في
الجمعة 10 رمضان 1439 / 25 مايو 2018

جديد الأخبار والمقالات

23-ذو القعدة-1430 10:45 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه
\"الدين النصيحة\"
أيها الأخوة الصوماليون ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد وجه إليكم أكابر العلماء والفقهاء والدعاة أكثر من نداء للكف عن الحرب والاقتتال كان آخرها بيان الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي دعا إلى إيقاف الحرب والجنوح إلى السلم. والذي أوضح بجلاء عظم جريمة القتل والاقتتال مستشهدا بالنصوص الحاكمة المحكمة من الكتاب والسنة فلا داعي لإعادتها فكان من المفروض أن توقفوا الحرب بمجرد وصول تلك الدعوات وقد علمنا أن الإصرار على القتال ناشئ عن تعلق بشبهات، وبناء عليه فإني أود أن أشير إلى شبهتين يتمسك بهما رافضوا الحوار المصرون على القتال والنزال لبيان حكم الشرع فيهما (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) هما شبهة عدم تطبيق أحكام الحدود من طرف حكومة شريف.

وشبهة الولاء والبراء باعتبار أن حكومة شريف لها علاقات بدول غير مسلمة. وهاتان الشبهتان كانتا مثار فتنة التكفير واستباحة الدماء في كثير من بقاع العالم الإسلامي.

وذلك بسبب قصور الإدراك وسوء التنزيل فصدق فيهما قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه -لما قال الخوارج:\"لا حكم إلا الله\"-: كلمة حق أريد بها باطل\"؛ لأنها نُزِّلت في غير محلها.

فبالنسبة للشبهة الأولى وهي: تطبيق الشريعة في مجال العقوبات فأود أن أقول إن مضمون الشريعة واسع، متسع الأرجاء مترامي الأطراف فهو يشمل كل الأوامر والنواهي في شتى مجالات الحياة وميادين الأعمال الصالحات تخدم الفرد والمجتمع ومجال العقوبات أحدها وتطبيق الشرع فيه واجب، فهو أمر مطلوب شرعاً ومرغوب طبعاً لأنه يقطع دابر الفساد لكنه محاط بشروط أولها توفر نظام مستقر مطاع فهو من الأحكام السلطانية كما هو معلوم، وبدون هذا السلطان لا يجب ذلك بل لا يجوز وهذا إجماع من المسلمين كما يقول القرطبي.

ثانيا: عدم الخوف من فتنة وخلل ديني كما يدل عليه فعل عمر رضي الله عنه عندما أوقف عقوبة النفي.
ثالثاً: عدم وجود شبهة مسقطة للحدود من مجاعة أو نحوها كما فعل عمر في عام الرمادة.
فإن الإسلام منظومة كاملة تراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والروحية للناس، ومن لم يفهم ذلك فلم يفهم حقيقة الشريعة ومقاصدها المبنية على التيسير والتبشير.

ومع توفر الشروط السابقة فإن من لم يطبق أحكام الحدود –دون إنكار لوجوبها الشرعي- فإنه ليس خارجاً عن الملة كما عليه المحققون من أهل العلم الذين تأولوا قول الحق جل وعلا في سورة المائدة (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) بأنه كفر دون كفر وفسق دون فسق كما قال ابن عباس وحذيفة رضي الله عنهما وليس ذلك بمخرج عن الملة فلا يجوز قتال الناس بهذه الحجة لأن الكفر محله القلب والاعتقاد قال حذيفة وابن عباس ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك \"الحكم بغير ما أنزل الله\" رجل من هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

وروي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاووس وعطاء.
والكلام للحافظ ابن عبد البر في التمهيد 5/74-75) ومثل ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال ابن عباس وأصحابه كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق وكذلك قال أئمة السنة كأحمد بن حنبل وغيره كما سنذكره إن شاء الله.

وصرح بذلك في كلام طويل في الفتاوى فقال عن ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) قالوا كفروا كفرا لا ينقل عن الملة وقد اتبعهم في ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السلف\". ونسب ذلك للبخاري ( فتاوى ابن تيمية) ويراجع كتابنا \"فتاوى فكرية\" في مبحث التكفير.

وليس هذا تهوينا من أمر إقامة الحدود الشرعية بل وضعاً للأمور في نصابها ودعوة إلى السلام وإيقاف الحروب لتوفير ظروف إقامة الحدود فإن الله تعالى لم يعذب أهل مكة وقد اخرجو خليله وصفيه محمداً صلى الله عليه وسلم وحاربوه وعذبوا أصحابه لأن ذلك سيؤدى إلى إيذاء رجال ونساء أبرياء فقال تعالى(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) فكيف تشنون حرباً تقتلون فيها الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال بدعوى الدفاع عن الحق؟!وأما الشبهة الثانية فهي: الولاء والبراء، وهو أيضا مبدأ وضع في غير محله وحمل على غير محمله، فكفر الناس بظواهر لا حقيقة لها ومجملات لم تفهم على تأويلها.

فإن الولاية وما اشتق من مولى وولي وردت في سياقات كثيرة في الكتاب والسنة، فجاء الولي لواحد وعشرين معنى منها الرب جل وعلا والمالك والمعتق والقريب والجار والعم والشريك والناصر،، إلى آخرها. يقول مرتضى الزبيدي: وأكثرها –أي هذه المعاني- قد جاء في الحديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه.

فالولاء أنواع ودرجات، المخرج منها عن الملة واحد هو الولاء في العقيدة، فمنها ما يكون مطلوب كالولاء للأقارب ولو كانوا غير مسلمين (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) وقوله صلى الله عليه وسلم لأسماء صلى أمك\". وكانت أمها مشركة، وقد يكون حراماً؛ كالولاء المشتمل على معصية ومساعدة في القتل، ولكن بعض الطوائف على مر التاريخ أعطته مضموناً غير صحيح؛ ولهذا حذر منه بعض كبار علماء السنة كالإمام أحمد رحمه الله تعالى عندما يقول في رواية الأصطخري عنه: الولاية بدعة والبراءة بدعة .. إلى آخر كلامه في \"طبقات الحنابلة\". وذكر عبد الله بن أحمد في \"كتاب السنة\" من ذلك الشيء الكثير.

فلا يجوز التمسك بشبهة الولاء والبراء لقتال القوات الأفريقية التي جاءت لمساعدة البلاد بقرار إقليمي ومحلي من حكومة شريف \"فالمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم\" فكيف إذا كان مسئولا كبيرا فلا يجوز قتالهم بحال من الأحوال بل عليكم أن تتفقوا مع إخوانكم لتحديد مدة مأموريتهم ومدا صلاحياتهم وباتفاقكم مع أخواكم يسهل انسحابهم وتنتفي الحاجة إليهم.

فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، ولا يكفر بعضكم بعضاً ليجعل ذلك وسيلة للقتال (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) هذه نصيحتنا لكم ونحن مستعدون لإجراء حوار معكم لبيان الحق حول هذه القضايا وغيرها وندعو الحكومة التي انتخبها أهل الحل والعقد أو بعضهم أن تحاور قبل أن تقاتل كما فعل عليُّ رضي الله عنه وقد حاور الخوارج وناظرهم إذ أرسل إليهم ابن عباس ثم كف عنهم حتى هيجوا.

ونرجو من البلدين الذين آووا أهل الصومال عندما اعتدى عليهم جيش الحبشة وهما جيبوتي وأريتريا أن يساعدوا أهل الصومال في جمع شملهم ولم شعثهم فهم مشكورون على ما وفروا من الدعم والإيواء وما قدموا لهم من مقتضيات التضامن والوفاء.

ونناشد علماء الصومال أن يشيعوا هذا النداء ويذيعوه ويراجعوه ويصححو ويعلقوا عليه فالحق طلبتنا وصون الدماء هدفنا وغايتنا.

ونرجو كل الصوماليين أن يعدوا خطة طموحة للخروج بالبلد من التخلف والنزاع والشقاق وآثار الحروب والدمار فذلك هو الجهاد الحقيقي، فالجهاد كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية شامل لكل أعمال البر، كما في \"الاختيارات\" للبعلي.

يمكن أن نتصور خطة تقوم على انضمام الفصائل للبرلمان والحكومة وإعداد الهياكل التنظيمية للدولة المستلهمة من شرع الله تعالى نصوصا ومقاصد وفروعا وقواعد.

خطة للحياة وليس للموت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) وهي الحياة الشريفة التي تكفل سعادة الدنيا والآخرة، وذلك بالنهوض بالاقتصاد ورجوع اللاجئين وإغاثة المنكوبين وإعداد الكادر البشري المدرب وتقنين النظم المبنية على الشريعة السمحة الواسعة بعزائمها ورخصها، وإعداد سياسة خارجية تقوم على حسن الجوار ومراعاة المصالح، وتعطي للدولتين المجاورتين اللتين آوتا ونصرتا جمهوريتي جيبوتي وأريتريا فيها المكانة المناسبة ولكل الدول العربية والإسلامية وغير الإسلامية نصيب في بناء السلام والتنمية بما في ذلك إمكانية عقد اتفاق عدم الاعتداء مع إثيوبيا التي اعتدت في السابق.

وتنظيم القوات المسلحة التي ستضم كل الفصائل بما فيها شباب المجاهدين وجنرالات الصومال الكبار الأبطال، وبما فيها قراصنة البحر الذين سيجدون فرصة لخدمة بلادهم بدلا من قطع الطريق والذين يمكن أن يكونوا جزء من البحرية الصومالية حتى تعود الأساطيل الأجنبية إلى قواعدها.

فعليكم أن ترفعوا رؤوسكم وتتعاونوا مع الجميع بما في ذلك الدول الكبرى التي تراجع سياساتها لتكون قوة سلام وليست قوة دمار وحروب.

لقد برهنتم على شجاعتكم في ميادين القتال فبرهنوا على حصافتكم في بناء السلام والازدهار. إن الإسلام رحمة للعالمين وهو دين السلام والمحبة والوئام. والنبي عليه الصلاة والسلام كما يقول ابن إسحاق أمر بحراسة كلبة بجرائها على طريق الجيش حتى يمروا دون إزعاج لها فكيف بإزعاج المسلمين وغير المسلمين.

إن هذه خواطر وعناوين نود لو ناقشتموها، ومعنا أيضا في أول فرصة للتأصيل الشرعي والسياسي المصلحي الذي هو مقصد أعلى من مقاصد الشريعة كما يقول أبو إسحاق الشاطبي: إن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد.
وعلى الله قصد السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أ.د.عبدالله عمر نصيف العلامةعبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيه
رئيس مؤتمر العالم الإسلامي رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد



خدمات المحتوى
    زيارات 1928


.د.عبدالله عمر نصيف العلامةعبدالله
تقييم
1.04/10 (7 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جميع الحقوق محفوظة لشبكة الأمن الفكري