في
الثلاثاء 28 ذو الحجة 1438 / 19 سبتمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

23-ذو القعدة-1430 11:04 PM

يحسن بنا ونحن نتحدث عن الفرق بين الاختلاف والافتراق التنبيه على بعض الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس في هذا العصر ، خاصة الذين يواجهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، مع ضعف في العلم ، وقلة الفقه في الدين ، أو قلة التجربة ، أو قصور أو انحراف في التصور ، وأخص بعض رواد الدعوة الإسلامية المعاصرة .

فمن هذه الأخطاء :

الخطأ الأول : إنكار أن يكون في الأمة افتراق ، وينبني عليه نزوع بعضهم إلى إنكار حديث الافتراق الذي ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم - وسيأتي الكلام عنه تفصيلاً بعد قليل ، وهذا خطأ فادح ، أن يميل بعض الناس أو يدعي أنه ليس في الأمة افتراق ، وهو بذلك يزعم أنه يريد أن يظهر حسن النية في الأمة ، وأن يعامل الأمة بالظاهر ، ومن هنا يتنكر لحديث الافتراق أو يؤوله ، أو يصرف الافتراق إلى فرق خارجة عن الإسلام قطعًا ، أو إلى فرق في الأمة هي من غير المسلمين ، وهذا خطأ فادح ، بل هو معارضة صريحة لأخبار النبي – صلى الله عليه وسلم- ، بل الأخبار القاطعة في الكتاب والسنة ، تدل على وقوع الافتراق [1] ، فالأمة فعلاً فيها افتراق وهذا حق ، والافتراق من الابتلاء ، والحق لا يتبين إلا بضده ، والله سبحانه وتعالى كتب منذ الأزل ألا يبقى على الحق إلا الأقلون ، وعلى هذا فإن القول بوقوع الافتراق لا يعد إساءة ظن بالأمة ، بل هو أمر واقع لابد من الاعتراف به ، ولابد من تصديق خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه كما أخبر ، وكون الافتراق يقع في الأمة لا يعني أن الإنسان يُسلم بالأمر الواقع ، أو يزعم أن المفارقة مشروعة ، أو يرضى بأن يفارق أو لا يتحرى الحق ولا يبحث عنه استسلامًا لقدر المفارقة ، بل إن وقوع الافتراق هو دافعٌ لكل مسلم بأن يتحرى الحق ويستمسك به ، ويعرف الشر ليحذره ويتجنب مسالكه ، وليعلم أن الحق لا بد متحدّد في نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي نهج صحابته ، ونهج السلف الصالح.

الخطأ الثاني : وهو قد يتخذ ذريعة للمفارقة ، وهو يقابل الخطأ الأول بالتمام وهو اعتقاد أن المفارقة ما دامت أمرًا واقعًا فهذا يعني أن الأمة تقع فيه برضى وتسليم ، وأنه يشرع للدعاة أن يرضوا بواقع الافتراق ويسلموا به ، وأن يقبلوا هذا الضلال دون أن يسعوا لعلاجه ، وأنه لا يضر المسلم أن يكون مع أي فريق كان ؛ لأن المفارقة أمر واقع ، فعلى المسلم أن يذهب مع من يعجبه من أهل الأهواء وأهل الفرق ، أو يتعاطف معهم ، أو يسعى لجمعهم على ما هم فيه من افتراق .

وهذه أيضًا دعوى باطلة ، بل هي تلبيس على المسلمين ، فلا يجوز أن يكون الخبر عن الاختلاف ذريعة للمفارقة ، أو ذريعة للرضى بالبدع ، أو ذريعة للرضى بالأهواء والرضى بالخطأ ؛ لأن الخبر عن الافتراق في الدين جاء بمعرض النهي والتحذير الشديد ، ولقد وصل الأمر عند البعض ممن ينتسبون للدعوة أن يقول ما دام الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأن الأمة ستفترق ، فإذًا لابد أن نرضى بالبدع ونقرَّها أمرًا واقعًا ، ونرضى بالأهواء ونُقرها أمرًا واقعًا ، ونسلم للأمر الواقع ولنعرف بأنه لا ديـن إلا بدخن !! وهذه دعوى باطلة ، بل هي من مداخل الشيطان على الإنسان ، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما أخبر عن الافتراق ، أخبر بأنه ستبقى طائفة من هذه الأمة على الحق ، ظاهرة منصورة [2] ، ظاهـرة بالحق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وهذه الطائفة تقوم بها الحجة ، ويهتدي بها من أراد الهدى ، ويقتدي بها من أراد الحق والخير والسنة ، فإذًا الحجة لابد أن تكون قائمة ، والحق لابد أن يظهر ، ولا يمكن أن يخفى على كل ذي بصيرة ، ولا على كل من يريد الحق ويسعى إليه صادقًا ، فإنه من يتق الله يجعل له مخرجًا ، فما دام الحق واضح والسنة قائمة فلا يجوز للداعية ولا لغيره أن يعدل عن السنة مهما قل اتباعها ولا أن يستسلم ويرضى بالبدع والأهواء مهما كثر أتباعها ، فإن الفرقة الناجية واحدة من ثلاث وسبعين فرقة - فافهم رعاك الله - .

فمن هنا كان الرضى بالبدع والأهواء على أنها أمر واقع لا يجوز شرعًا ، بل هو تلبيس عل المسلمين ، وهو أيضًا تحقيق للباطل ، وإعراض عن الحق ، واتباع لغير سبيل المؤمنين ، نسأل الله السلامة .

الخطأ الثالث : خطأ الذين يجعلون من الاختلاف ذريعة للتسرع في وصف المخالفين بالخروج ، أو المفارقة ، أو المروق من الدين ، وما يستتبع ذلك من الاستعجال في الحكم على المخالفين دون رجوع إلى قواعد الشرع وأصول الحكم ، ومناهج أئمة الدين في ذلك ؛ لأن التكفير له ضوابطه وأصوله ، حتى مع مرتكبي البدع والأهواء ؛ لأن ترتيب الأحكام عليهم بالكفر أو بالبراء والبغض والهجر ، والتحذير من المخالف مطلقًا ، دون التثبت ودون إقامة الحجة لا يجوز ، أعني بذلك أنه لا ينبغي لكل من رأى أي بدعة في شخص أن يصفه بالمفارقة ولا كل من رأى أمرًا مخالفًا للشرع والدين والسنة أن يصفه بالمفارقة ؛ لأن من الناس من يجهل الأحكام ، والجاهل معذور حتى يعلم ، ومن الناس من يكون مكرهًا في بيئة ، أو في مكان ما ، كما يحدث في بعض البلاد الإسلامية التي يُكره فيها المسلمون - مثلاً - على حلق اللحى ، أو على ترك الجماعة ، أو على التلفظ بالكفر ، أو على ممارسة بعض الأعمال التي لا تجوز شرعًا ، ويكرهون على ذلك ، ولو لم يفعلوا لقتلوا ، أو عذبوا ، أو انتهكت أعراضهم ، أو نحو ذلك .

إذًا فإن عارض الإكراه لابد أن يرد في ذهن الحاكم على الناس بأي حكم من الأحكام ، وقد يكون فاعل البدع أو معتقد الضلالة متأولاً ، ولم تقم عليه الحجة ، فلابد من إقامة الحجة على الناس ، فقد يرى أحدنا منا إنسانًا يرتكب بدعة من البدع التي عادة إنما يرتكبها أهل الافتراق - كبدعة المولد مثلاً - فإذا فعلها إنسان عامي جاهل فلا يعني أن يوصف بالضلال ، حتى يُبيّن له الأمر ، وتقام عليه الحجة ، ولا أن يوصف بالافتراق ، أما فعله فيوصف بالابتداع ، لكن لا يوصف بأنه مفارق أو أنه خارج عن الجماعة ، أو أنه من الفرق الهالكة بمجرد رؤية بدعة أظهرها حتى تقام عليه الحجة ، اللهم إلا البدع المكفرة ، وليس المقام هنا يتسع للكلام عنها.

بل اتهام الناس بالمفارقة للدين فيما هو دون الأصول من البدع والمخالفات والمحدثات لا يجوز ، بل هو من التعجل المذموم ، وينبغي على من رأى شيئًا من ذلك أن يتثبت وأن يسأل أهل العلم ويفترض أن المسلم الذي وقع في ذلك جاهل ، أو متأول ، أو مقلد يحتاج إلى نصح ، وبيان ، وإرشاد ، وأن يعامل ابتداءً بإشفاق ورفق ؛ لأن القصد هدايته لا تجريحه .

الخطأ الرابع : الجهل بما يسع فيه الخلاف وبما لا يسع ، أي عدم التفريق عند كثير من المنتسبين للإسلام ، بل ومن المنتسبين للدعوة ، بين ما هو من أمور الخلاف ، وما هو من الأمور التي لا يصح فيها خلاف ، وأضرب لذلك أمثلة :
1- من الناس من يعد بعض المسائل الخلافية من القطعية والأصول دون أن يرجع إلى أصول أهل العلم ، وإلى أقوالهم أو دون أن يهتدي بأهل الفقه في الدين ، الذين يبصرونه في هذه الأمور .
2- ومن ذلك عدم التفريق بين الأمور المكفرة وغير المكفرة .
3- عدم التفريق بين البدعيات الكبرى وما دونها والبدعيات المخرجة من الدين أو المكفرة ومـا دونها ، كثيرًا مـن الأخطاء التي تحـدث مـن الأشخـاص ، أو مـن الهيئـات ، أو من الجماعات - ويكفرهم بعض المتعجلين بسببها - هي ليست كذلك ، فإن بعض الناس إذا عرف بأصل من الأصول التي تكفر ، كالقول مثلاً بأن القرآن مخلوق طبَّقه على كل قائل بهذه المقولة دون الأخذ بأحكام التكفير ، وهكذا في بقية المسائل ، وعدم التفريق بين الأصل وبين الحكم على المعين أمر مخالف لأصول السلف وأصول أهل السنة والجماعة .

إن أهل السنة والجماعة يفرِّقون بين الأحكام العامة بالكفر ، وبالفسق ، وبالتبديع على وجه العموم ، وبين الحكم على المعين ، فقد نحكم على عمل أو شيء ما بأنه كفر ، ونحكم على مقولة ما من المقولات بأنها كفر، وهذا لا يعني أن كل من اعتقد أو فعل هذا الكفر يكفر ، ولا كل من قال بهذا القول يكفر ، هناك كثيرون لا يفرقون في هذه المسائل فيُكفّرون باللوازم ويُكفّرون دون الأخذ بضوابط التكفير ، مع أن الكفر لا يجوز إطلاقه حتى يتم التثبت ، وبيان الحجة وإقامتها ، وبيان الدليل ومعرفة عدم وجود العوارض المانعة من إطلاق التكفير على المعين ، كالجهل وعدم وجود الإكراه ، وعدم وجود التأول . وهذه مسألة تحتاج إلى مقامات طويلة ، وإلى مقابلة للأشخاص ، وإلى الجلوس إليهم ، ونقاشهم ونصيحتهم ، أما أن نرتب أحكام الكفر على كل من ظهرت منه حالة كفر ، أو مقولة كفر ، أو اعتقاد كفر ، فإن هذا لا يجوز إلا في الأمور الكبرى التي تعلم من الدين بالضرورة ، كمن أنكر شهادة ألا إله إلا الله ، فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره ، أو من أنكر شهادة أن محمدًا رسول الله ، فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره ، أو من سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا معلوم من الدين بالضرورة كفره ، لكن هناك من أصول الدين ما تخفى دقائقه وتفصيلاته ، وألفاظ الاعتقاد به على العامة ، ومن في حكمهم كمسائل الصفات ، ومسائل القدر ، ومسائل الرؤية ، والشفاعة ومسائل الصحابة ، وغير ذلك من الأمور التي لا يعلمها العامة تفصيلاً ، بل تخفى حتى على بعض من ينتسبون إلى العلم ، تخفى عليهم تفاصيلها ، وربما يتلفظ بعضهم بلفظ كفر ، وهو لا يشعر ، أو وهو لم يعتمد أو هو لا يدري ، أو لم يتمعن العبارة ، فهل هذا يحكم بكفره ابتداءً ؟ طبعًا لا .

إن من أشد الأخطاء التي يقع فيها كثيرون من الذين يتعرضون للحكم على الناس - خاصة بعض صغار طلاب العلم والأحداث منهم ، الذين لم يتفقهوا في الدين على أهل العلم ، إنما أخذوا العلوم الشرعية عن الكتب والوسائل دون الاهتداء ، ودون اقتداء ، دون مراعاة للأصول ، ولا معرفة بأصول الاستدلال وأصول الأحكام - هؤلاء يقع بعض منهم في هذه المسائل الخطيرة ، وهي عدم التفريق بيت الأصول وبين تطبيق الأصول على الجزئيات والحوادث والنوازل .



فأحكام الكفر والتكفير وأحواله ، لا تعني تكفير كل شخص يقول بها ، أو يعملها ، أو يعتقدها ، وأحكام الولاء والبراء ، مثل أحكام التكفير ، لا تعني تطبيق هذا الولاء والبراء على كل من يظهر منه موجبه ، حتى يتم التأكد ، أقصد بذلك البراء بخاصة ، أما الولاء فهو الأصل لكل مسلم ، ولا يجوز التوقف والتبين في الولاء إذا الولاء واجب لكل من يظهر منه الإسلام ، حتى يظهر ويتأكد ما يخالفه .

كذلك عدم اعتبار المصالح والمفاسد أو الجهل بقواعد جلب المصالح ودرء المفاسد سبب من أعظم أسباب الوقوع في هذه الأخطاء وأمثالها .

------------------------
[1] ستأتي النصوص القاطعة الدالة على وقوع الافتراق في فصل لاحق .

[2] ونص الحديث قوله - e - : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ) وهو عند مسلم ، والترمذي ، وابن ماجه .


خدمات المحتوى
    زيارات 1753


أ.د ناصر العقل
تقييم
1.32/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري