في
الجمعة 6 ربيع الأول 1439 / 24 نوفمبر 2017

جديد الأخبار والمقالات

23-ذو القعدة-1430 10:59 PM

شهد العصر الحديث صحوة إسلامية واضحة على جميع المستويات وتكاد تكون هذه الصحوة سارية في جميع بلاد المسلمين ونظرا لأهميتها وللأثر الذي أحدثتها كان لا بد أن نقف معها وقفة مؤازرة ومناصرة وتوجيهها الوجهة الصحيحة حتى لا تنحرف عن الجادة وتخرج عن الطريق
هناك كثير من الاقتراحات والتوجيهات يمكن الاستعانة بها في توجيه الصحوة إلى الاتجاه الصحيح ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي :
أولاً : يجب أن يكون من أسس الدعوة إلى الله في هذه الصحوة المباركة الالتفاف حول العلماء بكل ما تعنيه الكلمة ، وذلك بتلقي العلم عنهم ، وتوقيرهم ، واعتبار رأيهم ، والذود عنهم ، وإحسان الظن بهم ، والأخذ بتوجيهاتهم ، ومشورتهم في الأمور كافة ، وإذا أشكل على طالب العلم شيء من كلامهم ، فليراجعهم بالأدب والاحترام ولا يتقدم بين أيديهم بالقول ؛ لأنهم أهل الذكر ، وأهل الحل والعقد في الأمة ، وهم القدوة ، وأهل الشورى ، ومن استهان بهم وغمطهم حقوقهم ، واخذ يشنع عليهم فهو على شفا هلكة ، وهو حريّ بأن يفتن ، نسأل الله العافية .

ثانياً : الخروج من دائرة الحزبيات والجماعات والشعارات والاتجاهات ، وتحرير الولاء للإسلام والمسلمين ، وللسنة والجماعة ، والالتفاف على أهل العلم أئمة الدين .
إن الخروج من دائرة الحزبية والجماعات والاتجاهات التي أدت إلى كثير من التنازع والخصومات والتهاجر والبعد عن العلماء وإلى التتلمذ على الصغار ، ضرورة من ضرورات تصحيح مسار الصحوة الإسلامية المباركة .

ثالثاً : ضرورة اهتمام العلماء وطلاب العلم بالصحوة برعايتها وانقطاع فريق منهم لتوجيهها وتعليمها ، ولتسديدها وترشيدها وحل معضلاتها التي هي معضلات الأمة جميعاً والتي لابد من حلها .
ولا نتصور أنه يوجد في شباب الصحوة غير العلماء من يتمكن من الحل إلا بأساليب قد لا تكون شرعية ، أو بأساليب متهورة ، وربما تفسد أكثر مما تصلح .
وتلكم المعضلات كبيرة وكثيرة مثل أحكام التعامل مع الأنظمة العلمانية في البلاد الإسلامية التي يهيمن عليها النظام العلماني ، ومثل التحاكم إلى غير شرع الله ، وما يترتب عليه من آثام ومعضلات ومصائب ، ومواقف يقع فيها المسلم في الحرام بالضرورة ، خاصة في البلاد الإسلامية التي خلت من السلطة الشرعية ، ولا يوجد فيها إمام ولا بيعة شرعية ، فما موقف المسلم منها ؟ وكيف يتعامل مع الهيئات والمؤسسات في بلاد قد تعطلت فيها الحدود والجهاد والأمر بالمعروف والنهي والقضاء بشرع الله .
هذه من القضايا والمعضلات التي يجب أن يهتم بها العلماء ، ولا نجد عند أغلب فصائل الصحوة القدرة على حلها على أسس شرعية ، تراعى فيها نصوص الشرع وقواعده ، والمصالح العظمى للأمة .
وإذا لم يتصد العلماء لها فسوف يواجهها الشباب بأساليب متشنجة – في الغالب – أو بأساليب اجتهادية نخشى أن تؤدي إلى مخالفة شرع الله أو إلى مفاسد وفتن أعظم .

رابعاً : ضرورة التحلي بالصبر في الدعوة إلى الله ، الصبر على المكاره ، والصبر على المظالم ، والصبر على الأذى مع الاستمرار في القيام بواجب الدعوة ، والاستمرار في النصح وعدم التذمر أو الجزع ، أو التوقف لأدنى عائق ، فإن النصر مع الصبر ، فالله – تعالى – وعد عباده إن هم صبروا واتقوا أنه لن يضرهم كيد الكافرين والكائدين فقال – سبحانه - : ( إن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط ) [ سورة آل عمران ، الآية 120 ] .
فيجب على شباب الصحوة وروادها أن يوطنوا أنفسهم على ما يصيبهم من الأذى المعنوي والحسي ؛ لأن ذلك من لوازم الدعوة إلى الله ، لذلك أمر الله – تعالى – بالصبر والمصابرة والمرابطة كما في قوله – تعالى - : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) [ سورة آل عمران ، الآية 220] .
وقال – تعالى - : (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) .
والصبر يستلزم الحلم والأناة والرفق في كل شيء ، فقد أرشد النبي – صلى الله عليه وسلم– إلى الرفق فقال : \"إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف\" [1].
وقال : \" إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه \" [2] ، وقال : \" يسروا ولا تعسروا وسكَّنوا ولا تنفَّروا \" [3].

خامساً : ضرورة القيام بواجب النصيحة بمفهومها الواسع وخاصة الجانب الذي قصرت فيه الصحوة وهو المناصحة لولاة الأمور وتسديدهم بالطرق الشرعية السليمة .

سادساً : لابد من السعي إلى اتفاق الأمة بعلمائها ودعاتها وشبابها ، أعني الاتفاق على المقاصد الكبرى للدعوة إلى الله ؛ لأن دعاوى التمسك بالسنة موجودة عند الجميع ، ودعاوى العودة إلى شرع الله واستئناف الحياة الإسلامية الحق موجودة عند الجميع ، حققها من حققها ، وتخلف عنها من تخلف ن وقصر فيها من قصرَّ ، وجهلها من جهل ، لكن هناك قواعد كبرى لابد من أن تلتقي عليها الدعوة في كل مكان ، بل تكون غاية للمسلمين في مستقبلهم القريب والبعيد . من ذلك :
1- ضرورة تعريف الناس بالله – تعالى – وتوحيده وحقوقه وتطهير قلوبهم وأعمالهم من المحدثات والشركيات والبدع والخرافات ، وعلاج الأمراض العقدية ، وكل ما هيمن على حياة بعض المسلمين مما ينافي التوحيد أو يخل به ، أو ينافي السنة ويخل بها ، وذلك يستلزم نشر العلوم الشرعية السليمة ومنهج السلف الصالح في كل شيء .
2- ومن ذلك الموازنة بين المصالح والمفاسد في كل موقف ذي بال ، وفي كل حدث مهم وخطير ، ومحاولة توحيد كلمة أهل العلم في الأمة في الأحداث والمواقف والفتن وما أمكن ذلك .
3- ومنه السعي لتحقيق وجود أهل الحل والعقد في هذه الأمة على كل مستوى في الأمة كلها ، على مستوى البلدان الإسلامية ، وعلى مستوى الأقاليم ، وعلى مستوى المدن والقرى والأرياف ، وذلك من أجل إعادة الأمة إلى أصولها وموازينها الشرعية ، المتمثلة في الالتفاف حول أهل الحل والعقد وهم أهل العلم وبخاصة البلاد الإسلامية التي فقدت السلطات الشرعية التي تقيم شرع الله وحدوده ، ولم يكن للعلماء القدوة كيان يتمثل فيه وجود الجماعة والقيادة الشرعية .
4- ومن هذه المقاصد التي يجب أن يسعى إليها أهل العلم : ضرورة تحقيق معنى الاتباع أي اتباع السنة واتباع أهل الحق والموازنة بين مصلحة تحقيق الاتباع وبين مصلحة تحقيق الاجتماع وعدم الفرقة ، فإن الاتباع بغير اجتماع فرقة وهلكة ، والاجتماع بغير اتباع للسنة ضلال وفتنة .
فيجب أن يعي ذلك الدعاة وشباب الصحوة جيداً ، يجب أن يكون اتباعهم للسنة ونهج السلف ن وأن يجتمعوا على ذلك ، فإن السنة والافتراق لا يجتمعان كما قال – تعالى - : (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) . [ سورة آل عمران ، الآية 103 ] . وقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي \" [4]. وقال الإمام الزهري : \" وكان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة \" [5].

سابعاً : اطراح الخصومات والنزاعات حول المسائل الخلافية مهما بلغت والرجوع فيها عند المنازعة إلى أهل العلم والذكر ، والتخلي عن أسباب الخصومات من الحزبية والعصبية المقيتة ، فإن النبي ، صلى الله عليه وسلم – قال : \"أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم\" [6].
والمتأمل في واقع الصحوة يجد أن أغلب نزاعاتها حول مسائل خلافية يسع فيها الاجتهاد ولا يضلل فيها المخالف ولا يجوز أن يبغي فيها المسلم على أخيه .

ثامناً : الحفاظ على قواعد التآخي في الدين والاجتماع على السنة والجماعة وإشاعة الألفة والتناصح بين عموم المسلمين وبين خاصة أهل العلم والفضل في إطار السنة والجماعة ، ومن رأى خلافاً أو فرقة أو نزاعاً بين المؤمنين فيجب أن يسعى إلى الإصلاح ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ) [ سورة الحجرات ، الآية 10 ] .
فليتق الله أولئك الذين يغذون الصراع ويفرِّقون بين الدعاة بدعوى التحذير من الأخطاء.

تاسعاً : يجب أن يكون الولاء والاجتماع والتعاون بين المسلمين عموماً وبين شباب الصحوة بخاصة على معاقد الولاء الشرعي ، والأصول التي هي نهج السلف الصالح ، وهي نهج الطائفة المنصورة والفرقة الناجية . بعيداً عن الشعارات والتحزبات والانتماءات لغير السنة فقد جاء عن السلف أن السني \" الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها \" [7].

عاشراً : الحذر كل الحذر من بناء كيان الأمة من جديد بعد صحوتها ويقظتها على شيء من البدع المحدثة أو الموروثة ، أو على أي شعار أو تجمع غير شعار وتجمع السنة ، فإن ذلك لا يزال بالإمكان وفي مقدور الدعاة ورواد الصحوة المباركة ؛ لأن الصحوة في طور البناء والتأسيس ، ويجب أن تقوم على أسس شرعية سليمة خالصة مستمدة من مشكاة النبوة ، مهتدية بهدي خير القرون ، سالكة سبيل المؤمنين ، ولله عاقبة الأمور .

حادي عشر : توصية عامة في التمسك بالسنة واتباع منهج السلف والتحذير من الأهواء والبدع ، وهي جماع ما ذكر سابقاً ، لكني سأذكر فيها طائفة من النصوص وأقوال السلف أئمة الهدى ووصاياهم فأقول :
1- السنة هي ما كان عليه الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه وأئمة الهدى السلف الصالح وهي الجماعة ، فقد بين النبي – صلى الله عليه وسلم ، أن الفرقة الناجية هي الجماعة ، ولما سئل عنها قال : \" ما أنا عليه اليوم وأصحابي \" [8].
2- السنة تعني اتباع منهج السلف والاعتصام بذلك ، وإن لم يكن عليه إلا القليل فلا عبرة بالكثرة ، بل دلت الأخبار الثابتة انه بعد القرون الفاضلة يكون أهل الحق هم الأقلون ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – سماهم طائفة ، وغرباء ، وواحدة من ثلاث وسبعين فرقة ، لكنها على الرغم من قلتها فهي عزيزة ، وظاهرة ، وقائمة بأمر الله لا يضرها من خذلها ولا من عاداها إلى قيام الساعة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : \" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون \" [9].
قال الحسن البصري – رحمه الله - : \" السنة – والذي لا إله إلا هو – بين الغالي والجافي ، فاصبروا عليها – رحمكم الله - ، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى ، وهم أقل الناس فيما بقي ، الذين لم يذهبوا مع أهل الأتراف في أترافهم ، ولا مع أهل البدع في بدعهم ، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم ، فكذلك إن شاء الله فكونوا \" ([10].
فأهل السنة قليل في خضم الفرق والأهواء والبدع ، لكنهم متميزون بإظهار السنة والقيام بشعائر الدين ، ونرى مظاهر ذلك في كثير من جماعات الصحوة الحديثة – بحمد الله - ، وإن تعددت وتباعدت ما دامت تعمل بالسنة وتستمسك بنهج السلف ، قال ابن حجر في الفتح في شرح حديث \" لا تزال طائفة .. \" \" قال النووي : فيه أن الإجماع حجة . ثم قال : يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ، ما بين شجاع وبصير بالحرب ، وفقيه ، ومحدث ، ومفسر ، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وزاهد وعابد ، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد ، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد ، وافتراقهم في أقطار الأرض ، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد ، وان يكونوا في بعض منه دون بعض ، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأول إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد ، فإذا انقرضوا جاء أمر الله . انتهى ملخصاً مع زيادة فيه [11] \" [12].
وقد بين السلف – رضي الله عنهم – أنه لا عبرة بالكثرة ، يقول ابن مسعود – رضي الله عنه - : \" الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك \" [13] . وقال نعيم بن حماد –رحمه الله - : \" إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك ، فإنك أنت الجماعة حينئذ \" .
3- يجب على الدعاة أن يربوا ناشئة المسلمين وأبناء الصحوة على السنة ، في العلم ، والعمل ، والنهج ، ابتداء من تلقينهم النصوص ( القرآن والسنة ) وتعليمهم أسس العلوم الشرعية في العقيدة والأحكام واللغة ، ثم إقراؤهم كتب السلف ، كتب الآثار والسير ، ثم توجيه الطائفة القادرة على التبحر في العلم ، إلى قراءة المطولات في السنن والعقائد والأحكام وسائر العلوم النافعة .
ويجب أن يصاحب هذا وقبله وبعده ، تهيأة الجو الصالح والجلساء الأخيار ، من العلماء وطلاب العلم والصالحين ، أهل الاستقامة والسنة ، يقول ابن شوذب : \" من نعمة الله – تعالى – على الشاب إذا تنسَّك ، أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها \" [14].
يقول عمرو بن قيس الملائي : \" إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه ، وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه ، فإن الشاب على أول نشئه \" [15].
وقال : \" إن الشاب لينشأ فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم وإن مال إلى غيرهم كاد يعطب \" [16] .


بقلم المشرف

__________________________________________________________
[1] مسلم ، الحديث رقم 2593 .
[2] مسلم ، الحديث رقم 2594 .
[3] )البخاري فتح ( 10/524 ) الحديث 6125 .
[4] أخرجه أحمد 4/156 ، وأبو داود 4607 ، والترمذي 2676 ، والحاكم 1/95 ، وصححه ووافقه الذهبي . وصححه الألباني عند أبي عاصم في السنة 1/19 ، 20.
[5] سنن الدارمي 1/45 ، والحلية لأبي نعيم 3/369 ، والزهد لابن المبارك 1/281 .
[6] صحيح البخاري عن عائشة الحديث 4523 .
[7] قالها الإمام أبو بكر بن عياش . انظر اللالكائي 1/65 .
[8] أخرجه ابن بطة في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية رقم 1 ، وحسنة الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم 5219 .
[9] )صحيح البخاري فتح 7311 .
[10] سنن الدارمي 1/72 .
[11] الكلام لابن حجر .
[12] فتح الباري 13/295 .
[13] البدع والحوادث لأبي شامة 22 .
[14] الإبانة لابن بطة رقم 43 .
[15] الإبانة لابن بطة رقم 44 .
[16] الإبانة لابن بطة رقم 45 .


خدمات المحتوى
    زيارات 1827


أ.د ناصر العقل
تقييم
1.13/10 (5 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري