في
الجمعة 28 صفر 1439 / 17 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

23-ذو القعدة-1430 11:09 AM

من نتائج تساهل بعض الحركات الإسلامية في أمر العقيدة ، أو مجانبتها لعقيدة أهل السنة والجماعة، أنها وقعت في كثير من التجاوزات والأخطاء .

وأقصد بها تلك الأخطاء العامة والشائعة بين الدعوات والدعاة - على سبيل الإجمال والعموم - أذكر منها :

أولاً: من أعظم وأخطر الأخطاء التي تقع فيها الكثير من الدعوات والدعاة : إهمال جانب التوحيد ، أو ضعف الاهتمام به ، علماً واعتقاداً وعملاً ، وبخاصة توحيد الألوهية والعبادة .

وهذا الجانب من التوحيد له من الأهمية في الكتاب والسنة وأصول الدين ودعوة الأنبياء والمصلحين ما يُوجب كونه الهدف الأول والغاية الكبرى لأي داعية أو دعوة مهما كانت مبررات قيامها في أي زمان وأي مكان ، وقد أشرت في مبحث سابق إلى منزلة دعوة التوحيد عموماً ، وتوحيد العبادة والألوهية على الخصوص ، ولا غرو ، فإن هذا التوحيد - توحيد الألوهية والعبادة - هو الغاية الأولى من خلق الجن والإنس ، قال الله - تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [ سورة الذاريات ، الآية : 56 ] .

وهذا التوحيد هو أول ما يتوجه إليه أمر الله وقضاؤه . قال الله - تعالى - : { وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبـُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [ سورة البيّـنة ، الآية : 5 ] .

وقال - تعالى - : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ } [ سورة الإسراء ، الآية : 23 ] .

وقال الله - تعالى : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [ سورة الفاتحة ، الآية : 5 ] .

والله - تعالى - ذكر أنه بعث جميع رسله بهذا التوحيد ، فقال - تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثـنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [ سورة النحل ، الآية : 36 ] .

ويتفرع عن هذه المسألة أمر آخر جد خطير ، وقد غفلت عنه أكثر الدعوات اليوم ، ألا وهو وقوع كثير من المسلمين اليوم فيما يناقض هذا التوحيد أو ينقصه أو يخل به .

فمما يناقضه من أعمال واعتقادات بعض المنتسبين للإسلام : دعاء غير الله والاستعانة بغير الله ، والذبح والنذر لغير الله ، وتصديق الكهّـان ، وما يفعلون عند القبور ، وعند شيوخ الصوفية ، وغير ذلك مما لا يخفى على الدعاة ولا غيرهم .

ومما يناقض التوحيد ويخدشه : شيوع البدع والخرافات كالموالد والتمسح بالقبور والأشخاص والأحجار والأشجار وغيرها، ومن الحلف بغير الله ، ونحو ذلك .

كل هذا وغيره مما هو خلل في التوحيد ; من الأمراض المستشرية في جسم الأمة الإسلامية ، ولا بد من علاجه أولاً قبل غيره من الأمراض الخلقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية ... إلخ . لأن مرض الاعتقاد هو مرض القلوب ، وهو الداء العضال والمرض الأول الذي نتجت عنه جميع الأمراض والانحرافات الخلقية وغيرها ، وهذا هو داء الأمم قديماً وحديثاً .

فهذا المرض على الرغم من خطره وانتشاره ووضوحه لم يلق من كثير من الدعوات الإصلاحية ما يستحقه.

تنبيه :

حينما أقول : إنه يجب العناية أولاً بالتوحيد ومحاربة البدع والشركيات ; فهذا لا يعني أن يغفل الدعاة الجوانب الأخرى من تحقيق المصالح ، ودرء المفاسد وعلاج الانحرافات الاجتماعية والخلقية والفكرية والسياسية والاقتصادية ، وما أثقلها وأعظمها وأعقدها ، إنما أقول : إن الداعية يجب عليه أن يهتم بكل شيئ يهم الإسلام والمسلمين مهما صغير أو قل ، ولو قصر في شيئ كان ملمواً بقدر تقصيره فيما يقدر عليه ، وهذا هو مقتضى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح الذي أمر الله به ، وأمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فاهتمام الداعي المصلح لا سيما الدعوات والحركات الجماعية لا بد أن يأخذ صفة الشمول في الإصلاح ، إنما يكون للأولويات اعتبار ، بحيث يبدأ بما بدأ الله به وبدأ به رسله الكرام جميعاً ، وما بدأ به رسولنا - صلى الله عليه وسلم - على وجه الخصوص ، وهو التوحيد ، فيبدأ بالأخطر والأعظم ظلماً وهو الشرك والبدع وفساد العقائد ، وفي الوقت نفسه يسعى إلى الإصلاح وينهى عن الفساد .

وهناك أمر يغفل عنه الكثيرون ، ألا وهو أن صلاح أحوال الناس في معاشهم وأخلاقهم مرتبط بسلامة توحيدهم وعقيدتهم ، قال الله – تعالى - : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ } [ سورة الأعراف ، الآية : 96 ] .

والإيمان والتقوى لا يتحققان إلا بصحة الاعتقاد وسلامة العبادة ، إذ قبول الأعمال الصالحة المفروضة منها والمسنونة كالصلاة والزكاة والصيام والحج والدعاء والإحسان إلى الناس ، والبر والصدق والعفاف والصلة ، كل ذلك وغيره مرتبط بصحة الاعتقاد ، وصحة الاتباع ، وبالإخلاص لله تعالى وحده ، وأن يكون العمل صواباً على مقتضى أمر الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم .

ومما يُؤسف له أن بعض الحركات لا تكتفي بالاستهانة بهذا الواجب العظيم والتخلي عنه ، وهو تطهير عقائد المسلمين وعباداتهم ، بل تلمز من يقوم بذلك ، وترى أن هذا المنهج عقيم ناتج عن قصور التفكير وضيق الأفق ، وأحياناً تدعي أن ذلك اهتمام بالقشور، ويتمثل هذا في الذين يأخذون على الدعوات السنة – كأنصار السنة والسلفيين و أهل الحديث- اهتمامهم بتخليص الأمة من البدع والخرافات وعنايتهم بتصحيح العقائد . نعم قد يكون لدى هذه الجماعات شيئ من القصور والأخطاء في الأساليب ، أما اهتمامهم بالعقيدة والعبادة ومحاربتهم البدع فهي منقبة كبرى ُتحمد لهم، ويُمدحون بها ، بل إن اهتمام هذه الدعوات بالعقيدة ومحاربة الشركيات والبدع يُؤيد القول بأنها من الدعوات التي تنسب إلى أهل السنة والجماعة ، والطائفة المنصورة ، والفرقة الناجية ، لتوافر أكثر صفاتهم فيها أكثر من غيرهم .

ثانياً: ومن الأخطاء التي وقعت فيها غالب الحركات والجماعات بسبب ضعف صلتها بمنهج السلف الصالح : ضعف الاهتمام بالعلوم الشرعية ، تعلماً وتعليماً . وهذا الخلل يوجد لدى أغلب الحركات الإسلامية المعاصرة غير السلفية ، فهي لا تولي هذا الجانب عناية كافية على العموم ، كما أنه قل أن تجد فيها ومن أتباعها علماء متضلعين في العلوم الشرعية ، وأحياناً يوجد بين الحركات والدعوات الإسلامية وبين أفراد من العلماء المتمكنين في علوم الكتاب والسنة بعض الجفوة ، وربما يكون سبب هذه الجفوة أن هؤلاء العلماء - خاصة علماء السنة - متفوقون في العلوم الشرعية ، وأتباع الحركات دونهم ، ولم تهتد الدعوات إلى الأسلوب الأمثل للإفادة من علم أولئك .

ومما يُؤلم أن فكرة التحرر من بعض العلوم الأصولية ، وغير الأصولية ، من العلوم الشرعية ، كعلوم الحديث والعقيدة وأصول الفقه والفقه ، بدعوى ضرورة التجديد ، قد سرت وأثرت أثرها السلبي في كثير من الدعاة اليوم ، لا سيما مع الجهل بقيمة هذه العلوم التي يرتكز عليها الدين .

وأنه ليحزنني كما يحزن كل مسلم أن يقول أو يعلن هذه الحقيقة، لكنه واجب النصيحة ، وهي : أننا لو تأملنا واقع أكثر الدعوات والدعاة لوجدناهم من المصابين بالضحالة في العلوم الشرعية ، وقلة البضاعة من نصوص الكتاب والسنة ، وتراث سلفنا الصالح ، قرآءة وحفظاً وتدبراً وعلماً وعملاً . مما نجم عنه التخبط في العقيدة والأصول والأحكام والمواقف ، وضعف التمسك بهدي القرآن والسنة ، ولو أنهم امتثلوا قول الله تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ سورة التوبة ، الآية : 122 ] .

أقول : لو أن تلك الدعوات المعاصرة جندت طوائف منها للتخصص في علوم الدين والعمق فيها ; لكان لذلك الأثر العظيم .

والرسول- صلى الله عليه وسلم - يقول : " من يُرد الله به خيراً يفقه في الدين "

ثالثا: ومن تلك الأخطاء : التعصب والحزبية والغرور :

وهذه السمة - مع الأسف - سمة غالبة في أكثر الجماعات والحركات الإسلامية الإصلاحية ، فكل حزب بما لديهم فرحون، وكل فريق يرى أنه الجدير بالاتباع ، والجدير بقيادة الأمة ! ، وأنه الذي يملك القدرة على حل مشكلاتها .

ومن الحركات من ينظر إلى غير منسوبي جماعته من عامة المسلمين أو من الدعوات والدعاة الآخرين ، على أنهم بدرجة أقل من الجدارة والتفكير والإدراك للمصالح ، أو على الأقل أنهم ( مساكين ) ينظر إليهم نظرة إشفاق وإهمال .

وربما تدّعي بعض الحركات أنها ( جماعة المسلمين ) ، أوأنها الأجدر بهذا الوصف !.

وقد أدى الغرور لدى بعض الحركات الإسلامية بأن جعلها تستهين بالعلوم الشرعية ، وبالعلماء المتمكنين في علوم الشريعة الذين لا ينتمون إليها ، ورمى بعضهم بالتغفيل وقصور التفكير وضيق الأفق لأنهم لم يواكبوا هذه الدعوة والحركة أو تلك ، أو أنهم ربما اهتموا بإنكار المنكرات بطريقة بدائية ، بل ربما ذهبوا للحكام والسلاطين لمناصحتهم أو نحو ذلك .

أليس هذا هو الغرور القاتل ، والجهل بمنهج السلف الصالح ؟.

رابعاً: ومن تلك الأخطار التي ترتبت على الجهل بمنهج السلف : التفرق والاختلاف ، وهذا - مع الأسف - من أبرز سمات الحركات الإسلامية القائمة .

وهذه السمة قد ذمّها الله - تعالى - ونهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال الله - تعالى- :{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [ سورة آل عمران ، الآية : 103 ] .

وقال - تعالى - : { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } [ سورة آل عمران ، الآية : 105 ] .

وقال الله - تعالى - { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } [ سورة الأنعام ، الآية : 159 ] .

وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- : " ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا " . [3]

ومع شدة النهي عنها في الدين ; فقد وقعت فيها بعض الحركات الإسلامية والدعاة المعاصرون ، على الرغم من إلحاح الحاجة إلى الاجتماع على الحق وعلى الكتاب والسنة ، فالدعوات المعاصرة لا تزال متفـرقة في مناهجها وأهدافهـا وأساليبهـا وأعمالها ، وتعلن هذا الخلاف وتصعّده . بل حتى تلك الدعوات المتشابهة في المنهج ، أو بعضه ، تنزع إلى الاستقلالية والتفرق واصطناع الاختلاف في واقع أمرها ، مما يدل على أن المشكلة في رؤوس الأشخاص أنفسهم ، وأهوائهم ، والسبب الرئيسي لذلك ضعف الصلة بالكتاب والسنة والأثر ، وبمنهج السلف الصالح ( لدى الغالبية ) ، والتعصب والحزبية والغرور ، ثم عدم الالتزام بعقيدة أهل السنة والجماعة التي تقضي بوجوب الاجتماع على الحق ، والاعتصام بحبل الله المتين ، وتزول بها أسباب الاختلاف في الدين .

وأنا لا أطلب من الحركات والدعاة أن يجتمعوا على ما هم عليه من مخالفات عقدية وسلوكية لمنهج السلف ، فهذا تلفيق أبرأ إلى الله أن أدعو إليه ، إنما المطلوب من الجميع الإجتماع على الحق ، والحق واضح من خلال كتاب الله ، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وتراث سلفنا الصالح .


خدمات المحتوى
    زيارات 1608


أ.د ناصر العقل
تقييم
1.13/10 (5 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري