر على الاسلام ، وكلاهما ضار بالدين ، فالدين وسط بين الافراط والتفريط والغلو والتقصير : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا).
بدعة التكفير والرد عليها:
يتحدث المؤلفان عن الافراط والتفريط ويحثان المسلمين على انتهاج المنهج الوسطي وان لا ينظر المسلم للناس بعيدا عن هذا المنهج ولا يتجاوز حدود الشرع والدين في حكمه عليهم ، والحديث هنا عن بعض نفر قليل ينتسب الى الحركة الاسلامية وهي منهم براء ، غالوا وتشددوا بغير حق في الحكم على الناس فأخرجوا اهل الاسلام من الملة وحكموا عليهم بالكفر نتيجة لشبهة أو هوى أو تقليد لضال مضل أو لغير ذلك من الأسباب.
لقد حذر الني صلى الله عليه و سلم من الاتهام بالكفر : «من قال لأخيه يا كافر ، فقد باء بها أحدهما وقد صح من حديث أسامة بن زيد أن من قال : لا اله الا الله فقد دخل الاسلام وعصمت دمه وماله ، وإن من قالها خوفاً او تعوذاً من السيف فحسابه على الله و لنا الظاهر و لهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم غاية الإنكار على أسامة حين قتل الرجل في المعركة بعد أن نطق بالشهادة و قال : أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ؟ قال : إنما قالها تعوذاً من السيف ، قال : هل شققت قلبه ؟ ما تصنع ب «لا إله الا الله» قال أسامة : فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ .
بدعة تكفيرجهال المسلمين والرد عليها
يقدم المؤلفان لهذا الباب بقولهم: لقد تورط بعض نفر ممن ينتسبون إلى بعض فصائل الحركة الإسلامية في قضية قد حسمها الشرع ودل عليها العقل وأدركها الفطر السليمة ألا وهي قضية كون عارض الجهل مانعاً من لحوق حكم الكفر لمن أتى فعلاً كفرياً وهو يجهل أنه كفر، وهو لا يريده ولو علم أنه كفر لما أقدم عليه ولما أقترفه إنما فعله جاهلاً بحقيقة أمره بل يكون معتقداً بفعله هذا أنه يتقرب إلى الله كأولئك الجهال الذين يفعلون أفعالاً شركية عند قبور الصالحين وعدم اعتبار عارض الجهل مانعاً لحقوق حكم بالكفر بفاعله غلو في الدين وتشدد في غير موضعه ومخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة الذين يعتقدون أن من أتى كفراً لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ويرون أن الشخص المعين الذي يرتكب كفراً لا يحكم بكفره إلا بعد ثبوت شروط انتفاء موانع. ويقسم المؤلفان الموانع التي تتتسب انتفاء حكم الكفر عن فاعله إلى:
أ- العوامل التي تسبب انتفاء شروط العقل
1- عارض الجنون .
2- عارض الصغر وذلك لقوله صلى الله عليه و سلم: «رفع القلم عن ثلاثة النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يشب وعن المجنون حتى يعقل».
3- عارض السكر .
4- عارض العته .
ب- الموانع التي تسبب انتفاء شروط القصد .
1- عارض الإكراه .
2- عارض الهزل .
3- عارض الخطأ .
4- عارض التأويل .
ج- العوارض التي تسبب انتفاء شروط العلم .
عارض الجهل : إذا أتى المسلم الجاهل فعلاً أو قولاً أو اعتقد اعتقاداً هو كفر ينقص الإيمان وهو لا يعرف ذلك فإنه معذور بجهله ولا يكفر حتى تقام عليه الحجة وقد نبه الإمام العظيم شيخ الإسلام ابن تيمية على ثبوت شروط وانتفاء موانع باعتبارها من أهم جوانب قيام الحجة .
ويخلص المؤلفان إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد وضع قاعدة لا بد من لزومها قبل الإقدام على تكفير الشخص المعين منهم - أهل القبلة - وهي تشمل أمرين :
أولاً : ضرورة النظر إلى القول أوالفعل والتأكد من كونه مخرجاً من الملة وأنه ليس يقبل التقسيم بمعنى أن يكون كفراً باعتباره وغير كفر باعتبار آخر .
ثانياً : النظر في حالة الشخص الذي صدر منه القول أو الفعل لأنه قد يكون القول أو الفعل كفر مخرجاً من الملة لكن الشخص الذي صدر منه لا يكفر بذلك إذ قد يكون قد عرض له مانع يمنع لحوق الكفر به كالجنون و الإكراه ..
ثم يلقي المؤلفان الضوء على هذين الأمرين بتحديد الضوابط المعينة على ما هو كفر مخرج من الملة من أقوال وأفعال واعتقادات ثم النظر في حال الشخص المعين للتحقق من قيام موجب التكفير أولا ويقولان في نهاية هذا الفصل وبعد فإن المسارعين إلى تكفير جهال المسلمين الذين قد يدفعهم جهلهم إلى الوقوع في أعمال شركية دونما أن يتحققوا من ثبوت الشروط وانتفاء الموانع التي حددها الشرع قبل الحكم على فاعل الكفر بالخروج من الملة إن هؤلاء قلة غالوا في دينهم بغير حق وتشددوا في غير موضع تشدد وحري بهم أن يتخلقوا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الرحيم بأمته الرؤوف بهم . ص 162
الغلو في تكفير المسلمين بالموالاة الظاهرة . يقسم المؤلفان موالاة الكفار الى قسمين
1- موالاة باطنة.
2- موالاة ظاهرة .
فالموالاة الباطنة هي : الميل القلبي إلى الكفار حباً في عقيدتهم ورغبة في نصرتهم على المسلمين كفعل المنافقين مع اليهود في زمن النبي صلى الله عليه و سلم . وهذا النوع يخرج صاحبه من ملة الإسلام لقوله تعالى : «ومن يتولهم منكم فهو منهم».
والموالاة الظاهرة هي: نصرة الكفار أومساندتهم لأمر أومصلحة دنيوية مع استقرار الإيمان بالقلب ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كفعل حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه مع المشركين قبل فتح مكة وهذا الفعل لا يخرج صاحبه من الملة وإنما يعد ذلك معصية فقط وذلك لأنه لا ينقض الإيمان وإنما ينقصه ويقول المؤلفان : «وبعد أن أوضحنا نوعي الموالاة نتجة إلى النفر من شباب الحركة الإسلامية الذين غالوا في هذه المسألة فحكموا على كل من أتى فعلاً من أفعال الموالاة بالكفر الأكبر دون النظر في حاله ودونما تمحيص لموالاته هل هي ظاهرة أم باطنة فهم لم يفرقوا بين النوعين وإنما جعلوها واحداً» .... وفي هذا السياق يبحث المؤلفان في الرد على من ادعى كفر موظفي الحكومة : «ثم عوداً إلى هؤلاء الذين حرموا العمل في الوظائف الحكومية وكفروا شاغليها فإنهم قد اخطأوا أوخلطوا لأن الوظائف لم تكن يوماً من الأيام كافية للحكم على الناس وعلى معتقداتهم» ويقسم المؤلفان حالات الوظائف إلى فئة تعمل من أجل مصلحة دنيوية وعملها في حدود الحلال شرعاً والمشروع من الدين . وفئة تعمل عملاً قد لا تستطيع فيه تحقيق العدل التام لكنها تشغله مما يخفف الظلم الواقع على المسلمين أويحقق مصلحة للإسلام أوالمسلمين وأخرى من يقع في عملها ظلم وجور ويرتكب مخالفات شرعية لطبيعة العمل لكنها تقع في هذه الأعمال ومن يعمل في ذلك لا يكره الإسلام ولا يتمنى علو الكفر على الإيمان بل قد يلتبس عليه أحياناً الحق بالباطل ، أويأتي المحظور من أجل مصلحة دنيوية . وهناك فئة أخرى تعمل كسابقتها لكن الذي يعمل يختلف في أنه يحب الكفر ويكره الإسلام وظهرت دلائل هذا الحب في صورة أفعال وأقوال ظاهرة فإنه لا يستدل على حال القلب إلا بفعل الظاهر، فهؤلاء لا يشك في كفرهم وخروجهم من دائرة الإســـلام ويقول المؤلفان : «هذه حالات متباينة لكل واحدة منها حكمها الذي يناسبها أما تعميم الأحكام واطلاقها هكذا دونما النظر إلى حال كل واحد وكل فرد فهو كارثة عظمى إذ أنه سيقع تحت طائلة هذا التعميم مسلمون كثيرون براء من هذا الحكم الذي صدر عليهم بدون وجه حق . إن خطأ من وقع في تكفير بعض المسلمين بحجة الموالاة الظاهرة خطأ بين لأن الموالاة المكفرة هي الموالاة الباطنة.
ويأتي المؤلفان إلى الفرق بين الموالاة الممنوعة والمخالفة المشروعة ويقولان : «وقد يظن البعض أن عيادة المريض الكافر أو النصراني هي من الموالاة وقد يعتقد فريق ثالث أن إهداء المسلم للكافر أوالنصراني أو تقبل هديته أو إكرامه أو التصدق عليه نوع من الموالاة لهم أيضاً ، وقد يلتبس على آخرين فيعتقدون أن تهنئة المسلم للكافر بإنجاب ذرية أو نجاح في كلية أو زواج و نكاح أو قدوم من ســــفر أو شفاء من مرض ويعتقدون أن كل ذلك نوع من الموالاة وغلط هؤلاء جميعاً ، فكل هذه الأبواب وأمثالها لا تدخل تحت مسمى المخالقة بالحسنى ، فالاسلام جاء بأعظم الأخلاق وأكرمها وأسماها وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ليتم مكارم الأخلاق كما أخبر هو نفسه :إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق».
ويشير المؤلفان إلى قبول النبي صلى الله عليه وسلم دعوة يهودي وإلى عيادة يهودي آخر في بيته وكذلك إغاثته مشركي قريش لما أصابتهم المجاعة وكل ذلك يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم في حديثه : «خالق الناس بخلق حسن».
وفي ختام هذا الكتاب يقول المؤلفان بعد أن تناولا قضيتي الغلو في الدين وبدعة التكفير ، أن على كل مسلم أن يراعي أمرين هامين و هما :
1- الوقوف بوجه كل من يروج لهذه البدعة المذمومة والحث على المحبة والمودة والإخاء والتراحم بين المسلمين .
2- على المسلم أن يقدم للبشرية النموذج الصحيح للمسلم الذي يتخلق بأخلاق القرآن ويهتدي بهدي سيد المرسلين ، ويقدم الإسلام في وسطيته التي لا غلو فيها ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط.


[HR]

جريدة عكاظ


خدمات المحتوى
    زيارات 2244


فتحي حسن عطوة
تقييم
1.07/10 (9 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري