في
الجمعة 6 ربيع الأول 1439 / 24 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

23-ذو القعدة-1430 11:02 PM

لا يشك متأمل في واقع المسلمين ما للصحوة المعاصرة من أثر واضح في رجوع كثير من أفراد هذه الأمة إلى دين الله عز وجل وتبصرهم بكثير من أحكام هذا الدين ومعرفته واطلاعهم على ما يدور حولهم ومهما كان على هذه الصحوة من بعض السلبيات التي لا يكاد يخلو منها البشر إلا أن لها أيضا خصائص لا بد من الوقوف عندها.
وأقصد بالخصائص هنا : الجوانب الإيجابية التي تتميز بها هذه الصحوة المباركة وهي جوانب متعددة إلا أنه يمكن رؤيتها في النقاط التالية :

أولاً : أهم هذه الخصائص وأبرزها لكل ناظر هو سرعة الانتشار ، وسرعة النمو ، والتكامل بشكل مذهل ، وهذا ما شهد به جميع المراقبين لهذه الظاهرة على اختلاف اتجاهاتهم .

ثانياً : التميز بالقوة والصلابة في الحق عند كثير من أبناء هذه الصحوة ، على الرغم مما يكتنف ذلك من بعض المظاهر المزعجة ؛ كالعنف ، والغلو في بعض الأمور ، والتعالي والتعالم والغرور ، إلا أن ذلك قليل – بحمد الله – ولا يشكل سمة عامة لاتجاه الصحوة .

ثالثاً : الإقبال والحرص على التزود من العلم الشرعي والفقه في الدين ، وهي ظاهرة إيجابية تبشر بالخير ، وتبعث على الفأل .
إن إقبال المسلمين عموماً ، والشباب على وجه الخصوص ، على التزود من العلم الشرعي الصحيح ، وبالطرق الشرعية المنضبطة ، لمن أبرز خصائص هذه الصحوة وأقواها ؛ لأن العودة إلى العلم الشرعي هو في حقيقته عودة إلى الدين ، والعودة إلى الدين هو هذه الصحوة التي نتحدث عنها في هذا البحث .

رابعاً : الحرص على السنة والجماعة في الجملة ، وهذا لا يعني أن الصحوة كلها تسلك هذا الطريق أو تحققه ، إلا أن اتجاهات الصحوة المتعددة يظهر منها الحرص على ذلك ، إذ أن دعاوى الالتفاف حول مفهوم أهل السن والجماعة ، ورفع شعار السنة والجماعة من الأمور التي تبرزها الصحوة باتجاهاتها كافة .
لكن مع ذلك فقد يكون هناك شيء من التقصير وسوء الفهم لمعنى السنة والجماعة عند البعض ، ولمناهج أهل السنة والجماعة عند آخرين ، أما جدية الإقبال على السنة فهي موجودة وظاهرة في أكثر فصائل الدعوة والصحوة ، وفي كثير من بلاد العالم .
ولذا فإنه يجب على أهل العلم والاختصاص أن يقوموا بواجبهم في نشر السنة والعلم بكل وسيلة ، وأخص العلماء وطلاب العلم في هذه البلاد لما حباهم الله – تعالى – من صفاء العقيدة والفقه في دين الله ، فإنهم يجب أن ينطلقوا لنشر هذا الدين الصحيح ، وتبليغ العلم والسنة إلى الناس كافة ، كما فعل أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأئمة الدين من سلفنا الصالح .

خامساً : محاولة التخلص – في الأغلب – من البدع والمحدثات في الدين ، ومن آثار الجهل والافتراق ، التي هيمنت على الأمة في عصورها المتأخرة ، والدعوة إلى نبذ البدع والإحداث في دين الله – عز وجل – قد صاحب هذه الصحوة منذ بدايتها وكانت سبباً رئيساً في تميزها عن غيرها من الدعوات التي ترعى البدعة وتعمق الفرقة ، وتنشر الخرافة وتروجها .

سادساً : من سمات الصحوة الاعتزاز بالدين والسنة ، وما يستلزمه ذلك من رفع شعار الولاء والبراء ، الولاء للمؤمنين وللإسلام ، ولحق وأهله وأنصاره حيثما كانوا ، والبراء من الكافرين ، والباطل وأهله وأنصاره حيثما كانوا ، وإخراج المسلمين من وهدة الخنوع والذل والشعور بالصغار والشعور بتفوق الأجنبي.
سابعاً : السعي إلى إحياء معاني الجهاد والحسبة ن والمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة ، وهذه المعاني تختلف قوة وضعفاً من بلد لآخر ، بحسب أحواله وأحوال المسلمين فيه ، وبحسب قوة الصحوة أو ضعفها ، وبحسب حجم التحديات التي تواجه الصحوة ، وهذا يختلف أيضاً من مكان إلى مكان .
إن وجود مثل هؤلاء الناس الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويبصرِّون الناس ، ليعد ضرورة من الضرورات إذ حياة الأمة لا تستقيم على الحق بغير هذه الطائفة ، قال – تعالى - : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) . [ سورة آل عمران ، الآية 104 ].
وقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : \" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان \" [1] .
والمتأمل لواقع الصحوة يجد أنها قامت في أكثر البلاد الإسلامية على شكل جماعات ، وسبب ذلك – والله أعلم – يرجع إلى قلة أهل العلم المخلصين ، وإبعادهم عن مراكز التأثير في الأمة ، وخلو أغلب البلاد الإسلامية من السلطة الشرعية .
والناظر إلى عمومات النصوص وقواعد الشرع ، ومناهج أئمة الدين يجد أن الأمة بجماعتها – جماعة أهل الحق والسنة – مخاطبة بإقامة الدين ، ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) [ سورة الشورى ، الآية 13 ] . مما يفهم منه أن الاجتماع على الدعوة والحسبة مشروع أصلاً ، لكن له ضوابطه وشروطه ، وبعض هذه الجماعات يخل بالضوابط والشروط أو بعضها ، حيث لا تخلو ساحتها من مظاهر الحزبية والتنازع والخصومات ، وقلة الفقه في الدين ، وضعف العلم الشرعي ، واتباع الرءوس الجهال ، والابتعاد عن أهل العلم ، والقصور في فهم مناهج السلف في العقيدة والعمل ، وفي أسلوب الدعوة وأداء النصيحة ونحو ذلك .
ومن العدل أن نعترف بذلك كله ، إلا أن هذه الملاحظات وإن كان بعضها منهجياً ومخلاً لا تمنع من وجود الحسنات الكثيرة الأخرى التي هي أشد تأثيراً في مسيرة الصحوة من هذه الملاحظات التي هي من لوازم البشر .
فنحن إذا تأملنا واقع المسلمين على وجه العموم نجد أن أكثر الجماعات – على ما فيها – خير وأصلح من غيرها ممن لم يقوموا بواجب الدعوة ، واكتفوا بإصلاح أنفسهم وذويهم فقط ، وعليه فإن الواجب هو ترشيد هذه الصحوة ودعمها واستصلاحها وتعليمها وربطها بالعلماء والمشايخ ليكونوا هم المرجع والمصدر وأهل الرأي والمشورة فيها ، لا أن نشهر بها ، ونضخم من أخطائها ، لتطغى العيوب والنقائص على المحاسن والفضائل ، فهذا ليس من سبيل أهل الإيمان والإنصاف . لأن الله – تعالى – أمرنا بالعدل : ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ) . [ سورة المائدة ، الآية 8 ] .
يقول سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز – حفظه الله ورعاه – وقد سئل : \" هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية لاحتضان الشباب وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر ؟ \" .
فأجاب – وفقه الله - : \" وجود هذه الجماعات الإسلامية خير للمسلمين ، ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله وألا تتنافر بعضها البعض ، وأن تجتهد بالتعاون فيما بينها وأن تحب إحداها الأخرى وتنصح لها ، وتنشر محاسنها ، وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها .
ولا مانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وعليهم أن يترسموا طريق الحق ويطلبوه ، وأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم ، وأن يتعاونوا مع الجماعات فيما ينفع المسلمين بالأدلة الشرعية ، لا بالعنف ولا بالسخرية ، ولكن بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن ، وأن يكون السلف الصالح قدوتهم ، والحق دليلهم ، وأن يهتموا بالعقيدة الصحيحة التي كان عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، وصحابته – رضي الله عنهم – \" [2].

ثامناً : رفض مظاهر الفسق والانحلال والذلة والتبعية والتشبه والانهزامية التي هيمنت على الأمة في الآونة الأخيرة .
وأقصد بذلك أن المسلمين – بتأثير من الصحوة المباركة – بدا عندهم شعور بضرورة العودة إلى الإسلام ، مما نتج عنه شيء من ردة الفعل – المعتدلة أحياناً والعنيفة أحياناً – ضد مظاهر الفسق والانحلال والرذيلة .
وربما يكون من أقوى أسباب هذه العودة إلى الإسلام هو هيمنة الفساق ، وهيمنة العلمانيين على العالم الإسلامي ، وما سعوا إليه من الحكم بغير ما أنزل الله ، ورفض دين الله وشرعه، والإعراض عن الهدى ، وإعلان مظاهره الانحلال ، والخروج عن ضوابط الفضيلة والحشمة.
إن هذا يعد من أعظم أسباب سرعة التنامي في ظهور هذه الصحوة بل وفي ظهور جميع الدعوات التي تنادي بالعودة إلى الإسلام من جديد .
ولذلك فإنه يجب على من يدرس ظواهر التشدد والغلو عند بعض شباب الأمة ألا يغفل هذا الأمر ، وهو أن السبب الأول لظهور العنف والتشدد والغلو عند بعض الشباب هو هيمنة العلمانية ، وفرض تعاليمها الخبيثة التي تدعو إلى الرذيلة والبعد عن كل مظهر من مظاهر التدين ، وتعرض عن حكم الله ، وتصد عن سبيل الله وشرعه ، وتقف حجر عثرة دون العمل بالشريعة الإسلامية في كثير من بلدان المسلمين ، فهي المسئول الأول والسبب الأساس في وجود ظاهرة العنف لدى قلة من الشباب المنتسب للصحوة الإسلامية .
فمظاهر العلمنة المتعددة تستفز كل ذي غيرة وحمية ، فهي نبتة شاذة في بلاد المسلمين ، داء خطير يجب أن يزول من جسد هذه الأمة ، ولذلك كان بقاؤها ، وامتلاكها لسلطة القرار في كثير من ديار المسلمين من أكبر أسباب بروز ذلك التشدد المعاكس .
إذاً فالعلمنة إنما هو تطرف ولَّد تطرفاً مضاداً ، والوسطية – أعني العمل بشرع الله – هي الحل ، لكسر تطرف الجانبين ، أما ما يسلكه العلمانيون من مطاردة الشباب المسلم بالقوة البوليسية والحرب الإعلامية ونحوها فما هو إلا تصعيد للمشكلة ، حتى وإن أدى إلى بعض الحلول الوقتية .
ولكن على الشباب ألا يندفعوا إلى مواجهات قد يورطهم بها خصوم الدعوة ، وربما يؤخر مسيرة الخير ما لا يعلمه إلا الله .
ونعلم جميعاً أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، وعلى الشباب أن يرجعوا إلى أهل العلم والفقه في الدين في كل خطوة يعملونها استجابة لأمر الله – تعالى - .

تاسعاً : من خصائص الصحوة أيضاً الاهتمام بأمور المسلمين وقضاياهم في كل مكان ، والمراقب المنصف يجد أن من أكبر حسنات هذه الصحوة أنها أيقظت المسلمين لشعور بعضهم بمعاناة البعض ، ونبهتهم إلى ضرورة الاهتمام بأمور المسلمين في أي مكان من العالم ، وأوجدت لديهم الشعور بضرورة التكافل والتعاون والتناصر ، والتآزر ، والتناصح، وأبعدت عنهم أمراض الإقليمية الضيقة والعصبية والانطوائية وغيرها التي غرسها الجهل والبدع ، وعمقها الاحتلال والأفكار والثقافات الوافدة المستوردة ، وأذكتها الأنظمة الإعلامية بشتى أشكالها ووسائلها .

عاشراً : محاولة النهوض بالأمة في كل مناشط الحياة ، لذا نجد أن أكثر الناس جدًّا وإسهاماً في إخراج الأمة من وهدتها وضعفها وذلها هم شباب هذه الصحوة .
ولو أتيحت لهم فرص الإسهام المباشر لكان للأمة وضع غير ما هي عليه ، أعني لو مكَّن أهل الصلاح والخير والاستقامة وأهل العلم والفضل من الإسهام الإيجابي في أمور حياة الأمة في دينها ودنياها لنهضت الأمة نهضة جبارة ولقارعت غيرها من الأمم ، وهذه سنة من سنن الله التي لا تتخلف ولا تتبدل ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) [ سورة النور ، الآية 55 ] .
فمن حسنات هذه الصحوة وخصائصها الطيبة أنها تسعى وتحاول جادة النهوض بالأمة في كل مناشط الحياة على الرغم مما يحدث من صدها وإبعادها عن مراكز التأثير والإنتاج والعمل الإيجابي .

الحادي عشر : السعي إلى الارتقاء بالدعوة في وسائلها وخططها وأساليبها من الارتجاليات والعفويات والطرق والوسائل البدائية والفردية إلى العمل المؤسسي والمنهجي والإداري المدروس الذي يفيد من الإمكانات المتاحة للأمة ن وهي الإمكانات المعاصرة الجبارة والوسائل المتوفرة التي لو استخدمت في نصرة الحق لعم الخير ، ولساد الإسلام والسلم والرخاء .

وأخيراً : من أبرز خصائص هذه الصحوة أنها عالمية خرجت من نطاق الإقليمية الضيقة ، ومن نطاق الوطنية المقيتة ومن الجاهلية القومية الشعوبية ، وإن كان هذا شيئاً نسبياً يختلف باختلاف الجماعات والبلاد والأفراد ، لكن هذه سمة عامة تتميز بها الصحوة في عمومها ، فهي صحوة عالمية تحمل هموم المسلمين في كل مكان ، وتحمل غايات الإسلام ساعية لتحقيقها بما أوتيت من قوة ، وذلكم من الأسباب الجالبة لنصر الله – تعالى – وتأييده لعباده المؤمنين ، قال – تعالى - : ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) . [ سورة الحج ، الآية 40 ] . ولعل هذه السمة مما أزعج أعداء الإسلام ، وجعلهم يتكالبون عليها ، وتلك سنة الله – تعالى – في عباده ( ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) [ سورة الأنفال ، الآية 8 ] .
إذاً فيجب على شباب الصحوة ألا يهولنهم المر ، وليبشروا ويؤملوا خيراً ، فإن هذا الزخم الهائل والإرجاف نوع من انتفاشة الباطل ، ولم يحدث إلا نتيجة لظهور الحق ونموه ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) [ سورة الأنبياء ، الآية 18 ] .



------------------------
[1] أخرجه مسلم رقم 49 .
[2] مجلة الحرس الوطني – جمادى الآخرة – عام 1413هـ ركن الفتاوى


خدمات المحتوى
    زيارات 1936


أ.د ناصر العقل
تقييم
1.13/10 (5 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري